عزيز أشيبان: في صلب التجربة التنموية لدولة رواندا: دروس وعبر

عزيز أشيبان

كلما تحدثنا عن النهضة والإقلاع إلا وتبادر إلى الذهن تجارب الدول الغربية والأوربية على الخصوص، إذ نتكلم عنها بإسهاب وإعجاب إلى درجة إجراء عملية حفريات لاستخلاص العبر وإبداء التوق إلى نقل و تبيئة تلك التجارب في الوطن العربي. هذا التوجه والمنحى أدى بنا على ما يبدو إلى إهمال تجارب ناجحة  لدول مجاورة من دول الجنوب تصارع ما نكابده ونتقاسم معها الكثير من المعطيات. أهو تكبر مبني على الأنفة  والتنكر وعدم قبول التغيرات أم فقط قصور في استيعاب ما يجري والتمادي في اعتماد نفس أنماط التفكير الكلاسيكية التي أوصلتنا إلى الضياع؟

من التجارب التنموية الناجحة في القارة الإفريقية والتي تسمو كنموذج يستحق الدراسة والمتابعة، هناك تجربة النمو الاقتصادي الغير مسبوق لدولة رواندا والتي  تصنف بالتجربة المعجزة لقساوة الظرفية واستحالة قيام أو نجاح أي مبادرة في البلد الإفريقي الذي انتقل من مخلفات المذابح العرقية إلى واحد من أسرع الاقتصاديات تقدما بالقارة الإفريقية.

كيف حدث ذلك؟

قد يبدو السؤال اختزاليا  عند الوهلة الأولى لكن محاولة الإجابة عنه تحتاج لعملية تفكيك وتمحيص وتريث.

من النافل القول أن كل المؤشرات والوقائع كانت تنذر بفشل أي محاولة إقلاع داخل رواندا، إذ كانت تئن تحت وطأة الحرب الأهلية والمذابح العرقية آخرها تمت في 1994 في ظرف مائة يوم ذهب ضحيتها حوالي 800000 شخص من قبيلة التوتسي التي ينتسب إليها مهندس وزعيم الثورة التنموية التي ستأتي فيما بعد:الرئيس بول كاغامي.

من المؤكد أنه اجتمعت العناصر المحفزة لتحقيق الإقلاع وجعلت المستحيل ممكنا وحولت الشعور باليأس إلى شعلة أمل ثم إلى واقع محسوس.

تتعدد عوامل الطفرة الاقتصادية وتتشابك، غير أنه يمكن تصنيف أهمها في الأسس التالية:

الجانب النفسي

لا جرم أن الشعب الرواندي عانى كثيرا من نعرات العصبية القبلية  والانتماء العرقي التي تسببت في هلاك خمس الساكنة وتهجير العديد منهم إلى دول الجوار،  غير أن عزيمة القيادة السياسية ودهائها في استثمار توق الشعب إلى حياة الاستقرار والتخلص من جحيم الشعور بالاضطراب والارتياب مكن من  تحويل هذا الواقع النفسي البئيس والمحبط من عائق للتنمية إلى حافز للتخلص من سنوات التخلف والبحث بجدية وبحزم عن النهوض والإقلاع بما هو متاح من إمكانيات بتبني مقاربة مصالحة عامة والمضي قدما نحو صنع المستقبل: الانخراط الايجابي والمخلص في صناعة مستقبل البلد يَجُبُّ ما قبله.

تثبيت واقع الاستقرار السياسي بتوفر الإرادة السياسية الصادقة  بعد إيقاف المذابح العرقية سنة 1994، تم التركيز على تكوين وتقوية الجيش الوطني وتثبيت الأمن بالبلاد بقيادة بول كاغامي الذي شغل منصب وزير الدفاع ونائب الرئيس مابين 1994 و 2000. فأصبحت البلاد تحت سلطة القانون وفسح بذلك المجال لانطلاق أوراش بناء البلد.

تم بنجاح تشكيل حكومة وحدة وطنية للقضاء على أي نوع من الإقصاء المؤسساتي المبني على الانتماء العرقي وامتصاص تأثير النعرات القبلية والمضي قدما في تعبئة المواطنين من اجل المشاركة في أوراش بناء المستقبل.

امتلاك الرؤية المستقبلية مع تثبيت ميكانيزمات وآليات تنفيذها

تشتغل الحكومات المتعاقبة برواندا بمعية الرئيس الاستثنائي بول كاغامي منذ سنة 1994 وفق رؤى مستقبلية وأهداف محددة. هناك رؤية عام 2020 والتي تهدف إلى تحويل البلد من اقتصاد منخفض الدخل والمرتكز أساسا على الزراعة إلى اقتصاد موجه نحو الخدمات ومرتكز على المعرفة. هناك أيضا رؤية 2020 التي تهدف إلى جعل الاقتصاد الوطني مصنفا مع الدول المتوسطة الدخل باتباع وتنفيذ إستراتيجية ترمي إلى الرفع من  النمو الاقتصادي والتقليص من الفقر من خلال التركيز على المحاور التالية: التحول الاقتصادي، الحكامة والمساءلة، التنمية القروية، المردودية والنمو، والتشغيل.

