عرار الشرع: حكايات أبو نافز.. القضية الضائعة الطيش وتكشيش ودجاج

عرار الشرع

كعادتها كل صباح حملت أم نافز كرسيين من القش وطربيزتها المتهالكة، وضعت عليها إبريق الشاي وكأسين (جرس)* على مدخل بيتها في المخيم، وانتظرت الشايب كما تحب أن تناديه.

خرج أبو نافز بخطى متثاقلة ورمى بنفسه على الكرسي بينما كانت أم نافز تصب الشاي وتحمل الكاس بطرفي اصبعيها، تناولها الشايب ونفخ على حافتها قبل ان يرتشف منها، ليتبعها بنفخة أقوى في الهواء ما حدا بزوجته إلى القول: خير ان شاالله يا شايب، فاجاب: ومنين الخير، من سبعين سنة وهم يلاطشوا فينا، قرار تقسيم، هدنة، 242، 338، كامب ديفيد، مدريد، أوسلو، وهسا صفقة القرن، الكل بحكي عن حقوقنا الا احنا، كلهم أولياء أمرنا.

آه يا مَرَة*، قالها ابو نافز بيأس، كل يوم بمر  القضية (بتكش)*، البحر للنهر صارت 4 حزيران، و4 حزيران صارت غزة وأريحا، و ABC، وبؤر وتجمعات وحواجز، بعد ما كنا نفاوض عوطن صرنا نفاوض على مية* وديزل.

واليوم الحكي صار بالمصاري اقبض واسكت، ومن دهنه سقيله، ونتنياهو مبرطع*، وما إله قصة غير إيران، وكأنه ما في فلسطينية، والعرب بس بدهم حجة ينحوا عنا ويقربوا عاسرائيل لانهم بدهم رضا الكبير بواشنطن.

القدس بره المفاوضات، اللاجئين أشكالنا راحت عليهم، واللي نايم عليه صابح عليه، قال أبو نافز وقد علت نبرته واحتد صوته، فبادرت الزوجة لتهدئته بالقول: إنسَ يا زلمة لا تنجلط قبل ما ييجو اولادك من الخليج واميركا ولندن، بستنوا الهم سنين يشوفوك.

ضحك ابو نافز في سره، وقال في سره أيضا شوف انا وين وهالختيارة وين، بحكيلها عن وطن ضاع وبتحكيلي عن عيال ضيعوا وطن.

فالفلسطينيون جلهم في المنفى، إجباريا أو اختياريا، بدل ان يكوّنوا شعبا شكلوا جاليات تنظم الدبكات والاحتفالات وتغني الأناشيد الحماسية بحضور سفير الدولة العلية، وفجأة علا صوت الشايب ليقول: قال وطن بديل، هذي صارت أوطان بديلة، ليعود إلى الكلام بسره، يتذكر حجم الأمل الكبير الذي كان يعتريه، أمل لم يتآكل وحسب بل تحول إلى يأس.

قطعت عليه أم نافز حبل أفكاره بالقول: اسم الله عليك، بتخرف حالك؟ أي يلعن ابو السياسة وساعتها، اليوم بدي أطبخلك ملوخية ودجاج، انت عارف انه كيلو الدجاج صار بليرتين وربع، أجابها ضاحكا، ولك شو الدجاج وشو هو السياسة، الدجاج ببيض سياسة وبنذبح بسياسة وبتنتف وبتاكل بسياسة.

ضحكت أم نافز بصوت عال وقالت: يجازيك يا شايب، ناقص تقلي الملوخية سياسة، قبل أن تحمل صينية الشاي إلى الداخل وهي تغني: فلسطين داري ودرب انتصاري.

———————-

* كاسات جرس: نوع مشهور من أقداح الشاي

* مرة: إمرأة

* مية: مياه

* بتكش: تتقلص

* مبرطع: مرتاح

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here