عزيز أشيبان: عن التوجه الروسي نحو إفريقيا

 

عزيز أشيبان

بعد انهيار المعسكر الشرقي ونهاية الحرب الباردة وبقاء الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى وحيدة تقود النظام العالم الجديد وتحدد تصوراته وآليات اشتغاله، خفت الأداء الديبلوماسي الروسي بعد اضطرار صناع القرار على الانكفاء على ترميم البيت الداخلي وبعث الحياة مجددا في الاقتصاد الوطني. غير أنه مع بداية الألفية الثالثة عادت الطموحات الروسية إلى الانبعاث من جديد والعودة الى المنافسة على دور الفاعل الرئيسي في عدة مناطق استراتيجية من العالم.

غدا التوجه الروسي نحو إفريقيا في السنوات الخمس الأخيرة قويا واستراتيجيا وصارت الامبراطورية القيصرية فاعلا رئيسيا إلى جانب الفاعلين الغربيين خصوصا أمريكا وفرنسا. من المؤكد أن التوجه ليس بالأمر الجديد في تاريخ الديبلوماسية الروسية، لكن تختلف الدوافع والأساليب المتبعة وكذا المقومات. ما هي إذن الدوافع الباطنية وراء التوجه الروسي نحو إفريقيا وماهي السبل المتبعة لصياغته على أرض الواقع ومقومات إنجاز أهدافه؟

قبل الخوض في محاولة الإجابة على تلك الأسئلة ، يستوجب التذكير ببعض الحقائق والمعطيات عن العقل السياسي الروسي لتمكيننا من تتبع أفضل للتوجه الديبلوماسي الروسي وإدراك طريقة أدائه.

استراتيجية التوسع مسألة حياة أو موت

تتبع روسيا منذ قرون خلت نهجا خاصا يشبه عملية المد والجزر، إذ تتراجع إلى الوراء في أوقات الارتداد والأزمات  لترميم البيت الداخلي والتحضير جيدا لمشروع انطلاق  جديد من أجل التوسع. تتغير طبعا المعطيات والظروف لكن التوجه يبقى ثابتا وبنفس الإيقاع والأطماع.

تتموقع عملية التوسع والتمدد وعدم الانكماش في قلب مسالة الأمن القومي الروسي وتتخد صبغة  نفسية خاصة عند المواطن الروسي لتجذر الشعور الدائم بالقلق والخطر القادم من جميع الاتجاهات. لا يخفى على أحد أن تاريخ الإمبراطورية  الطويل غني بالصراعات والحروب سواء من خلال مقاومة الغزاة في حالة الضعف أو في أوقات السيطرة على الجيران و المناطق البعيدة في أوروبا وآسيا في حالة الرخاء.

الغموض طابع الأداء الديبلوماسي الروسي

يتميز النظام الروسي عن بقية الأنظمة السياسية في دول العالم بالحكم الدكتاتوري المطلق الذي يبدي الصرامة، والجبروت ، والسرية،  والحزم في التعاطي مع المشاكل الداخلية أو الخارجية ويقف البلد كقوة عظمى تجابه أقوى الأمم.

تنتمي روسيا إلى قارتين لكن انتماءها يكتنفه الغموض والتوجس ولا تنخرط كليا في كلتا البقعتين الجغرافيتين ولا تبدي دائما ما تبطن.

دوافع التوجه نحو أفريقيا

على المستوى الاستراتيجي، لم يعد للنظام الروسي خيارا آخر غير البحث عن البدائل بعد فرض العقوبات عليه سنة 2014 من طرف الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي بسبب دعم الإدارة الروسية  للانفصاليين في أوكرانيا، لذلك فالتوجه إلى إفريقيا ينخرط في سياسة مقاومة الحصار والعقوبات المفروضة على الاقتصاد الروسي.

من جهة اخرى ، تستغل روسيا بحث الدول الافريقية عن بدائل للولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والصين وتستثمر حيرة وتجاذب صناع القرار الأفارقة وتحاول تقديم ما يمتنع او يعجز الآخرون على تقديمه أو توفيره بالتحالف معهم لبناء تكتل قوي واسماع صوته في مؤسسات المجتمع الدولي.

