عزيز أشيبان: عن هوس المعرفة السريعة

عزيز أشيبان

الحديث عن “اكتساب المعرفة” يحيل على مسار تتخلله عدة مراحل بما تكتنفه من مكابدة ومعاناة وعمل شاق لإشباع شغف المعرفة وسبر أغوار عوالم المجهول. غير أنه هناك نزوع غريب نحو المعرفة السريعة الجاهزة بأقل جهد وفي أسرع وقت ممكن خصوصا في أحضان ثورات التكنولوجيا المعلوماتية الغير مسبوقة.

من المؤكد أنه في عصر المعلومات الذي نعيش فيه، تتمتع  المعلومة بقيمة رفيعة ربما غير مسبوقة، فهي من يحدد الغني والفقير من الدول و يعمق الفجوة بين دول الشمال والجنوب ويميز الفاعل عن المفعول به وتشكل الميزة النسبية في المنافسة.

منطقيا يتميز مسار اكتساب المعرفة بالعمل الشاق المتواصل تتخلله عمليات في غاية التعقيد كما هو الحال بالنسبة: للاستقبال، التمحيص بواسطة النقد الذاتي، التصنيف والتفاعل مع المستجدات من أجل الاغناء، التواصل والتعامل مع ردود الفعل.

لكن ما هو مريب ومقلق هو محاولة التمرد على قوانين وأعراف اكتساب المعرفة والتماس سبل واهية للوصول إليها. إذ يبدو أنه هناك هوسا جارفا نحو اكتساب المعرفة لكن بتجنب أو التغاضي عن اللجوء إلى المجهود المضني واستثمار الوقت المطلوب و رصد ما يلزم من التركيز والمتابعة  وإبداء الشغف المعرفي. ربما هو نوع من الكسل والعجز في عصر تسارع الأحداث والاهتمام بما هو سطحي أكثر منه باطني وعدم الاستعداد للتعايش مع المعاناة والقلق. قد يتعلق الأمر بوهم الذكاء في تملك المعلومة لكن بإقصاء تاريخ نشأتها وتطورها وتراكمها عبر الزمن، والتركيز فقط  على ما هو آني دون إيلاء أهمية لحقول علمية من قبيل:  الفكر، التاريخ، الفلسفة ولا لعمليات التدرج والتحقيق أثناء اكتساب المعرفة. يتم إذن تفضيل توظيف ما هو متاح لقضاء مآرب معينة مع التأسيس، بإدراك أو دون إدراك، للانتزاهية والارتزاق والتحايل والفهلوة.

يجد منحى النزوع نحو عملية التماس المعرفة السريعة تفسيره في: مسايرة وتيرة تسارع الأحداث، ضخامة زخم المعلومات الواردة على المتلقي في مدة جد وجيزة،  شيوع منطق الاستهلاك بأقل تكلفة وأكثر فاعلية، الفرار من مشقة البحث والمجهود الذهني المبذول، ميل النفس البشرية نحو الكسل والرفاهية،  هاجس كسب الوقت و ادخار المجهود، طغيان كل ما هو سطحي على كل ما هو عميق …

كما يكتسب هذا النوع من المعرفة يتلاشى بتلاشي غايته وماهيته التحايلية وبنفس سرعة اكتسابه لأنه يناقض قوانين الطبيعة البيولوجية  وعرف مبدأ الأخذ بالأسباب و ربما الأخطر  هو إجهاز المعرفة السريعة  على البحث المستمر والتدرج في التماس المعرفة وعملية ترسخها وسبر أغوار العمق، فيسود بذلك الفوضى والعبث والخبل في الفهم وإدراك المعاني والسطحية في رؤية ومعالجة الأمور وتنتشر رذائل التواكل و الاتكالية والانتهازية.

تطفو المهملات على سطح الماء إلى أن يلقي بها البحر على الهامش ويتخلص من عبء حمولتها، بينما يتركز القيم من الأشياء في العمق ويبدل النفيس في طلبه، تبدو كذلك محاولات كسب المعرفة والفهم والارتواء.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here