عزالدين المناصرة: كيف رقصتْ أُمّ علي النصراويَّة؟.. سيناريو المشهد

 عزالدين المناصرة

غالباً، ما يشدُّهُمُ الوجدُ، حينَ تكونين، صوتَ الرنينِ

العميقِ الرقيقِ الذي ﻓﻲ الزمانِ السفيهْ.

رَجْعُ صوتكِ، مثلَ الأغاني العتيقة، مثلَ نبيذِ التلالْ

غالباً ما تكونين، مثلَ المطاريدِ عندَ أعالي الجبالْ

يجيئون قبلَ الرحيلِ، ولكنّهمْ يفرحون قليلاً،

قليلاً، قليلاً… ويشتدُّ رقصكِ،

لا تفتحي الجرحَ، أو تُغلقيهْ.

ﺛﻢَّ يشتدُّ رقصكِ، يبكون، لكنَّهمْ ﻓﻲ المساءِ،

ينادون: (هيه… يامْ علي

ليش مَتْغَنّينا؟!!!).

عندما ننحني، سوفَ تبكيننا ﻓﻲ النصوصْ

آه، يشتدُّ رقصكِ، دون الإجابة، ينغلُ قلبكِ

بين مروجِ الكلامْ.

عندما ينحني جذعنا مثلَ داليةٍ ﻓﻲ الخليل

سوف تبكيننا بالكلام الجليلْ

ﺛﻢّ ناديتُ: (هيه يَمْ علي

ليش ما تْغنّينا؟!!)

كنعانْ العريسْ، حَنَّوهْ بالدِما

ليش يَمْ علي، ما تحنّينا؟!!!

ﺛﻢَّ، يشتدُّ رقصكِ – إنَّ حذاءكِ مهترئٌ

والعظامْ

طقْطَقتْ ﻓﻲ مساربِ هذا الرحيلْ.

– أيُّها الراقصونْ

كيف أتركُ زغبَ القَطا ﻓﻲ ليالي الهمومْ:

– أوّلُ القولِ: قلبي وحيدْ

أوّلُ النجم، ترنيمةُ الراهبةْ

أوّلُ النهر، تعويذةُ الطبلِ قبلَ الرعودْ

أوّل الشرق، سهمٌ من الضوءِ ﻓﻲ الساحةِ العابسة

أوّلُ الأغنياتِ، ترانيمُ قلبي الشهيدْ.

– ﻟﻲ حبيبٌ وحيدٌ، هو الآن يُصغي لدقَّاتِ قلبي، ألا

فاتركوني، هو الآن يركبُ مهرتَهُ:

سرجُها ذهبٌ، وحوافرها فضّةٌ، تقرعُ الآن ليلَ الجليلِ،

حبيبي مُسَجَّىً أمامي.

صوتُهُ فضّةٌ،

وله طلعةٌ، مثلُ بدرِ التمامِ.

ربّما يتسترُ بالصخر،… يحميه، أو ربّما سَعْفُ مَريامَ،

أو ربّما ضاعَ ﻓﻲ عتمةِ الروحِ،

ﻓﻲ شارداتِ الكلامِ.

حبيبي مُسجَّىً أمامي

قال ﻟﻲ: أوّلُ الأبجديّة، كان كلامي

قال ﻟﻲ: آخر الأبجدية، هذا كلامي.

  1. 1. رقصة الدير:

أنجبنا أشجاراً باسقةً، ﺛﻢَّ ذهبنا للمرج، نقيمُ علاقاتٍ واسعةً، ﻓﻲ أبريل الماضي، حيثُ الأرضُ تُهلّلُ بِشْراً، والعلّيقُ تشدَّدَ، إلاّ أنْ نبقى كضيوفٍ. والزعرورُ اصفرَّ، وقال الحكمةُ من عندي. اللوز البرّي اصطفَّ على الجنبينِ، كما يصطفّ الحرّاثونْ. للزرعِ الأصفرِ ينشدُ جيشُ الحصّادينْ. كُنّا نذهبُ للنبع، وكنتُ عروسَ النبع، وأحلى من – أمّ عليٍّ – هذي المدفونة ﻓﻲ الحزنِ، وكنتُ أغنّي للعمّالِ المطرودينْ. كنتُ أغنّي ﻓﻲ مرجِ النور: ترابَ العشقِ المرويّ بدمعٍ غامضْ:

