عزيز أشيبان: في ذكرى رحيل الأمير المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي

عزيز أشيبان

من وقت لآخر تغادرنا زمرة من الرجال وتوارى أجسادها التراب و ترتقي أرواحها إلى السماء وتخلد في أحضان المجد و تزداد لمعانا مع مرور السنين وتعاقب الأجيال.

كثيرة هي الأسماء التي أهدت حياتها لخدمة قضايا شعوب المنطقة العربية وأخلصت الجهاد ورسخت مبادئ الكرامة والأنفة والعزة والوفاء. من منا لم يسمع باسم الأمير المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي ولم يقف احتراما وإجلالا لرمز من رموز المقاومة والدفاع عن القضايا الإنسانية في دول العالم الثالث؟ اسم دُوّن من ذهب في قلب أبجديات التحرر من الاستعمار ورفض الحيف والهوان.

 كلما فقدنا الثقة في النفس وأخذ منا اليأس والتردد مأخذه، كلما كانت الحاجة أكبر إلى تذكر تجارب هؤلاء العمالقة الأفذاذ الحاضرين بقوة في الوعي الجماعي للأمة من أجل التدبر والاستلهام وتثبيت العزائم خصوصا في هذه الظرفية الصعبة حيث اشتد التطويق وتعمقت البلقنة وتكاثرت الأزمات والخيبات في جميع دول المنطقة العربية.

 كيف اكتسب اسم المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي الخلود واللمعان والاحترام في قلب الأحرار الاقحاح في جميع دول العالم؟

نتاج طبيعة جبلية وتراث نضالي

يعتبر الرجل نتاجا خالصا لتفاعل الطبيعة الجبلية مع الذخيرة البشرية النقية، إذ اكتسب الشموخ وعزة النفس من قلب جبال الريف واكتسب الصلابة والجلد من صلب قيم المقاومة والمجابهة والتعايش مع طبيعة جبلية وعرة حيث إرث الأجداد والأسلاف.

أتى البطل المغربي من صلب قبيلة ذات حظوة بين القبائل المجاورة ومن أسرة ذات شأن عظيم حيث تربى الرجل في كنف القدوة (الأب المقاوم) وتلقى تربية محافظة منفتحة على العالم أهلته لحمل أمانة قيادة المقاومة محليا والهام الآخرين خارجيا.

شخصية قيادية بامتياز

زاوج البطل بين التعليم المحافظ في منطقته ثم في فاس والتعليم العصري بإسبانيا وكانت له كاريزما وملكة في إقناع وتهيئة الرجال وتوحيد نضال القبائل مكنته من الارتقاء إلى القيادة التي تربى في كنفها من خلال والده رحمة الله عليه. كان متمردا على الظلم و رافضا الخضوع والمساومة. اكتسب خبرة في القضاء والإدارة وأمور الجيش (داخل الجيش الإسباني) وكدا الترجمة.  شهد له الأعداء قبل الأصدقاء بالتفوق في أدبيات التفاوض الدبلوماسي و بالحنكة في إعداد وترتيب الخطط الحربية وتوقع نوايا وردود فعل الأعداء. كما نجح أيضا في التأسيس لإدارة منظمة وتدبير عقلاني حسب نوعية الموارد اللوجيستيكية والبشرية المتواضعة المتاحة. أسس لفكر ثوري إنساني وأحيا ذخيرة من قيم الحياة الكريمة والشريفة.

لم يغتر بما تتيحه القيادة من فرص الاستمتاع بالملذات والامتيازات، بل افتدى قومه بنفسه وجاهد حتى آخر رمق وآثر الاستسلام للإبقاء عليهم بعد إمطارهم بالغازات السامة من طرف الإسبان وتحالف الغزو الإسباني مع الغزو الفرنسي. ورغم قضائه مدة واحد وعشرين سنة في المنفى بجزر لارونيون لم تفتر ملكات البطل وهزم المكر الفرنسي الذي أراد إقباره في ماضي النسيان وإطفاء شعلة المقاومة، بل تابع الجهاد وعلى نطاق أوسع عند إقامته بمصر وعمل على تنسيق مجهودات وحركات التنظيمات  السياسية بالمغرب العربي من خلال إنشاء لجنة تحرير المغرب العربي من أجل توحيد التوجهات و مجابهة الأزمات في أي قطر كجبهة واحدة والجهاد من أجل الاستقلال التام لجميع أقطاره.

عالمية القضية والانتماء

يؤسس معطى الإيمان الصادق بالقضية محور ثبات ونجاح تجربة المقاومة الريفية. إذ رغم محاولة البعض حصرها جغرافيا في حدود الريف من خلال اسم “المقاومة الريفية” إلا أن مجال اشتغالها وأبعادها كان أعمق. حقيقة،  انكبت المقاومة بقيادة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي على الدفاع عن مبادئ الكرامة وحرية تقرير المصير والرفض التام للاستعمار بكل أشكاله وكيفما كانت جنسيته وعدم الخضوع والخنوع له. هو رفض ضمني للاستسلام والوصاية والخيانة والتطبيع مع أطماع الغزاة. لذلك انتقلت التجربة إلى  العالمية ومنحت الأمل و الثقة في النفس للشعوب المستضعفة وقدمت الدروس والعبر من أجل الاقتداء حيث جسدت لثورة استفاد من دروسها كبار ثوار العالم من طينة ماوتسي تونغ و تشي غيفارا.

مقاومة قوامها الإيمان بالقضية والعزيمة والثبات

رغم تباين ذخائر العتاد والأسلحة والإمدادات البشرية بين المستعمر الاسباني ( وفيما بعد حليفه الفرنسي) ورجال المقاومة انطلقت شرارة شعلة  المقاومة من عنفوان غيرة وحماس عشرة أفراد حفظا للكرامة وصونا للحرية من خلال الإيمان بالقضية والدفاع عن الحقوق الإنسانية وفي مقدمتها حق الحياة الذي لا ينفصل عن الكرامة و بالاعتماد على تمويل محلي محدود وغنائم عتاد العدو وفدية الأسرى.

تكبد الإسبان الهزائم والخسائر ورسخت معركة أنوال سنة 1921 لملحمة خالدة في تاريخ الحركات التحررية إلى درجة إجبار الإسبان على طلب الهدنة ثم الصلح صاغرين أمام عزيمة رجال المقاومة التي لم ترضى إلا بالاستقلال الحقيقي عوض الحكم الذاتي الداخلي.

تردد القلم كثيرا قبل  كتابة هذا المحتوى لضخامة قدر الرجل البطل وصعوبة الإحاطة بكنوز شخصيته وعمق تجربة قيادة مقاومة أحرزت العالمية والخلود، غير أن واجب التكريم و الاعتراف يعلو ولا يعلى عليه.

 ( كاتب مغربي)

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. لابد من التذكير أيضا انه بطل امازيغي تاريخي دافع عن الإسلام وعن وطنه و عن توحيد الأمة المغربية الأبية

  2. رحمة الله عليه وجزاه عنا كل خير. شكرا للكاتب و لأسرة راي اليوم على هذا التذكير والتكريم.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here