عزيز أشيبان: اللغة وعاء الفكر

عزيز أشيبان

من المؤكد أن تعريف اللغة يتسم بصعوبة التناول لتعدد المقاربات وتداخل المحددات والطابع الحركي للغة نفسها. حقيقة، تكتنز اللغة مجموعة من الأبعاد الثقافية والنفسية والاقتصادية والاجتماعية والسيكولوجية و الأنتربولوجية مما يحد من الجرأة على تقديم أي تعريف دقيق للغة باعتبارها نتاجا في تطور مستمر. هناك من يختزل التعريف في كونها أداة للتواصل و يحصرها في المعطى التقني الوظيفي ويجردها من الروح والحركية والوظيفة الجوهرية.

عندما تقترن اللغة بالفكر وتعرف على أنها وعاء الفكر تتخذ أبعادا أكثر عمقا وتحيل على عمليات التأثر  والتأثير والإثراء والانكماش والارتداد.

في جل الإسهامات الفكرية والمعرفية نعاين تباين بعض الاتجاهات في المقاربة بين اللغة والفكر حسب التوجهات والقناعات والأهداف.

تركز المقاربة الأولى على جمالية الوعاء وتهمل الفكر فيكون المحتوى هزيلا سطحيا تتخلله شظايا تتقاذفها الرياح في جميع الاتجاهات لغياب الثقل والأساس المعرفي وتفاهة المادة المقدمة. غالبا ما نجد هذا النوع من المقاربات في خطابات الاستمالة كخطابات الشعبوية الرنانة التي تدغدغ المشاعر وتجهز على العقول وتلوذ بها إلى الخمول والاطمئنان إلى المتاح   وتنتهي بها في غيابات الانحطاط، إذ هناك براعة في نسج الكلمات ومكر في كيفية إرسالها و استهدافها للعقول البسيطة، التي لا تزال على حالتها البدائية بين براثن  سلطة الأوهام والخرافات والتأويلات الدينية الجامدة والخطابات المتطرفة، وإتقان في توظيف جمالية الوعاء لتغطية رداءة المحتوى وخطورته.

تهتم المقاربة الثانية بجمالية المحتوى أكثر منه برونق الوعاء الذي ،مع ذلك، يجب أن يرقى إلى سقف معين من أجل حمل المحتوى والحفاظ عليه. هناك ميل أكثر نحو العمق، نحو اعمال العقل، نحو التشكيك في ماهو متواتر من يقينيات وحقائق، نحو الاجتهاد والبحث والتواضع. تضم هذه المقاربة معظم الفلاسفة و الكتاب والمفكرين والباحثين والفقهاء وأهل الإبداع من الفنانين وربما تشكل الطبقة الوسطى في السلم الفكري والإبداعي موازاة ومحاكاة للطبقة الوسطى في التراتبية الإجتماعية.

تتعامل المقاربة الثالثة مع الجمع بين جمال الوعاء وثقل المحتوى، إذ تتفاعل جمالية اللغة مع حركية الفكر وتفرزان علاقة تأثير متبادلة ومستمرة. ينصهر كل طرف في الآخر دون إلغاءه فيتمثل أحدهما في حضور الآخر. تكتنف هذه المقاربة صعوبة بالغة ومكابدة  ومشقة من أجل التحقق إذ قد تفرز ابداعا واسهاما استثنائيا مثلما قد تفرز ضياعا عند فقدان التحكم في التوازن بين جودة الوعاء وثقل المحتوى. لذلك لن تجد في هذا الاتجاه غير الكبار من عمالقة الفكر والأدب  والفن…

تتمرد المقاربة الرابعة على اللغة والفكر ولا تقيم لهما وقارا ولا تكترث أصلا بأهميتها. هي المقاربة الأكثر إفرازا للانحطاط والرداءة والجهل وضياع المفاهيم والتصورات وأفول القيم ومكارم الأخلاق حيث تقوم بوأد  بذور عمليات الإنتاج والإبداع في المهد.

ما أجمل اللغة حينما تنساب وتتناغم مع فكر عميق بناء يرتقي بالإنتاج والمنتج وببئة الإنتاج على حد سواء. وما أعظم الفكر حينما يمنح اللغة أفقا أرحب وحركية أنشط وحياة أفضل.

 (كاتب مغربي)

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. السيد عزيز اشيبان تحية طيبة
    مقالة جيدة وأوافقك الراءي اذا كنت تقصد اللغة العربية بالذات
    وليست أية لغة أخرى يمكننا القول ان كل اللغات بها كما في اللغة
    العربية ولكن مايدرينا ان كلمة حب عندنا تعني كما تعنى كلمة
    Love بالإنجليزية ولذا هي افتراضيات لأيمكن إثباتها في مختبر
    اللغات انما مايميز لغتنا عن لغات العالمين انها مليءة بالاحاسيس
    والمشاعر وتتناسب تناسي طردي مع عمق تفكير من يستعملها والله
    انها احيانا كالمسكرات والعياذ بالله اذ لايوجد في لغتنا مترادفات
    لان كل كلمة لها استعمالها الخاص بها ومعناها هنا تختلف عن
    معناها هناك لمعلوماتك عدد مفرداتنا تتجاوز ٢٤٠٠٠٠ مفردة
    اما الإنجليزية فتبلغ ٩٠٠٠٠ كلمة فقط بالاضافة انه لغة القراءن
    الكريم وهي لغة أهل الجنة ايضا
    كل عام وانتم بخير

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here