– ما أحلى شجرَ التينْ

يتشابكُ بالبُطْمِ، وبالشَرْبينْ

يتعاشقُ ﻓﻲ عِلّيينْ

– هيهِ هيهِ هيهْ… هيهِ هيهِ هيهْ

– جَمْلو جَمْلو، عند البيرْ

تتصيّدُ… رفَّ عصافيرْ

تحملُ ﻓﻲ يدها سكّينْ

– هيهِ هيهِ هيهْ… هيهِ هيهِ هيهْ

– طافَ حواليها الولدُ الولهانْ

مَيَّلَ منديلَ الألوانْ:

اللونُ الأوّلُ من عجلونْ

اللونُ الثاني من حورانْ

اللونُ الثالث من حيفا

اللونُ الرابع من جرحي.

– ها ها ها ها… ها ها ها ها

– قال ﻟﻬﺎ أن تذهبَ معه لحقولِ الزوّانْ

– قالت: ﻓﻲ الدير مرابعنا، والمنفى من حَجَرِ الصوَّانْ

– هيهِ هيهِ هيهِ هيهْ.

– وأنا أعشق زوّانَ بلادي، أكرهُ قمحَ المنفى.

– ظلّت جملو عند البيرْ

تتصيّدُ رفَّ عصافيرْ

تحملُ ﻓﻲ يدها سكّينْ.

– هيه

– البحرُ طويلاً – ينسانا

المركبُ غادرنا، الآنا

هل نبقى ﻓﻲ منفانا؟؟

سيّدةَ القلبِ المغلولْ.

– هل بقيتْ نُقَطٌ بيضاءْ

بَوْلُ عصافيركِ يا أشجاري الخضراءْ؟

الغولُ الأسودُ أشعلَ غاباتي

النجمُ الساطعُ، صادرَ غلاّتي

– خلعوا أشجار الديرْ

– ها

– نثروا السُمَّ على الأنهار

خافوا أن يُشرِقَ شجرُ الليمونْ.

الكاميرا تتقدمُ نحوَ الرأسِ المرميِّ،

على أغمارِ القمحِ المنثورْ

اللقطةُ كانت متوسطةً…

لكنّ جلالَ الموتِ، يفيضُ على الجثث – الآنْ

ﻭﻟﻬﺬﺍ نستخدمُ تقنيةَ، تقطيعِ التقطيعْ

حين نعودُ ﺇﻟﻰ الأرشيفِ الدمويْ

نمزج أشلاءَ قرنفلةٍ ﻓﻲ قلبِ الصورةْ.

البحرُ الأبيضُ أحمر، البحرُ الأحمر، أزرقُ أو أسودْ

لا فَرْقَ…

إذا كان المُخرجُ، حسّاساً، ومُحبَّاً للألوانْ

وسماءُ السهلِ رماديَّةْ

الأخضرُ لونُ الخصبِ، ولونُ الساحلْ

الأسودُ لونُ الجُندِ، ولونُ حِرابِهُمُ المرميَّة

الأحمرُ – طبعاً ﻓﻲ هذي الحالة – لونٌ فتَّانْ

يرشُقُهُ العاشقُ، والقاتلْ

الأحمرُ والأصفر، يمتزجانْ

رَجُلٌ وامرأةٌ تحتَ المطرِ الناريْ

ﻓﻲ غابةِ مرجانْ

عاشَقَها، فانتفضتْ، وارتعشتْ كالموجةْ

ضحكتْ أثداءُ الرُمَّانْ.

قَطْعٌ ممزوجٌ بصهيل القَتَلَةْ

حولَ حقولِ القمحِ المشتعلة

صورةُ أسلاكٍ شائكةٍ، كان الكنعانيّونْ

ﻓﻲ أطرافِ الصحراءِ العربيّةْ

أمّا أبناءُ عمومتنا ﻓﻲ واق الواقْ

فاترُكْ للمُخرج، أسرارَ الأوراقْ

حتى ينثرها ﻓﻲ الريحْ.

