عزيز أشيبان: اللغة العربية تستبرئ من أهلها

عزيز أشيبان

ترقى اللغة إلى مسألة وجود وكيان وهوية وتترفع عن كونها فقط أداة تواصل أو معرفة إذ لها من الحمولة الثقافية والنفسية والاجتماعية  ما يسمو بمقامها ودورها المفصلي في الرقي بواقع الأمم.

كل سنة نحيي اليوم العالمي للغة الضاد ونردد الكثير من الإطراء والغزل في حقها لكن دون تقديم أي جديد أو إضافة تليق بمقامها وما قدمته للإنسانية والحضارة العالمية خلال سنوات توهجها وإشعاعها. هل تظل حقا مصنفة في مصاف  اللغات الحية والمتحركة أم أنها تحولت الى لغة جامدة وربما ميتة؟

ربما من الصعب البثة تقديم جواب باعتبار صعوبة الغور في أعماق تاريخ هذه اللغة وكيفية تطورها وما أنتجته من كنوز وطبيعة معاناتها منذ قرون  واستشراف الحلول الكفيلة بكشف الغمة.

من النافل القول أن اللغة العربية تتميز بنقاط قوة تتقاسمها معها القليل من اللغات العالمية وتقدم وعاء حضاريا لانبعاث النهضة وإقلاع الأمة من جديد لاعتبارات عديدة.

لغويا تكتنز لغة الضاد عدة مقومات تجعل منها لغة علم وتنمية وإنتاج معرفة بفضل رصيدها اللغوي الضخم وقابلية تفاعلها مع اللغات الأخرى والتفاعل مع مستجدات العصر عندما تتوفر أسباب الحركية بداخلها.

تاريخيا ونفسيا عايشت اللغة العربية تجربة ناجحة مع التنمية والإشعاع الثقافي والحضاري  تبعث الثقة في النفس وتمثل أرضية اشتغال إذا ما توفرت العناصر الضرورية لذلك  من إرادة سياسية وتعبئة بشرية في أحضان مشروع مجتمعي حداثي.

عقائديا تتمتع اللغة العربية بضمانة البقاء والاستمرار مادامت لغة القرآن الكتاب المقدس لأحد الديانات الأكثر انتشارا في العالم.

ديمغرافيا تحتضن المنطقة العربية ما يزيد عن ثلاث مائة مليون نسمة تشكل سوقا اقتصادية بامتياز إذا تم التعامل بعقلانية مع  العوائق والنزاعات والوعي الفعلي بمسلسل البلقنة الذي يستهدف الوطن العربي. تمثل اللغة العربية أحد محفزات تصور  وتشييد تكتل عربي لمجابهة التكتلات العالمية والمخططات الجيوستراتيجية في المنطقة.

لكن، وللأسف تعرضت اللغة العربية  لطعنات من الداخل أبقتها  في حالة جمود وركود متخلفة عن تطورات العصر وتحديات المستقبل.

كيف للغة أن تنمو وتزدهر في بيئة يسودها الجهل والأمية؟

من المؤكد أن اللغة العربية تأثرت وفي العمق من ظاهرة الارتداد التي استوطنت المنطقة العربية منذ عقود وانفصلت بالتالي عن كنوزها ورأسمالها المعرفي النابع عن العهد الذهبي للحضارة الإسلامية المنتجة للمعرفة والعلوم. أضحت بذلك اللغة العربية رهينة واقع يسود فيه السياسي الثقافي والثقافة الشعبية نظيرتها العالمة.

كيف لأمة لا تقرأ إعادة الروح والدينامية للغتها الرسمية؟

تسود العقلية الفقهية مجمل تفسيرات العامة لمعظم كبواتنا بفعل سلطة الوجدان على العقل. غالبا ما يتم الجزم السريع بتشخيص مختزل تغيب عنه العقلانية وتعطل فيه مبدأ الاخذ بالأسباب ويكرس لواقع التواكل وعدم الإقدام على الإبداع. عوض تفكيك أعراض المشكل وتشخيص تجلياته نهم سريعا بالبحث عن إجراء عملية  إسقاط على حالة مماثلة في الرأسمال الديني ونلغي تاريخية عناصره وحقيقة تطوره. ما الفائدة من التنديد  بمسألة استهداف اللغة العربية دون الإقدام على تقديم الاضافة ولو بتخصيص الورد اليسير من الوقت لقراءة منتجاتها؟ ما الفائدة ،عند البعض، من الإلحاح على قدسية اللغة العربية و التأكيد على أفضليتها على اللغات الأخرى؟

أخذت على أنها ارث ومكسب وظلت كذلك في وعينا الجماعي.

تحتاج اللغة العربية لمقاربة علمية أساسها العمل الجاد والفكر النقدي والانكباب على محفزات بعث الحيوية و الحركية عوض الاقتصار على هو متاح والتهليل لأمجاد الماضي البعيد.

هل من الطبيعي إقحام اللغة في إثارة النعرات العرقية والصراعات السياسية الداخلية؟

تعاني اللغة العربية من انسداد الأفق في بيئة يسودها العنف والانكماش والانغلاق وعدم الترحيب بالاختلاف. يتم دوريا خلق عداوة مصطنعة بين اللغة العربية واللهجات المحلية لأغراض سياسية تثار فيها النعرات العرقية والقبلية فتصير بامتياز أداة قضاء مآرب شخصية أو فئوية ضيقة. على سبيل المثال لا الحصر تستعمل اللغة العربية كسلاح خطابات التطرف وجماعات اختطاف الرأسمال الديني لاستمالة العامة ونشر الفكر الظلامي وتعبئة الأنصار مثلما توظف في الصراع الأزلي بين أنصار التحديث و دعاة الفكر المحافظ التقليدي.

 الاختلاف اثراء والتعدد قانون بيولوجي يضمن البقاء والاستمرارية لجميع عناصر أي مجموعة كيفما اختلفت وتعددت عناصر نسيجها الداخلي.

من المعلوم أنه من شروط التنمية إنتاج اللغة الرسمية لبلد معين سنويا  لعدد كبير من المصطلحات العلمية يقدر بالآلاف ، هل هناك من أمل لتحقق هذا الشرط في المنطقة العربية؟

مما لاشك فيه أن اللغة العربية تستبرئ من قوم أفقدوها القيمة والاعتبار ويصرون على الإلقاء بها في غيابات المجهول.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. مقال متميز يظهر أسباب تقهقر لغة الضاد في العالم العربي .لكن بالمقابل نجد ان هناك بلداناغير عربية ولا إسلامية مالبثت ان أعطت إهتماما شاملا لها كالصين و روسيا وإيطاليا مثلا .كل الشكر والتقدير للأستاذ عزيز أشيبان على تطرقه لهذا الموضوع.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here