عزيز أشيبان: عن أسباب تطور القابلية للاستعمار في المنطقة العربية

عزيز أشيبان

كما هو معلوم تشكل المنطقة العربية هدفا محوريا في أجندة مشاريع إستراتيجية كبرى بسبب تناقضات النسيج الداخلي وعجز تجربة الحكامة في جل الأقطار العربية وغياب مشروع عربي موحد يقارع الكبار مما تسبب في المزيد من الاختراق والبلقنة والوهن وإثارة الأطماع الخارجية. من الطبيعي أن تتراكم الأزمات النفسية لدى المواطن العربي المغلوب على أمره والباحث عن بصيص أمل يشده إلى الحياة ويزرع فيه بذرة التطلع والحلم بمستقبل أفضل في واقع يتميز بالخنوع والانكسار وفقدان الأمل.

من الغريب أن يصير البعض من أبناء جلدتنا مرحبا بالاستعمار وداعيا له، بإدراك أو بدون إدراك،  بعدما كان الأمر مقتصرا على بعض الحكام وقلة من المرتزقة المنتفعين ولأسباب يعرفها الجميع.  فهناك من يتغزل بالغزو الغربي بدافع الحداثة وهناك من يدافع عن التوسع الإيراني بحجة المذهب الديني وهناك من يدافع عن التمدد العثماني ويعطيه المشروعية من خلال الانتساب للدين الإسلامي والتوق إلى رؤية نموذجا تنمويا لدولة إسلامية،  كيف امتد إذن هذا النزوع بين العامة واخترق المخيال الاجتماعي المحلي؟

من المؤكد أنه ما كان للأجنبي أن يخترق النسيج الداخلي بدون وجود جيوب اختراق حددت له المسالك  قد تتجسد في أزمات اجتماعية أو اقتصادية أو حتى استبداد سياسي مطلق أجهز على الحريات، لكن يبدو أن العامل النفسي يشكل النواة الصلبة في خلية العيوب الداخلية ومسببات الغزو،  هل من الطبيعي أن يرحب المواطن العادي بالتمدد الخارجي ويعبد له الطريق بالترحيب والتجاوب المطلق ؟

حقيقة نعاني من تعمق لعنة القابلية للاستعمار حسب تعبير المفكر الجزائري الراحل مالك بن نبي وتزداد حدتها كلما ازداد الوضع القائم حلكة وتلاشى الأمل في الأفق. من المؤكد أن نوعا كهذا من السلوك له جذور عميقة مهدت شيوعه وارتفاع مستواه ويستدعي التفكيك لمحاولة فهم مكامن الداء.

من النافل القول أن تراكم الإخفاقات والانكسارات تسبب في تزايد حدة اليأس وفقدان الأمل وفقدان الثقة في النفس وفي المقومات الذاتية القادرة على تحقيق الإقلاع والنهوض ومقارعة الأقوياء. في واقع يتميز بالانهزامية والتواكل والهوان من الطبيعي أن تبخس كل الأفكار والجهود المحلية وتمجد الانجازات الخارجية إلى حد التقديس عند البعض، ليس غريبا  أن يجهز على الحس الوطني إلى حد التبرأ منه والتنكر له خصوصا وأن مدة الانتظار والتعقب لدى المواطن طالت إلى حد نفاذ الصبر واضمحلال الإيمان بالنصر، فهو لا يرى ما ينتظر ويرجو من سبل العيش الكريم إلا خارج الحدود.

ما يزيد الطين بلة هو انتشار الجهل والقصور في استيعاب الوقائع وخفايا الأمور وعدم الإلمام بالتاريخ وبدروسه مما جعل المواطن لقمة سائغة أمام المشاريع الخارجية وقابلا للاختراق والاستمالة بأسهل الطرق وأبخس التكاليف وبتلقائية غير متوقعة حتى من المخترق نفسه. يبدو أن المسألة منطقية جدا مادامت الدولة ركزت بعد عملية الاستقلال السياسي على بناء هياكل الدولة وهمشت عملية بناء الإنسان إضافة إلى تبني خيار الجهل كأداة للحكم.

من جهة أخرى أدى غياب المشروع المشترك والرؤية العربية الموحدة إلى البحث عن البديل في الخارج وعدم التردد في الانخراط في خدمته باستجداء الانتماء تحت أسباب واهية إلى مجموعة ذات مشروع قوي تهب ما هو مفقودا في البلد الأصلي من  كرامة وعزة  واعتزاز بالنفس.

قد يكون الانخراط في خدمة مشاريع الغير خيانة للأمانة و لواجب الانتماء وجبنا تجسد في الهرولة نحو الموجود عوض المساهمة في بنائه في بلد الوجود الأصلي حيث يجد المرء نفسه بين من هم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء حيارى الاختيار والانتماء.

كاتب مغربي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here