  1. 2. رقصة جفرا:

للحقلِ المترامي الأطرافْ

هُرعوا يصطفون – قطافُ سنابلِ قريتنا، حانْ

نحنُ الأرضُ، ونحن الماءُ الْ يروي،

هذا الوادي المترامي الأطرافْ

عيني اليُسرى رفَّتْ… إنّي من هذا اليومِ أخافْ

عاصفةَ الضوءِ الكشّافْ

إنّي من هذا اليومِ أخافْ.

قالوا: ذاكَ زمانُ الذبح، فلا تكترثي

عصفورٌ بين أصابعنا المشقوقة

يُطعمُ أطفالَ القريَةِ… لا تهتمّي

يا جفرا النبع، ويا جفرا القمح،

ويا جفرا الطَيّون، ويا جفرا

الزيتون، السَرّيس، الصفصافْ

قالتْ: إنّي من هذا اليوم أخافْ

– البحرُ جميلٌ يا جفرا

حزنكِ، لهبٌ شفّافْ

قالتْ: إنّي من هذا اليومِ أخافْ

الأسودُ حولَ حقولكِ طافَ وطافَ وطافْ

الأزرقُ غيطانكِ…

صمتُ البحرِ رموزٌ، والقتلُ قطافٌ،

وقطافُ الليمون قِطافْ.

قالت جفرا: إنّي من هذا اليومِ أخافْ.

– أغترفُ وجوهَ الشهداءِ

أقول: وشاحُ حبيبي أحمر.

– آهِ آهْ آهِ آهْ.

– وحبيبي يحملُ ﻓﻲ خُرج مهيرتهِ، خنجرْ

فَرَسُك بيضاءُ حبيبي،

كنتَ جميلاً، تتمخترُ ﻓﻲ بستانِ الليمونْ

قالت جفرا: القلبُ يرفُّ، العينُ ترفُّ، الموتُ أراهْ

النبعُ أراهُ، شديدَ الحُمْرة

قال الشيخُ الطاعنُ: هذا جسدي، فَخُذوهْ

– آهِ آهْ… آهِ آهْ.

  1. 3. رقصة المذبحة:

رقصةُ العشب، تزهرُ بعضُ الفصولِ،

وتبقينَ نخلةَ بعضِ العَربْ.

تستردينَ ما فاتَ ﻓﻲ لحظةٍ – والذي جرَّبَ الذبحَ،

ليس كمثلِ الذي سيذيعُ بلاغاً عن الذبحِ

ليس الذي جرّبَ النـزفَ قُدَّام صورتها العاتبة

كمنْ يشتكي للصخور… بدون سببْ

رقصة العشب، يذوي، ﻭﻟﻢ يكن البحرُ طفلاً،

أراه عجوزاً، يداعب أطفاله، قربَ كرمِ العنب.

– آهْ، آهْ، ويلي، آهْ

– ومُخيّمنا من رملٍ رخوٍ، من قشٍّ، من طينْ

هجم شتاءٌ، فانكسرَ الزينكو الملعونْ

كانتْ (سلمى) تدرسُ ﻓﻲ كيمبردجْ.

– ولدوا ﻓﻲ المرجِ الأخضر،

أو أخذوا زرقةَ بحرٍ

زرعوها ﻓﻲ العينينِ،

امتدّوا ﻓﻲ الكونِ يقيمونْ

مدناً خضراء، لشعبِ المهزومينْ.

– آه، ويلي، آه

– يبنونَ المدنَ نهاراً… فإذا جنَّ الليل، يجِنّونْ.

النهرُ سيحلمُ أنَّ جراداً، ينتشرُ على الأرضِ السمراءْ

الغيماتُ الداكنةُ الواقفةُ على جبلٍ مطعونْ

تُهرعُ خائفةً نحو الأبيضْ.

– آه، ويلي آه

ألحقُ أحبابي… حيث يكونونْ

ألحقُ أحبابي، حيث يكونون.

– ﻟﻲ حبيبٌ وحيدٌ، ألا فاتركوني له، عرسُهُ

اليومَ، يركبُ مهرتَهُ، حاملاً ﻓﻲ يديه صليبَهْ

لونها، مثلُ لونِ المغيبْ

سرجُها ذهبٌ، وحوافرُها فضّةٌ ﻓﻲ المتونْ

حبيبي، سيّدفنُ بعد قليلٍ، بأرضٍ غريبةْ.

