عزيز أشيبان: عن وهم التطبيع أتحدث!

عزيز أشيبان

عندما تتم استعارة مصطلح تطبيع يقصد به جعل علاقة معينة بين طرفين عادية وطبيعية بعد فترة نزاع أو قطيعة حالت دون السير الطبيعي لتلك العلاقة. لكن عندما يوظف المصطلح في اتفاقيات، نترك للقارئ حرية تصنيفها، تهم العلاقات بين بعض الدول العربية والكيان الصهيوني فإن ذلك يتم بمكر واختزال وإقصاء لعناصر مفصلية في تاريخ الكفاح الفلسطيني.

ربما لم يكن إعلان تطبيع بعض الدول العربية مع الكيان مفاجئا باعتبار منحى مجريات الأحداث في المنطقة العربية خصوصا منذ العقد الأخير من الألفية الثانية إذ لم تزداد الدول العربية إلا ضعفا وبلقنة وعمقا في صراعاتها البينية والقطرية  واستوطن العنف والتوجس النفوس والبقاع وتسيدت ظواهر الارتداد والتشدد والانشقاق.

من المؤسف أن الكيان الصهيوني ارتقى لدى صناع القرار في المنطقة العربية إلى مصدر شرعية لمن لا شرعية له، وحامي السيادة والحدود، وملهم الريادة لمن يعيش على هوس الزعامة. حقيقة، تلتقي معظم مصالح  المشاريع الجيواستراتيجية  بالمنطقة مع مصالحه ويتم احتوائها وتشكيلها في قالب يخدم أهداف الصهاينة في غياب مشروع عربي استراتيجي وبعبارة أدق في غياب رؤية مستقبلية قوامها التبصر والترفع عن دنايا الحسابات الضيقة.  هل فعلا يدرك صناع القرار أن معظم الدول العربية صارت مثل شظايا تتطاير بها الرياح في جميع الاتجاهات؟ هل يدركون حقا مغزى استهداف دول الممانعة وواقع الشتات الذي تعيشه المنطقة ككل؟

من النافل القول أن المنطقة العربية تعيش على أنواع شتى من الهوس ونذكر منها: هوس الريادة عند دويلات تفتقد للحضارة والعمق التاريخيين، هوس السيادة لدويلات تستجدي الحماية خوفا من التمدد الإيراني، هوس الشرعية لمن لا شرعية ولا مصداقية له للحفاظ على الكراسي، هوس إقامة دولة الخلافة وإسقاط الدولة القطرية، وبطبيعة الحال هوس التطبيع مع الكيان المغتصب.

نصنفه بالهوس لاعتبارات نعتقد أنها موضوعية، ومع مزيد من التدبر والتريث تجعله سطحيا وشكليا وتفرغه من كل عمق رغم طبيعته السيميائية وتآمر المتخاذلين  وكيد الخائنين. نبني طرحنا على الاعتبارات التالية:

يعلم الجميع أن اتفاقيات التطبيع أخرجت فقط إلى العلن ما كان يجري في الكواليس وتفتقد إلى دبيب الحياة التي تنبعث من المصداقية الشعبية ولا تمثل إلا من قام بتوقيعها وانسلخ منذ زمن سحيق عن تطلعات وهموم شعبه. كيف ينتظر منه خدمة قضية عربية وهو لم ينكب  حتى على خدمة  وإشباع أبسط حاجيات شعبه ولم يأل جهدا في قمعه والإجهاز على طموحاته! لذلك نعتقد أن اتفاقيات التطبيع تندرج أساسا في خانة مسلسل المتاجرة بالقضية لأغراض فردية ضيقة ودنيئة.

 توظف اتفاقيات التطبيع كورقة سياسية من الطرفين ولا توفر الاستقرار النفسي والذهني الذي يظل هاجس الكيان  والنواة الصلبة المفقودة والمستعصية على الشراء. لن ترفع اتفاقيات التطبيع العزلة عن الكيان وسيظل عاجزا عن الانسجام مع الجيران لأنه منبوذ شعبيا ومرفوض ذهنيا ونفسيا عند الشعوب العربية. بالتأكيد أن الكيان تمكن من الاستحواذ على الأرض والماء والبترول والخيرات لكنه لم يكتسب الاعتراف الضمني بوجوده.

هل يمكن طمس تاريخ طويل من الكفاح الفلسطيني بمجرد التوقيع على اتفاقيات متاجرة من طرف أطراف لا تمت للقضية الفلسطينية بصلة؟ يبقى المواطن الفلسطيني هو المحدد الرئيسي لمسار قضيته وقضية أمته باعتبار الانتماء للأرض والهوية وتاريخ طويل من المآسي والانكسارات تراكمت بعد أحداث النكبة. في الواقع، الشعب الفلسطيني يحتاج للدعم المادي والمعنوي والمؤازرة في نضاله الشرعي ولا يحتاج إلى من يتكلم نيابة عنه ويقرر مصير نضاله دون استشارة أو تكليف.

من المؤكد أن القضية الفلسطينية قضية كل العرب وقضية كل الشرفاء في العالم ومهما سعى الكيان إلى محاصرتها وتطويق أهلها والانفراد بهم فلن ينال إلا وهم الانتصار. ويظل طفل الحجارة عنوانا للمقاومة ونبراسا لمستقبل دولة فلسطين إلى أن ينتصر الحق وتسود الشرعية.

 (كاتب مغربي)

الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here