عدنان حسين أحمد: قَرن من الأوهام القومية والدينية التي تتقاذف سفينة العراق

 

عدنان حسين أحمد

صدر عن دار “لندن للطباعة والنشر” في المملكة المتحدة كتاب جديد للباحث د. عبدالحسين الطائي يحمل عنوان “قرن من الأوهام: دراسة سياسية سوسيولوجية لإشكاليات العراق 1921-2021 “. وقد اشتمل الكتاب على توطئة وأربعة فصول وخاتمة، إضافة إلى ثَبْت بالمصادر والمراجع التي بلغت 178 مصدرًا ومرجعًا وإحالة. اعتمد الطائي على عدة مناهج في كتابة هذا البحث القيّم أبرزها المنهج التاريخي، والسوسيولوجي، والاستقرائي من دون أن يغفل الجانب التحليلي عند قراءته لأي واقعة تاريخية أو حدث سياسي. لا شكّ في أنّ تخصّص الطائي بعلم الاجتماع دفعهُ لتغليب آليات القراءة السوسيولوجية التي ترصد الواقع العراقي بعين فاحصة متأنية لا تجنح إلى الخيال، ولا تميل إلى الغلوّ، أو  المبالغات اللغوية الطنّانة التي لا تقول شيئًا في خاتمة المطاف.

يركز الباحث زمنيًا على قرن كامل يمتد منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة سنة 1921 وينتهي بعام 2021 حيث مازالت جمرات الاحتجاج الشعبي تتأجج ضد الحكومات الفاسدة والعميلة والفاشلة التي توالت على سُدة الحكم منذ الاحتلال الأنكَلو- أمريكي للعراق عام 2003 ولحد الآن. ومع ذلك فإن الطائي يعود إلى الماضي القريب والبعيد كلما دعت الحاجة إلى الإحالة التاريخية لتذكيرنا بالاحتلالين العثماني والفارسي أو الغزوات التي تعرّضت لها بغداد على مرّ التاريخ وكانت تنهض مثل طائر العنقاء من بين أكداس الرماد وتعود أقوى مما كانت عليه من قبل، فهي تمرض ولكنها لا تموت. ومن خلال هذه الرؤية اليقينية المفعمة بالأمل يستشرف الباحث مستقبل العراق الذي يمكن أن يستقيم إذا حققنا المواطنة التي يتساوى فيها الجميع في الحقوق والواجبات، ورسّخنا الروح الوطنية التي تقوم على مبدأ الانتماء للوطن، والولاء له وليس إلى أي طرف خارجي.

نجح الباحث عبدالحسين الطائي في اجتراح عنوان جميل ينطوي على قدر كبير من الإثارة بمعناها الإيجابي، وقد تتبّع هذه الأوهام على مدى عشرة عقود وكان يُذكِّرنا بها على مدار سرديته السياسية والاجتماعية في فصول الكتاب الأربعة التي اشتملت على الحكومات الملكية، والجمهورية بما فيها الحكومة الفيدرالية الأخيرة التي سقطت في الوهم مثل سابقاتها ولم تنجُ من ذنوب الاستبداد والدكتاتورية ، وآثام القمع والتنكيل، وجرائم مصادرة الرأي وحرية التعبير، بل ذهبت أبعد من ذلك حين لجأت إلى قتل المتظاهرين، وخطفهم أمام شاشات التلفزة، وتغيّيب الكثير منهم في سجون سريّة الأمر الذي يتنافى كليًا مع أحلام العراقيين الذين يتوقون إلى تحقيق العدالة الاجتماعية لكل مكوّنات الشعب العراقي بغض النظر عن العِرق والدين والمذهب والقومية على اعتبار أنّ الجميع متساوون في الحقوق والواجبات، وليس هناك مواطن من الدرجة الأولى وآخر من الدرجة الثانية أو الثالثة.

