عزيز أشيبان: تيارات التقليد والتحديث بالمنطقة العربية والتعايش المستحيل 

عزيز أشيبان

يبدو أن الصراع في المنطقة العربية على انتزاع صناعة القرار بين تكتل قوى التيار الحداثي وتكتل قوى التيار التقليدي المحافظ قد أدخل المنطقة في سلسلة مفرغة من النزاعات وعمليات الشد والجدب اللامتناهية وإضاعة الوقت وعمق من واقع الارتداد وضعضع تماسك النسيج الداخلي وزاد من حدة التدخل الخارجي وأهدر طاقات المنطقة في المناحي الجانبية والزيغ عن القضايا المحورية والمصيرية للشعوب. قد يكون هذا الصراع طبيعيا في مراحل تطور المجتمعات، إذ نعاينه في عدة دول عبر العالم وبأوجه مختلفة، لكن ما يصنع الفرق هو كيفية إدارته وآليات اشتغاله وقدرته على إفراز أفضل البرامج و الإنجازات.  لماذا لم يستطع الفريقان التعايش في وفاق يذوب نقط ارتكاز الخلاف والانكباب على مصلحة شعوب المنطقة العربية في رحاب منافسة شريفة ومثمرة؟

لا جرم أن التوصل إلى وفاق يخدم مصلحة الشعوب العربية يتوقف على عملية بنّاء حوار بناء يُؤسس على مبدأ صون  مصلحة الوطن والدفاع على كرامته وحق أبنائه في العيش الكريم. غير أن جل تجارب التحالف مع أحزاب الإسلام السياسي في العقود الأخيرة باءت بالفشل وانتهت بصدام دراماتيكي لم يستفد منه إلا المتربصون بالمنطقة العربية.

من أهم عوامل عدم التوصل إلى وفاق تعايش بين التيارين نذكر:

  • تناقض الأهداف والرؤى: يهدف التيار الحداثي إلى تحديث الدولة والمجتمع والذهنيات من أجل تأهيل وتعبئة المجتمع نحو الإقلاع والانخراط  في الحركية العالمية والمنافسة الدولية . على النقيض من ذلك يسعى التيار المحافظ إلى أسلمة الدولة والمجتمع والتحكم في دواليبه بعدما تمكن من أسلمة الذهنيات ويدعو إلى التمسك بالتراث الفكري والثقافي وعدم الانزلاق وراء إغراءات دعاة التحديث.

  • كل تجارب الوفاق شُيدت على أساس الوفاق السياسي الأكثر سهولة على الاشتغال والتعاطي، غير أنها غيبت المستوى الفكري حيث الأساس والمنطلق. التيار التقليدي لا يرحب بمساءلة المرجعية الفكرية الإسلامية ولا يقبل بعملية النقد ويعتبره مُروقا عن عقيدة السلف، بينما يرفض التيار الحداثي منطق استدامة الجمود ويطالب بدب روح الحركية والتجديد في التراث مواكبة لواقع التطور والتغير المتواصل. كما أنه يلح على ضرورة دب عملية الاجتهاد في العقيدة لتغيير السلوك نظرا لمدى تأثير العقيدة وحساسيتها في قلب الأداء الشخصي.  ليس هناك مناظرات وحوارات بين الفريقين وفي الأماكن المخصصة لذلك، بل هناك انزلاقات حادة حيث نجد عند بعض أنصار الفكر التقليدي  عدم رحابة الصدر  وغياب إبداء المرونة والتفهم في مجموعة من القضايا وعدم إتباع أدوات التفنيد والنقد بل يسارعون إلى التسفيه والإخراج عن الملة بينما على الضفة الأخرى نجد من يوظف الفكر الحداثي لقضاء مآرب شخصية أو خارجية تنخرط في صميم توجهات لا دينية أو أفكار هدامة.

من المؤكد أن التطرف لاينحصر في المجال الديني بقدر ما يتجسد في الزيغ عن الوسطية ويكتسي وجهان يتناقضان في المدخلات ويتقاطعان في المخرجات.

  • التياران لا يتقاسمان نفس المقاربة بخصوص الوطن، إذ يؤمن التيار الحداثي باستقلالية الدولة وسيادتها في إطار حدودها القومية ويتبنى نظرة  واقعية لما هو متاح وممكن، بينما يؤمن التيار المحافظ بدولة الخلافة وينفي الحدود الجغرافية ويستبدلها بمعايير دينية صرفة.

  • التركيز على تبادل الاتهامات: يتهم التيار الحداثي نقيضه التقليدي بتمريغ الدين في السياسة واختطاف الرأسمال الديني ويدعو إلى فصل الدين عن السياسة صونا للدين. في الجانب الآخر يتهم التيار المحافظ التيار الحداثي بالعلمانية ومحاربة بعض أسس الدين ويغيب بذلك التركيز حول نقد البرامج والأداء السياسي.

  • التدخل الخارجي: تتعمق الفجوة بين التيارين لتوغل الفاعل الخارجي واختطافه استقلالية القرار والسيادة المحلية وتحكمه في التوجهات، لاغرابة إذن أن يزج بالفريقين في صراعات إقليمية تخدم أجندة الكبار.

ويبقى التعايش مستحيلا مادامت أدبيات التوافق والحوار معطلة إلى أجل غير معلوم و الخاسر الأكبر هو الوطن .

 (كاتب مغربي)

 

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here