عزيز أشيبان: المغرب: عن مفصلية وظيفة الطبقة الوسطى في تنمية البلاد ورفاهية العباد

 

عزيز أشيبان

لايخفى على عاقل حساسية وظيفة الطبقة الوسطى في تنمية البلد واستقراره وما تلقاه من عناية خاصة وتعامل حذر من طرف حكومات الدول المتقدمة اعتبارا لدورها المحوري في تثبيت ركائز نهضة البلد واستمرار حركية وحيوية دواليبه،  إذ ترقى إلى مقام  المحفز الرئيسي لتفاعلاته الإقتصادية   والاجتماعية والسياسية. كلما اتسعت الطبقة الوسطى عبر التنمية الاقتصادية وامتد مجال اشتغالها، كلما ازداد البلد قوة  وفرض احترامه على الجميع.

لن نقبل على محاولة تحديد معنى الطبقة الوسطى لتعدد المقاربات والتوجهات وكثرة المعايير، لكننا سنركز على عملية  الحفر في مكامن أهمية هذه الطبقة ومفصليتها في بناء تصورات المستقبل.

ثمة سؤال استقر في ذهنية المواطن العربي منذ عقود :  هل الإجهاز على الطبقة المتوسطة بالمنطقة العربية نتيجة تلقائية  لفشل تجارب الحكامة المتبعة منذ زمن سحيق  أم هي سياسة معتمدة لقضاء مآرب معينة؟

إذا كان المواطن الغربي يتساءل عن نوعية الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها ويتطلع إلى رفع معايير سقف التصنيف، فالمواطن العربي لا يرى نفسه إلا في منحدر يهوي به في براثن المجهول ولا يراد له حتى التطلع إلى حلم غذ أفضل في نظام سياسي باطنه الإقطاع وظاهره خطاب ديمقراطي تمويهي هش  تتقاذفه رياح الغزاة والأهواء من كل جانب.

على أي حال، سواء أكانت القضية نتاج تراكم الإخفاقات الحكاماتية أو تعبير عن نية وانعكاس لإرادة صانع القرار تقويض أركان هذه الطبقة وسحق بوادر انبعاثها، تستأثر الطبقة الوسطى  بدور بطارية الشحن التي تنبعث منها الطاقة الضرورية للحركة.

كيف ذلك؟

نفسيا

ربما هو المستوى الأكثر حساسية ووقعا حيث يتموقع في قلب جميع المستويات. حقيقة، يمثل حضور طبقة وسطى قوية طموحا وتحفيزا نفسيا لجميع الطبقات الاجتماعية الأخرى. فالطبقة الفقيرة ترى في وجود الطبقة الوسطى تجسيدا لطموح  الارتقاء الممكن بعيدا عن كل طوباوية أو خيال مادام هناك أمثلة ناجحة تتقاسم معها نفس الوطن، مما يقود إلى تثبيت عملية  التماس وممارسة  قيم العمل الجاد والأخذ بالأسباب وتقوية العزيمة للتخلص من ضنك الفاقة والاحتياج والارتقاء بنوعية نمط العيش. بخصوص الطبقة المتوسطة، ثمة أمل من أجل  الالتحاق بنادي الأغنياء والمساهمة في خلق الثروة وتملك رؤوس الأموال وأدوات الإنتاج. في حين يحافظ الغني على أمل  الرجوع إلى طبقته الأصلية عند حدوث الكبوات حيث يتأرجح بين طبقة الأغنياء والطبقة الوسطى.

من المؤكد أنه في ظل تواجد الطبقة الوسطى القوية، يتم تركيز المواطنين  على طموح الارتقاء عوض التركيز على معرات الحقد والبغض والسخط  والتمرد على الحكامة القائمة بداعي إغناء الغني وتفقير الفقير، فتظل بذلك اللحمة الاجتماعية متماسكة ويعلو مبدأ خدمة الوطن بغض النظر عن  الموقع الاجتماعي ما دام الجميع يتقاسم شرف نفس الانتماء الوطني .