نشأة الدولة الحديثة بزِيٍّ قديم

يتألف الفصل الأول من 11 بحثًا يتناول فيها الكاتب مكوِّنات وأشكال الدولة قبل أن ينتقل للحديث عن معوِّقات نشأة الدولة العراقية، وإشكالية السلطة في بلاد الرافدين الذي يسعى بشكل محموم لتحقيق الدولة المدنية التي يتعامل فيها الحُكّام مع أفراد الشعب العراقي كمواطنين لا كرعايا لا حول لهم ولا قوّة يقودهم الراعي في كل مرة إمّا إلى خانق الدكتاتورية، أو الدولة الدينية الطائفية، أو اللادولة التي يغيب فيها القانون، وتنفلت فيها الوحوش المليشياوية من أسْرها لتفتك بالآخر وتتمرغ في دمائه.

يتوقف الباحث عند أربع نظريات في نشأة الدولة وهي: النظرية الإلهية التي تعزو نشأة الدولة إلى الله سبحانه وتعالى، وتجرد الإنسان من أي دور في خلقها وتأسيسها، ونظرية القوة التي نشأت فيها الدولة نتيجة سيطرة الأقوياء على الضعفاء، والنظرية الطبيعية التي تقول بأنّ الإنسان كائن اجتماعي ولا يستطيع العيش بمعزل عن الآخرين، ونظرية العقد الاجتماعي التي يتقبّل فيها الشعب حكم الدولة مقابل توفير الأمن وتنظيم أمورهم الحياتية وقد نادى بهذه النظرية أبرز المفكرين السياسيين أمثال توماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو.

يشير الباحث إلى أنّ الدولة تقوم على أربعة أركان أساسية وهي: الشعب، والإرادة المشتركة، والإقليم، والسلطة” وتنقسم هذه الأخيرة إلى ثلاث سلطات وهي: السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية. أمّا شكل الدولة فيقسِّمة الباحث إلى قسمين وهما: الدولة البسيطة والدولة المركبّة. إذ تتكوّن الدولة المركبة من اتحاد دولتين أو أكثر ويأخذ هذا الاتحاد ثلاثة أشكال وهي: الاتحاد الشخصي، والاتحاد الفعلي، والكونفدرالي. كما يقسِّم الباحث نُظم الدولة إلى أربعة نُظم رئيسة وهي: الدولة اللادينية، والدولة الدينية الثيوقراطية، والدولة العلمانية، والنظام الهجين. يؤكد الباحث بأن الدولة الإسلامية أقيمت على أساس ديني بحت، ولم تعرف التعدد لأنّ الدين هو الذي أنشأ الدولة، وأنّ أمة الإسلام قد استوعبت كل الأقوام بمختلف أعراقهم، فلا مبرر لتعدد الدول. غير أن معاهدة سايكس بيكو السريّة بين فرنسا والمملكة المتحدة التي صادقت عليها المملكة الروسية في 16 مايو 1916م قد أعلنت انتهاء الدولة الإسلامية الواحدة  فتقسّمت إلى دول عديدة بالمفهوم الحديث للدولة، لكن هذه الدول برمتها ومن بينها العراق قد عاشت في وهم الدولة وظلت واقفة على كف عفريت تتربص بها الدول القوية التي تتحيّن الفرص لابتلاعها، أو تقسيمها، أو إضعافها  في أقل تقدير.

يناقش هذا الفصل آراء العديد من المفكريين السياسين والاجتماعيين من بينهم جول ميكَدال صاحب كتاب “المجتمعات القوية والدول الضعيفة” الذي صنّف الدول والمجتمعات في التاريخ إلى أربعة أصناف وهي: دولة قوية ومجتمع قوي، دولة ضعيفة ومجتمع ضعيف، دولة قوية ومجتمع ضعيف، دولة ضعيفة ومجتمع قوي”. ولو تأملنا الصنف الرابع والأخير لوجدناه ينطبق على العراق خلال المئة سنة الأخيرة، فالدولة ضعيفة على الدوام والمجتمع قوي وهذا هو سر بقاء العراق وقدرته على مواجهة التحديات الكبيرة.

