“عروس بيروت” مأزق تركي قادم.. وقضية توجب الاهتمام

القاهرة – أفرزت السنوات الأخيرة في عمر الدراما العربية، عن كثير من التغييرات لعل أبرزها النقلة النوعية التي حدثت في رؤية المشاهد العربي لمضمون الدراما بالشكل الذي جعل منه ناقدًا يفرز الجيد من الردئ، ويحلل الأداء ويهتم بتفاصيل الديكور والتصوير كأنه واحدًا من صناعها الحقيقيين، ولاشك أن هذا لم يحدث بين يومًا وليلة بل نتاج لتطلعات كثيرة باتت تحاصره يومًا بعد آخر أهمها متابعته للدراما الأمريكية شديدة التكثيف وصاحبة الجذب والإبهار في تناول الفكرة أو نظيرتها التركية التي حملت معها جرعات مكثفة من الأجواء الرومانسية التي فقدت صلاحيتها بالدراما المصرية بشكل عام وكذلك العربية باستنثاء بعض التجارب التي قدمت مؤخرًا وتحمل معها هذا الطابع الدرامي بخلاف الدراما الهندية والكورية وغيرها بحسب “الاهرام المصرية “.

ومن الحديث عن الدراما التركية التي عرفت طريقها نحو المشاهد العربي في منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة، لنا حديث هنا عن مسلسل “عروس بيروت” المأخوذ عن نظيره التركي “عروس أسطنبول”، هذا العمل الذي بدأ عرضه مؤخرًا ويلعب بطولته الفنان ظافر العابدين، والفنانة تقلا شمعون وكارمن بصيبص، وجاءت الحلقات الأولى منه لتحدث جدلًا واسعًا عبر مواقع التواصل الإجتماعي لأمران الأول النجومية الكبيرة التي يتمتع بها بطله ظافر العابدين، ويتبعه القصة الرومانسية التي جمعت بينه وبين شريكته كارمن بصيبص التي تجتمع معه للمرة الثانية بعد نجاحهما معًا في رمضان قبل الأخير من خلال مسلسل “ليالي أوجيني”.

ولاشك أن القائمين على صناعة هذا المشروع بذلوا جهدًا كبيرًا في الحفاظ على فورمات النسخة التركية من العمل بكل تفاصيله، والحقيقة أنه لاشك أيضًا في أن القائمين على المسلسل يتمتعون بذكاء كبير في اختيار نمط هذا المسلسل تحديدًا لتمصيره نظرًا لطبيعة التيمة التي يتمتع بها بما فيها من صراع المال والحب وأجواء العائلة والثأر القديم وكل هذه الأفكار وغيرها هي مثار شديد الجاذبية للمشاهد العربي، كما أن اختيار بيروت بما فيها من طبيعة ساحرة وخلابة هو أمر شديد التمييز والذكاء خصوصًا أن هناك مواقع تصوير ظهرت بالعمل للمرة الأولى بما يجعل المشاهد مستمر في الانخراط التام مع أبطال مسلسله والانفصال عن الواقع المحيط بكل تفاصيله.

والحقيقة أن النهايات التي يقتطع فيها مشهد النهاية مع كل حلقة تثير المشاهد وتجذب اهتمامه بصورة أكبر في تشويق واضح للقادم بالأحداث، ولكن رغم كل هذا الوهج فأن حلقة مفقودة في هذا العمل فرغم كل الاجتهاد في صناعة هذا المشروع فالشعور أن المشاهد يرى استنساخ من أداء الأتراك طغى على العمل بصورة واضحة ما يعني أن هوية الفنانين وموهبتهم تبدو مطموسة إلى حدًّا كبير باستثناء بعض النماذج مثل شخصية الأم والشقيق خليل لكونهم أكثر النماذج المتفوقة تمثيليًا في هذا العمل.

نفهم جيدًا أنه لربما هناك تعاقد يشير بالتزام صناع “عروس بيروت” بالفورمات الأصلي من النسخة التركية ولكن هذا لا يعني استنساخ أو أن يتحول أغلب أبطاله إلى ما يشبه “الدوبلاج العربي” ما أفقد العمل روحه لدى أبطاله وبدو مجرد تقليد يخلو من الإبداع الذي لربما تحمله النسخة التركية، وهنا يأتي التساؤل نحو المنهجية التي يتعامل بها الكتاب مع الأعمال المأخوذة عن فورمات أجنبي والحقيقة أن هناك الكثير ممن سلكوا طريقهم في هذا التيار ونجحوا فيه بالدراما المصرية ولكن يبقى أكثرهم احترافية السيناريست تامر حبيب.

بدت احترافية تامر حبيب من مشروع مسلسله “طريقي”، الذي لعبت بطولته الفنانة شيرين عبدالوهاب، وتلاه مشروع مسلسل “جراند أوتيل” الذي لعب بطولته عدد كبير من الفنانين في مقدمتهم الفنان عمرو يوسف، فالتجربة في كلا المشروعين المصريين بديا أكثر وهجًا من نسختهما الأصلية فالأول مأخوذ من مسلسل كولومبي والآخر أسباني، ما يشير إلى ذكاء كاتب في الحفاظ على فورمات العمل الأصلية، مضيفًا إليها الروح المصرية التي تبدو واضحة في الأحداث ويستكمل ذلك بإدارة مخرج واعي يستطيع أن يحافظ على روح العمل المعربة بشكل لا يحول فيه أبطاله لمجرد استنساخ باهت.

والمشكلة هنا في “عروس بيروت” تتمثل في أمران الأول وهو الاستمرار في تكرار مشروع تعريب الفورمات بهذا الشكل المستنسخ، والذي تبدو فيه بصمة الأتراك واضحة في جميع حركات الممثلين وأدائهم والأجواء العامة للمسلسل بما يلغي هوية المبدعين من الأعمال من أجل الحفاظ على حقوق التعريب والشروط المنوطة فيها أما الخطر الثاني فهو تسلسل الدراما التركية تجاه الدراما العربية بشكل عام من مسلك آخر فبعد أن ابتعد المشاهد العربي والمصري عنها وتراجعت إلى حدًّا كبير بسبب ما أفرزته عنه العلاقات السياسية بين تركيا ومعاداتها للدولة المصرية وخطرها نحو بعض الدول العربية الآخرى ما أدى لمقاطعة أعمالها، تعود لتستولي على عقل المشاهد العربي من طريق آخر تثبت به قوتها ومدى سيطرتها على الدراما التليفزيونية على وجه التحديد.

الأخطر من ذلك أن صناع الدراما العربية والمصرية على وجه الخصوص مازالوا يتجاهلون قضايا الحب والرومانسية من أعمالهم بحجة مطابقة الواقع الذي خوى من مثل هذه الأمور، وهذا بالفعل أمر مؤكد لكن هذا لا يعني وجود تجاهل وغياب تام لمثل هذه المعالجات الدرامية التي بات المشاهد في أشد اشتياق لها مما يجعله يحاول ملء هذا الفراغ بمتابعة الأعمال التركية عبر موقع اليوتيوب أو الانتظار لمشروع مثل “عروس بيروت” يحقق له هذه الأمنية.

وبين هذا وذاك فإن مأزقا واضحا قادما في الطريق للدراما لابد من الانتباه له، فالروايات والقصص المصرية والعربية تمتلء بكثير من الصراعات العائلية والحواديت الرومانسية المثيرة بين الماضي والحاضر التي لربما تكون أكثر جذبًا من تلك الأعمال المعربة.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here