عزيز أشيبان: تأملات في رواية مزرعة الحيوان لجورج أورويل

 

 

عزيز أشيبان

من المؤكد أن جورج أورويل أبدع عملا خالدا من خلال روايته الشهيرة مزرعة الحيوان (سنة 1945) وأعطاها راهنية قوية تتميز بغنى الأبعاد وغزارة الأفكار وعمق الإيحاءات وبعد النظر والقدرة على التبصر. تحيل الرواية على قراءات متعددة واسقاطات واقعية وتدعو إلى إعمال العقل والخروج عن نمطية التفكير وربما تنحو بالقارئ إلى القطيعة مع أنماط التفكير التقليدية الاعتيادية. استثمرت الرواية في إغناء الثقافة السياسية إذ تصنف في زمرة خوالد الأدب السياسي بما قدمته من إسهامات من خلال خلق مفاهيم جديدة وتشخيص شخصيات سياسية مجازية متينة البناء وما تقدمه من سلاسة عند إجراء عملية الإسقاط على ما يقع من أحداث.

بناء نفسي وذهني رهيب

تتميز الرواية ببناء قوي ورصين للشخصيات المتناولة بدقة متناهية وعمل جبار على التفاصيل باستحضار المحفزات النفسية التي تحرك سلوك كل شخصية والحالة الذهنية التي تنتابها في مختلف المواقف وتقلبات المزاج لديها.

اشتغل الكاتب على تقلبات الحالتين الذهنية و النفسية للأفراد سواء تعلق الأمر بصانع القرار أو بالمواطن العادي وكيف يطمح كل واحد منهما إلى الوصول إلى  المزيد من المكتسبات التي تتناقض مع الآخر في نظام سياسي واقتصادي مليء بالتناقضات والهفوات.

كما ان عملية اختيار شخصيات الرواية / الحيوانات تمت بتناسق مع المميزات البيولوجية والطبيعية  لكل حيوان على حدة واستثمرت هذه المميزات في خلق فسيفساء رائعة من كل الجوانب.

راهنية الوقائع

اشتغل الكاتب على النزعات البدائية من طمع وخوف وحب السيطرة والتملك وقام بتشريح كيفية تحريكها للنفوس ودفعها نحو العمل لتحقيق مآرب معينة. هي ذاتها النزعات التي تتحكم في الناس، والسياسة والاقتصاد وتكون وراء قيام منافسة و نزاعات ودسائس وحروب، فتمتلك بذلك الرواية راهنية قوية مادامت تتعلق بالمعطى البشري وما ينتاب النفوس من شر وخير وحسد وضغينة.

تتداخل الأبعاد السياسية  والاجتماعية والاقتصادية لتعبر عن طبيعة القلق الفردي ونوعية الصراعات بين الطبقات الاجتماعية بغض النظر عن نوعية النظام السياسي القائم والذي يقنن الحياة الاعتيادية داخل المجموعة البشرية.

الحراك لا يرقى إلى ثورة

تكتنف ضمنيا الرواية أسباب فشل حراك الشعوب وعدم ارتقائه إلى ثورة لغياب الشروط البنيوية لتحقق ذلك  وكيفية استثمار البعض كفاح السواد الأعظم من الناس ونضالهم وسرقة طموحاتهم لقضاء مآرب شخصية والانقضاض على مراكز صنع القرار وموارد خلق الثروة وكيفية توزيعها.

لا تتحقق الثورة الناجحة الهادفة إلى التغيير فقط بتغيير النظام أو إسقاطه وإنما تعد مرحلة تغيير النظام السياسي بالمرحلة الاخيرة من مسار التغيير الذي يهم أساسا البنيات الفكرية والمجتمعية.

لا يقوم التغيير على الخطابات الايديولوجية الجوفاء أو الشعبوية القائمة على دغدغة المشاعر واستمالة النفوس، بل يتأسس التغيير على وجود مشروع حقيقي  ورؤية للمستقبل تلغي واقع الفراغ السياسي وغياب البدائل.

غالبا ما تبدي الممارسة السياسية ما لا تبطن

غالبا ما تنساق العامة مع خطابات الساسة دون الإلمام بخبايا الأمور وتستغل في تحقيق أجندات خفية من خلال تسخير أجهزة اعلامية تمهد للسيطرة على إدراك الناس بالتضليل وتزييف الحقائق ونشر الغموض. كما لا تذخر جهدا في شراء دمم الانتلجنسيا المحلية أو الإجهاز على أصحاب التنوير بالقمع والقتل والقضاء على هياكل تأطير العامة خصوصا في ظل أنظمة تقوم على  الإستبداد والحكم المطلق.

 (كاتب مغربي)

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. سرقة الثورات وتغيير مسارها( بدغدة المشاعر واستمالة النفوس) واستغلال العامة في تحقيق أجندات خفية هو الطابع العام المشترك بين الثورات التي اكتسحت بعض بلداننا. لم تحقق الثورات أهدافها بل تم تحويلها إلى فوضى عارمة تأكل الأخضر واليابس. وتم استغلال الشعوب وتحويلها إلى قطيع من الحيوانات.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here