ثمة أحداث مهمة مهّدت لتأسيس الدولة العراقية منها ثورة بغداد  في 13 حزيران 1831 بقيادة شيوخ العشائر في المنطقتين العربية والكوردية، وثورة 1920 ضد الاحتلال البريطاني للعراق، الأمر الذي دفع البريطانيين إلى تشكيل حكومة عراقية مؤقتة يرأسها عبدالرحمن النقيب إلى أن تمّ تنصيب الأمير فيصل بن الحسين ملكًا على العراق وتتويجه في يوم 23 آب 1921م، وأصبح العراق عضوًا في عصبة الأمم المتحدة بتاريخ 3 تشرين الأول 1932. “وكان الحكم في ذلك الوقت وطنيًا بالظاهر، بريطانيًا بالواقع” كما يذهب الدكتور علي الوردي. فالتعددية السياسية في عهد الملك فيصل الأول لم تقم بطريقة ديمقراطية، وقد تعامل الإنكَليز مع الشعب العراقي على أساس عشائري وطائفي الأمر الذي أفضى إلى تقوّض حلم الدولة المدنية بينما ظل ساسة العراق يعيشون أوهام السيادة والاستقلال.

يؤكد د. حميد الهلالي بأنّ الدولة تقوم على ثلاثة أركان وهي: “الإقليم، والشعب، والنظام السياسي” لكن الدولة التي جاءت بعد 2003 حاولت تفتيت تلك العناصر، بل أن غالبية الأحزاب التي جاءت بعد الاحتلال لم تكن لديها ملامح واضحة لشكل الدولة التي يريدون بناءها. ويذهب الطائي إلى أن الدستور قد كُتب بعقلية المعارضة وليس بعقلية مواطنين يريدون بناء الدولة على أسس مدنية وعلمية صحيحة.

يعتقد الطائي بأن الزعيم عبدالكريم قاسم قائد وطني، وقد اتخذ العديد من القرارات التي أنصفت الكثير من العمال والفلاحين والكَسَبة ومع ذلك فقد حدثت في عهده محاولة انقلابية في الموصل أظهرت انقسام الشعب حتى على قائد وطني يناصر الفقراء والمساكين. وحينما خطف البعثيون السلطة بقيادة عبدالسلام عارف سقط هو الآخر في الأوهام القومية.

يشير الباحث في نهاية هذا الفصل إلى أن الدستور العراقي بعد 2003 قد تبنى الدولة المدنية، والحكم البرلماني بعيدًا عن الدولة الدينية التي أخذت تطغى على العراق وتهيمن على مفاصل المؤسسات الحكومية لأن المؤسسة الدينية أصبحت تمتلك “السلطة، والدين، والمال”، كما تغولت السلطة البرلمانية ومدّت أذرعها إلى السلطتين التنفيذية والقضائية. ومع ذلك فقد سقطوا بأوهام السيادة والاستقلال مع أنهم تركوا العراق نهبًا للدول المجاورة كلها من دون أن يشعروا بالعار الذي سوف يلاحقهم أبد الدهر.

المواطنة إحساس بالعدالة الاجتماعية

يختلف الباحثون في تحديد مصطلح “المواطنة”، هذه اللفظة التي غابت عن المعاجم العربية القديمة كما يذهب الدكتور محمد عابد الجابري ولهذا لجأ إلى التوسع في شرح معناها ودلالتها على وفق الرؤية العالمية المتنوعة. فالبعض منهم يرى أنها تعني “المساواة في الحقوق والواجبات بين أبناء الوطن الواحد”، ومنهم من يعتقد أنها “رديف للديمقراطية”، ويرى طرف ثالث “حقه المشروع في إدارة شؤون الدولة، والمشاركة السياسية، وحق تقرير المصير”. غير أنّ هذه “المواطَنة” التي هي صفة للمواطن لابد أن “تتميز بنوع خاص من ولاء المواطن لوطنه في أوقات السلم والحرب معًا” والذي يشذّ عن هذه القاعدة تسقط عن صفة المواطنة ويندرج في خانة العمالة للأجنبي التي تُعدُّ نوعًا من “الخيانة العُظمى” للوطن وتضع الخائن تحت طائلة المساءلة القانونية التي تعاقب الخائن في كثير من البلدان بالإعدام أو السجن المؤبد.

