عزيز أشيبان: الوطن العربي بين الاستبداد والاستعباد

عزيز أشيبان

تتميز الغمة العربية بتشعب عوامل التخلف وتداخلها وصعوبة تفكيكها  من أجل محاولة مقاربة البدائل الكفيلة  بتحقيق الإقلاع ومغادرة معرة الانحطاط والتخلف. كلما حاولنا الانكباب على تجربة معينة إلا وتداخلت معها تجارب متعددة وتقاطعت في العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والبنيات النفسية والذهنية فتتعقد بذلك عملية الفحص والتدقيق والتفكيك لفهم مدخلات ومخرجات كل تجربة على حدة.

غني عن البيان القول بأن المنطقة العربية تئن تحت وطأة  شيوع الاستبداد  ومصادرة الحريات  وحقوق الاختلاف والاختيار. يمتد توغل الظاهرة  لزمن بعيد  وله مسببات بنيوية  تهم العقائدي والثقافي والاقتصادي والسياسي.

يتجذر وباء الاستبداد في قلب الخلايا الاجتماعية  بالمنطقة العربية، ويظل تجربة قائمة ومحسوسة  ربما من سراج فكر واحد لكن بتمظهرات مختلفة وقوية ، حيث نجده في قلب الأسرة من خلال سلطة الأب، في القبيلة بمعية سلطة الزعيم، في الزاوية في شخص الأب الروحي، في العمل في شخص المدير أو رب العمل، ثم في قلب الدولة من خلال سلطة الحاكم على الكل. لا يتوقف الاستبداد عند الأشخاص بل يمتد الى العقائد والفكر والقناعات  من خلال سلطة بعض المبادئ والأفكار من قبيل سلطة التراث الديني وسلطة الأعراف وسلطة الأوهام  وسلطة البديهيات. يبدو أن المسألة مركبة وفي غاية التعقيد، تتناسل منها النواقص والعيوب التي تستوطن المنطقة العربية منذ زمن بعيد. لا غرابة إذن أن يتناول حديث المواطن العربي وباستمرار مفاهيم الحرية، التحرر، الانعتاق،  الديمقراطية،  الحقوق، العبودية ، الاستبداد، و الخضوع.

هل الاستبداد حالة ذهنية مرضية مزمنة؟

ثمة وقائع ومعطيات تدفع إلى الاعتقاد بأن الاستبداد أضحى مستقرا في ذهن المواطن العربي ودفع به إلى حد التعايش. المسألة في غاية الخطورة لكنها منطقية باعتبار تراكم البنيات النفسية والفكرية وكيفية تطورها في بيئة غنية بمحفزات ترسخ الاستبداد وآفاق تعمقه إلى درجة الاستعباد.

حقيقة تتغذى نفسية المواطن العربي من  أنساق فكرية تقليدية جامدة ومن إرث تاريخي مضطرب وعنيف تميز بالصراعات الدموية على السلطة وخلد لأسماء  كتبت حروفها بالغصب والقوة والفتك. لاغرابة أن تظل العلاقة بين الحاكم والمحكوم تحت هاجس التوجس والارتياب وسوء النية.

تحيا إذن  نفسية المواطن العربي في وسط يسوده الانكسار والخنوع  والخوف وروح الانهزامية والحزن والسلبية  وفقدان الثقة في النفس والتماس الوصاية والجبن في التعاطي مع الأزمات والشدائد، مما يغذي لديه قابلية الاستبداد ويرقى بها إلى نمط عيش وبقاء. في حين يبقى الخروج عن الجماعة ولو باتباع أيسر المبادرات محفوفا بتهم المروق والسخط والاستغراب مادامت الجماعة تقدس الحاجة إلى من يقود ويتخذ القرار ويبارك جميع المحاولات لتجنب الإحساس بالضياع والغربة.

ظل الاستبداد تجربة وقائعية بينما انحسرت الحرية في إطار  فكرة طوباوية يستحيل تحقيقها كتجربة واقعية و بتعبير أدق كلما تقلص واقع الحرية كلما تضخمت فكرة الحرية في الذهن واندثرت سبل تحقيقها.

ليس غريبا إذن أن يظل هوس ووهم انتظار الخوارق للتحرر من البؤس والشقاء واقعا يلخص الوضع برمته.