اقتصاديا

كما هو معلوم تتموقع الطبقة الوسطى في قلب دينامية الدورة الاقتصادية وعملية بناء النمو الاقتصادي، إذ تعتبر المحرك الرئيسي للاستهلاك من خلال الإقبال على السلع والخدمات الأساسية ومنتجات الصناعة السياحية والأنشطة الترفيهية وخدمات التأمين بتخصيص ما يفضل من مدخرات بعد إشباع الحاجيات الأساسية، مما يشجع الاستثمار المحلي ويستقطب الاستثمار الأجنبي لمخاطبة حاجيات الطبقة الوسطى من خلال الاستثمار في مجالات التعليم والصحة والسكن والاستجابة إلى طموحها في رفع سقف جودة الخدمات والسلع ، و ينشط حركة الإنتاج ويرفع من مستوياته.

بنفس القدر والأهمية، تساهم هذه الطبقة في خلق الثروة و تمويل تكاليف الأداء العمومي من خلال أداء الضرائب والتمويل الذاتي للمبادرات الفردية وإنشاء الشركات الصغيرة والمتوسطة.

في الواقع، تتحلى الطبقة المتوسطة بالطموح والرغبة في تحسين وضعها الاجتماعي والاقتصادي ولذلك تستثمر ما تمتلكه من أصول ومدخرات من أجل تحصيل المزيد والارتقاء إلى درجة أعلى في السلم الاجتماعي.

اجتماعيا

نركز على وظيفة الطبقة الوسطى في تماسك النسيج الداخلي بالحفاظ على التوازن الاجتماعي والتباين الطبقي المقبول والمطلوب. تكتنز هذه الطبقة قوى قادرة على امتصاص ردود فعل السواد الأعظم من الناس و على مجابهة شطط السلطة وتقدم فعاليات خلق تواصل بناء بمعية مؤسسات المجتمع المدني المستقلة مثلما تساهم في محاربة الفقر ونشر الوعي و التقليص من انتشار الفساد والسعي نحو صون كرامة المواطن والرقي بنمط عيشه.

سياسيا

تبنى المبادرات السياسية على أساس التوافق التشاركي وانخراط المواطنين في مضامينها كفاعلين خصوصا من قلب الطبقة الوسطى بقدرتهم على خلق الحركية  بفعل الطموح وعدم الاطمئنان إلى الغد والميل إلى الانخراط في النشاط السياسي، لذلك فهي قائدة الثورات من خلال البحث عن فرص أفضل وآفاق أعمق.

كما تتحدد ثوابت الاستقرار الاجتماعي  بعملية التجديد الديمقراطي وحقيقة التداول على السلطة لضخ دماء جديدة وإبداع بدائل أفضل في تصورات صناعة المستقبل.

تكابد الطبقة الوسطى الويلات في العالم العربي من أجل إثبات الذات لكثرة العوائق البنيوية اللامتناهية حتى صارت الحقوق الطبيعية طموحات إن لم نقل أحلاما مؤجلة إلى وقت غير معلوم.

 (كاتب مغربي)

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. كانت الطبقة الوسطى محورالأهتمامات ايام الحرب الباردة اما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي صار الرفاق والمناضلين متامركين بدرجات مختلفة و عوضت ثقافة الكوكاكولا و الماكدونالد ثقافات الاسبقية الوطنية ودعم وتطوير الاقتصادات القومية …. والرافضون الخضوع للتغول الامريكي اصبحوا ينعتون بالمارقين ….

  2. The middle class in the Arab World will never take its normal position due to dictatorships. Interesting article.

  3. ماذا لو كانت الفئة الحاكمة ومن يحرسونها ويحمونها همهم الواحد أنفسهم و الطبقة الحليفة و الداعمة لهم أم الواقع و الحقيقة ما نعاشروه ببلدنا و نعاني أسبابه علي الدوام غير ما قيل بالمقال.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here