وأخيرا هناك رؤية لعامي 2035 و 2050 والتي تتطلع إلى الارتقاء بالبلد إلى مصاف الدول ذوي الدخل العالي بتطبيق سلسلة من المخططات على مدى سبع سنوات.

الإصلاح الاقتصادي

حققت رواند نموا اقتصاديا مستداما وغير مسبوق على مدى عشرين سنة تراوح ما بين سبعة إلى ثمانية في المائة كنتيجة لعمل جاد وفي العمق تجسد في توفير بيئة اقتصادية محلية ذات قابلية لقيام إقتصاد وطني متين، مما جعل رواندا مصنفة مع  أحسن ثلاث دول بخصوص الحرية الاقتصادية.

يجد النمو الاقتصادي برواندا مدخلاته فيما يلي:

  • سن تشريعات مرنة تواكب مستجدات السوق العالمية

  • بناء بنية تحتية من خلال التركيز على الاستثمارات العمومية

  • تثبيت وممارسة قيم الشفافية وترشيد النفقات والمحاسبة والحكامة الفعالة إذ تصنف رواندا مع ثلاث دول الأقل رشوة في إفريقيا

  • نهج سياسة اقتصادية تشاركية تضم كل الشركاء من الخواص والتقنوقراط والسياسيين من المعارضة.

  • منح الأولوية والاهتمام للمقاول وجعله فعليا النواة الصلبة للاقتصاد المحلي

  • تنويع منابع خلق الثروة بالابتعاد عن الاعتماد الكلي على الفلاحة ومحاولة التحول إلى قطاع الصناعة والخدمات وتشجيع القطاع الخاص

  •  جلب الاستثمارات الخارجية ورفع مستوى التنافسية من أجل اكتساب الدرابة وتأهيل الموارد البشرية

  • استثمار الموارد الطبيعية في الرفع بقطاع السياحة.

  • تحرير القطاع الفلاحي من خلال سن قوانين مرنة تسهل عملية تعامل المزارعين المحليين مع شركاء من مختلف دول العالم لتصريف منتجات الشاي والبن اللذان يشكلان محور صادرات البلد

  • الاعتماد على القروض الخارجية من أجل تمويل أوراش العمل الإستراتيجية داخل البلد، لكن مع التزام الصرامة في كيفية تدبيرها وإنزال أقصى العقوبات بالمفسدين، مما اكسب حكوماتها المصداقية و ثقة المؤسسات الخارجية المانحة للقروض . كما أبدى صناع القرار بالبلد رفضهم للاملاءات الخارجية واستغلال عقدة الذنب التي تعاني منها الأمم المتحدة وبعض القوى العظمى لفشلها في إيقاف المذابح برواندا واعتذارها فيما بعد عن ذلك على لسان بيل كلينتون وكوفي عنان.

التنمية الاجتماعية

تهدف المخططات الحكومية إلى جعل التنمية الاقتصادية في خدمة التنمية الاجتماعية من خلال تقليص معدلات الفقر والرفع بمستوى المعيشة وتقليص الفوارق الاجتماعية وعدم استئثار فئة معينة بمنابع الثروة وحسنات التنمية الاقتصادية.

المجال التربوي والتعليمي

مع الوعي التام بحساسية القطاع ، ركز الروانديون على الاستثمار في المجال التربوي من خلال تسهيل عملية ولوج التعليم الأساسي حيث وصلت نسبة التمدرس عند الأطفال إلى 97% وهي أعلى نسبة في القارة الإفريقية وأعيد الاعتبار إلى نوعية التربية والتعليم من خلال مواكبة التقدم العلمي والانفتاح على العالم الخارجي بالاهتمام باللغات المحلية والأجنبية وبث قيم الوطنية في نفوس أجيال المستقبل لكبح نعرات الانتماء القبلي.

تحسين وضعية المرأة وتسهيل انخراطها في الحياة السياسية والاقتصادية

تم سن تشريعات مكنت المرأة من التمتع بحق الملكية  و اقتسام التركة عند الطلاق وممارسة الأنشطة السياسية والاقتصادية إذ تشغل النساء أكثر من نصف مقاعد البرلمان ولها مكانتها في المؤسسة الحكومية. لذلك أضحت المرأة قيمة مضافة في الاقتصاد الوطني وساهمت في تحديث أنساقه وبث الحركية في هياكله و إحداث ثورة في النسيج الداخلي للمجتمع الرواندي.

من المؤكد أنه هناك عدة مؤاخذات على أداء النظام القائم برواندا كالاسثئتار بالقرار والتضييق على حرية الصحافة غير أنه هو النظام نفسه الذي أنقذ البلد من الفوضى والاقتتال وأشعل بريق الأمل في الأجيال القادمة وأسس لأنساق عمل أثبتت فعاليتها. ماذا عن الجمود وواقع الارتداد الذي نرضخ تحت وطأته في المنطقة العربية باستمرار نفس عقلية صناعة القرار وبالإلحاح على نهج نفس السياسات المفلسة بكل تعنت وتكبر منذ عقود خلت.

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. أهم ما في هذه المقالة التي يستوجب أن نأخذ منها العبر
    هو السؤال المطروح في الأخير.
    والجواب عندما نتخلص من التبعية والاملاءات الخارجية.
    يسهل حينها تطبيق كل المخططات التنموية ويمكن التقدم نحو الأمام. وشكرا

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here