الجانب العقائدي واستثماره في السياسة

كما هو معلوم يتمتع الجانب الديني بحساسية قصوى لدى العامة ويكتسي حضوره استحضار الوجدان والعاطفة،  لذلك استغل الرأسمال الديني مبكرا في استمالة الناس و إضفاء الشرعية على سلطة الحكام وأغلق باب النقد من خلال اجتهادات شيوخ السوء. استعمل الدين، ولا يزال، كوسيلة لضمان التعبئة وجمع الشمل ووحدة الهدف ويشكل أساس الملك وأنتجت هذه الممارسات تقديسا للأشخاص وإقبارا لبوادر انبعاث أي تجربة بناء نظام مؤسساتي تشاركي حيث تعلو المصلحة الجماعية على المصلحة الفردية و تسود سلطة القانون على الجميع. ظل المنحى العام متمحورا حول تثبيت الوصاية الدينية  ومعها ميكانيزمات التحكم عوض التفكير في التحرر.

من جانب آخر وارتباطا بالجانب الروحي، هناك بنيات فكرية تقليدية تدعو الى تبني نهج السلف الصالح والعيش في كنف تأويل التأويل  والارتقاء بالتقليد إلى مستوى نهج حياة مقابل تعطيل الاجتهاد والإبداع ووضع الوصاية والرقابة على الفكر للتحكم في إدراك الناس وتعميق الفجوة فكريا  بين العامة والخاصة. في ظل وضع كهذا لا  يسود إلا الجمود والتقليد والتواكل والتملص من المسؤولية والمحاباة والارتزاق بشتى أنواعه  واليأس من القدرة على تغيير الواقع وصنع مستقبل بديل لما هو قائم.

واقع البداوة وفشل تجربة التمدن

تحققت فكرة الدولة القطرية بوحي خارجي (كان تأثيرا أو  تأثرا) لكن نواتها الصلبة ظلت هشة ومخترقة. ثمة محددات تقليدية تفوقت في مقاومة معظم محاولات التحديث والتغيير التي استهدفت النسيج الداخلي  وتمكنت من اختزالها والتعاطي معها في إطار محاولات دخيلة تدعو إلى التفكك والانحلال.

من أهم تلك المحددات نتحدث عن فكرة البداوة التي استوطنت قلب الثقافة العربية مع ما تحمله في طياتها من معاني التمرد وفسحة في التصرف وعدم التقيد بقوانين معينة تأتي على  حريات الذوات الفردية لتقوية الذات الجماعية.

كيف لسلطة القانون أن تفعل في وسط تطغى عليه العادة والعرف باعتبار أن العادة تلقائية وفطرية  تنبعث من الذات مترسخة وسابقة لوجود الفرد، أما القوانين فهي دخيلة على الذات وسالبة لحرياتها الطبيعية.

هناك محددات تتعلق بالنزعة القبلية التي تتحكم في البنيات الذهنية  السياسية ونوعية الحكامة المتبعة  لتي لم تخرج عن وحي القبيلة رغم محاولة بناء المؤسسات التي ظلت حداثية في الظاهر لكن قبلية في الباطن. الانتماء الى القبيلة أو العشيرة أقدس منه إلى هياكل الدولة العصرية.

ينضاف إلى ذلك منطق الغنيمة أو الريع الذي أتى على بوادر قيام إقتصاد عصري وكرس الاستبداد من خلال احتكار الثروة بأدوات إنتاجها البسيطة المتاكلة والضعيفة.

في ظل سلطة هذه المحددات وخضوع تام  لسلطة  الأهواء  والغرائز والعادات،  كيف يمكن المرور من مجتمع عربي بدوي تقليدي إلى مجتمع عصري متمدن؟

التدخل الخارجي

بطبيعة الحال يظل الاختراق الخارجي أحد أهم عوامل تركز الاستبداد في المنطقة العربية مادامت عملية اختيار حكامه تتم بالخارج الذي يتحكم في دواليب كل صغيرة وكبيرة  لاستدامة خدمة مصالحه الاستراتيجية ، لذلك ليس غريبا أن يقوم المستعمر بإجهاض جميع محاولات التحرر الفكري قبل التحرر السياسي ومن المنبع. هناك تراتبية في الاستبداد تنطلق من الخارج وتتوغل في الداخل مرورا بجميع المراكز والمناصب. لكن سنقول وباقتضاب هل كان الاختراق الخارجي ممكنا لو لم تتوفر له جيوب التوغل في الداخل؟

من المفارقة أن يكون توق الشارع العربي مركزا حول الانعتاق والتحرر من الاستبداد وانبلاج صبح الإقلاع والكرامة، بينما ينحصر هم الحاكم في مزيد من التشديد والرقابة للانتقال من الاستبداد إلى الاستعباد.

 (كاتب مغربي)

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here