حاملاً ﻓﻲ يديه صليبه.

  1. 4. رقصة الحُرقة:

ينحدرُ القمرُ الشاحبُ ﻓﻲ الوعرِ، الليلةَ تمنحنا الأشجارُ إشاراتٍ زرقاءْ. انطلقتْ بعضُ رصاصاتٍ بددت الرهبةَ ﻓﻲ صمتِ الليلِ الموحش، يبكي عصفورٌ مجروحُ الساقْ. الجمرةُ تحرقُ غابتَهُ، فاسترسلَ، ينشدُ أشعاراً داميةَ العينين، بكى سِرْبَ الأحبابْ. اختلطَ الأحمرُ والأسودُ، فارتجَّ الليلُ جريحاً ﻓﻲ اللونينْ. فَرَسُ معسكرنا تصهلُ. فَضَحَتْنا هذي المجنونةُ. كنا نربطها ليلاً، نُطعمها ما أعطتنا الحربْ. بعضُ قذائفنا تمنحنا الثقةَ العمياءْ… لكنّ الحارقَ، قد أصبحَ بينَ الفكّينْ. يُفترضُ وصولَ الفتيانِ الخُضر، الثالثةَ صباحاً. الصمتُ الأبيضُ سوفَ يخيِّمُ ﻓﻲ الوديانِ، ﻭﻓﻲ سفحِ الجبل، أرى أقماراً شاحبةً، وإشاراتٍ صفراء.

– ﻟﻲ حبيبٌ وحيدٌ هو الآن يُصغي لدقّات قلبي،

ألا فاتركوني، لنزفِ الدما كالمطرْ.

راكباً فرساً: سرجُها ذَهَبٌ، وحوافرها فضَّةٌ من جبالِ الحديدْ

– يقطعُ المرجَ، قبل انشقاقِ الصباحْ

ليُنشد: لا بُدَّ من أرضِ جفرا، وإنْ طالَ هذا السَفَرْ.

ولا بُدَّ من أرضِ جفرا، وإنْ طالَ هذا السَفَرْ.

  1. 5. إعادة تمثيل:

  2. 1. الجثّةُ في وسط الحلبة.

طابورٌ من شجرِ الخابور.

دمهُ مسكُ الأرضِ، وعيناهُ تُشيران ﺇﻟﻰ شررِ الصوّانْ.

قال الراوي، وهو يديرُ الوجهَ ﺇﻟﻰ الشرقْ:

حشدٌ من شجرِ الرُمّانْ.

أجنحةُ حمامٍ بحريٍّ ﻓﻲ خيمته الزرقاءْ.

  1. 2. الكاميرا تتقدّم في هيئة عصفورْ.

الأحمرُ والأخضرُ مَزْهُوّانْ.

الرعشةُ تسري ﻓﻲ أجسادِ المحتشدينْ.

الطوفانُ، يهيجُ، الطوفانُ يقيمُ العرسَ على مقبرةِ الشهداءْ.

  1. 3. اللقطةُ تخترق رخاماتٍ وزهورْ.

الكاميرا تستعرضُ أرجاءَ القبرْ

انتثرتْ باقاتُ الوردِ… وهاهتْ – أم عليْ:

– آ… وي… ها – يا قَمَرَ الأحراشْ

– آ… وي… ها – حمّلتُكَ رشّاشْ

– آ… وي… ها – خَلُصَ الدَوا… والشاشْ

– آ… وي… ها – مهرتُهُ تمشي ﻓﻲ الطينْ

– آ… وي… ها – حنَّ لبحرٍ مطعونْ.

مَعَكُمْ معكم معكم معكُمْ

حتى نلمسَ عشبَ المرجْ

معكم معكم معكم معكُمْ.

يا أحبابي، حيثُ تكونونْ.

ــــــــــــــ

– أنشدتُ هذه القصيدة لأول مرَّة بطريقتي الاحتفالية الطقوسية: (الجمع بين قراءة القرآن، وترتيل الكنيسة التلحمية، والتعزية الجنوبية الكربلائية، والسرد الحكواتي) – في مهرجان الشقيف الشعري، في (الوست هول بالجامعة الأمريكية)، بيروت، يناير 1981.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here