على المستوى الاقتصادي، تقدم افريقيا فرصا واعدة للاستهلاك والإنتاج على حد سواء، إذ  تفوق ساكنة أفريقيا  المليار نسمة وتشكل سوقا اقتصادية لتصريف المنتجات الروسية وفتح آفاق لشركات الامبراطورية القيصرية، إضافة إلى توفر إفريقيا على ذخائر المواد الأولية الطبيعية (خصوصا المناجم)  والرأسمال البشري. كما أن معظم الدراسات الاقتصادية المستقبلية تتوقع  تحقيق اقتصاديات  الدول الافريقية لأكبر نسبة  نمو في السنوات القادمة لتوفر عوامل ومعطيات تحقيقه.

الأساليب

رغم ما حققته روسيا من نمو اقتصادي إلا أنها لم تصل بعد إلى مستوى القوة الاقتصادية العظمى، غير أنها تمثل قوة استراتيجية وعسكرية تمتلك من الأدوات ما يخولها منافسة باقي الدول العظمى.

حقيقة هناك تغير ملحوظ في نظرة روسيا إلى باقي دول العالم وطريقة التعامل مع القضايا الساخنة ، إذ لم تعد مقاربة الديبلوماسية الروسية مبنية على أسس أيديولوجية، بل صارت ترتكز على المصالح لكن بالمحافظة على مبادئ مفصلية كعدم التدخل في شؤون إدارة الدول وفرض الأنظمة السياسية والمطالبة بالحوكمة الرشيدة.

يبدو أن الديبلوماسية الروسية استخلصت الدروس من الماضي واتجهت نحو استعارة أساليب كانت بالأمس القريب نوعية  عند  الغرب، لذلك يلاحظ اعتماد طرق جديدة أكثر واقعية بعيدة عن الأساليب القديمة من قبيل الترويج للقوة النووية أو الفكر الماركسي رغم حفاظها على توظيف خطاب ايديولوجيا الوطنية ومناهضة الأساليب ما بعد استعمارية  وتسخيرها في خدمة أجندتها الخارجية.

من أهم السبل التي تتبعها الإدارة الامريكية يمكن التركيز على:

  • الاعتماد على شركات روسية في إنزال مضامين الأجندة الروسية في القارة الإفريقية

  • استقطاب روسيا  للعقول الافريقية بالخارج لصناعة مؤثرين وصناع القرار في المستقبل

  • قيادة انتفاضات وعمليات تحسيس ضد التأثير الغربي

  • بيع الأسلحة

  • صناعة قطاع إعلامي بتأسيس منابر إعلامية تروج لأجندة الديبلوماسية الروسية

  • تأسيس منظمات غير حكومية تابعة لروسيا وتشتغل تحت وصايتها

مقومات التوسع

على المستوى الاستراتيجي لدى روسيا إرث تاريخي تروج له يتمحور حول وقوفها إلى جانب حركات التحرر وعدم التخلي عن حلفائها  وآخر نموذج تقوم بترويجه يتمثل في دعم وحدة سوريا والحيلولة دون سقوط النظام في الوقت الحاسم والعصيب.

إضافة إلى ذلك تمتلك الإدارة الروسية مشروعا ضخما خاصا بمستقبل إفريقيا، من خلال عزمها على جعل القارة قطبا اقتصاديا استراتيجيا.  كما لديها ما تقدمه في مجال محاربة الإرهاب (مواجهة خطر القاعدة بالمغرب العربي، جماعة بوكو حرام …) وتقوية القدرات العسكرية للدول الافريقية.

هناك معطيات تؤكد حقيقة المشروع الروسي تتمثل في توقيع اتفاقيات مع أكثر من 20 دولة إفريقية،  حضور عسكري روسي بجمهورية إفريقيا الوسطى في مهمة حفظ السلام، و توظيف البلد كصلة وصل بين شمال القارة المسلم و جنوبها المسيحي.

على المستوى اللوجيستيكي والمادي تمتلك روسيا :

  • تكنولوجيا عالية خصوصا في ميدان التسلح. يعتبر البلد المصدر الأول للأسلحة  إلى الدول الافريقية

  • مصادر الطاقة

  • إنتاج قمح ضخم (يصنف البلد بمثابة المصدر الأول للقمح في العالم).

 

 

 

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. الكاتب العزيز….
    ما تفضلت به هو أساس الفكر الروسي… السوفيتي سابقا والذي يريد تحقيق تواجد استراتيجي على مداخل المحيطات وعلى التمدد في أفريقيا وخصوصا القاطع الجنوبي رغبة بالمواد الاوليه والمعادن ورغبة في تثبيت قدم راسخه بمواجهة الأمريكي الذي يخطط لزعزعة الشمال الإفريقي بحروب مشابهة للجانب الشرقي من الوطن العربي

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here