يعود بنا الطائي إلى الوراء كثيرًا حينما يناقش تطور مفهوم المواطنة الذي ظهر في المدن الإغريقية من أجل تأطير العلاقة بين المواطنين ولكنه ينتقد النَفَس الإقصائي عند الإغريق والرومان “فلم تكن للمرأة والأطفال وكبار السن والعبيد والأجانب المقيمين حق المواطنة”. كما يرى أن دستور الثورة الأمريكية الذي صدر عام 1787 م” قد استبعد النساء، والهنود الحمر، والجنس الأسود من دائرة المواطنة”. وحرمهم من هذا الحق الطبيعي حتى عام 1965م، كما لم تضع الثورة الفرنسية حدًّا للعبودية إلاّ في عام 1948م، وفي المملكة المتحدة لم تحصل المرأة على المساواة السياسية وحق المواطنة إلاّ في عام 1928م وهو وقت متأخر جدًا لهذه البلدان المتقدمة التي تضع الإنسان في صُلب اهتماماتها الرئيسة.

يركز المنظِّرون على مفهوم المواطنة الحقوقية التي تقوم على ثلاثة ركائز أساسية وهي: المواطنة المدنية التي تُعنى بحرية الرأي والتعبير، والمواطنة السياسية التي تتمحور على الحق في التصويت والترشيح للوظائف العامة، والمواطنة الاجتماعية التي تركز على حماية المواطن من قوى السوق وعيوب الممارسات الرأسمالية.

يلخص الباحث أهم مضامين المواطنة بأربع نقاط وهي: “المساواة بين فئات المجتمع، ومشاركتهم في الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والإقرار بالتنوّع والتعدد واحترام الرأي الآخر، وتقليص التفاوت في المعيشة والمكانة الاجتماعية”. وحينما يعرّج الطائي على نظام الحكم الملكي في العراق فسيجد أنه قائم على ثلاثة أركان وهي: السيطرة البريطانية، والبرجوازية، والإقطاع” وهذا يعني أنّ الحكومة الوطنية مغيّبة، وأن الطبقات الفقيرة مهمشة مع سبق الترصد والإصرار.

جاء تقسيم كوردستان بين العراق وسورية وتركيا وإيران كنتيجة طبيعية لتقسيم الإمبراطورية العثمانية إلى دول صغيرة من دون مراعاة للحدود ولشعوب المنطقة مع أن معاهدة سيفر عام 1920 قد منحت الكورد حق التمتّع بالحكم الذاتي والاستقلال لكن معاهدة لوزان عام 1923 تجاهلت مطالب الكورد القومية وأفضت إلى تقسيم كوردستان بين الدول الأربع آنفة الذكر.

يثني الباحث على الشعب العراقي الذي يمتلك خيالاً جامحًا في الأدب والفن والفكر وبقية الحقول المعرفية لكنه ينتقد غياب أو قلّة الأبحاث الفكرية السياسية التي تحضّ على دولة الوطن والمواطنة، لا دولة الوطن التابع، والرعايا الذين يقودهم الساسة إلى المجهول أو الهاوية.

يتوسع الباحث في الحديث عن أنواع جديدة من المواطنة مثل المواطنة الكونية، والمواطنة الأوروبية، والمواطنة الثقافية، والمواطنة الرقمية ويسهب في توضيح مضامينها بطريقة شافية ووافية. وعودة إلى مراحل بناء الدولة الحديثة في العراق يصف الباحث بأن مرحلة الملك فيصل الأول 1921- 1933 التي تسمّى بمرحلة الانتداب البريطاني هي أهم مرحلة في بناء الدولة الليبرالية رغم الانتقادات الموجهة ضدها وخاصة تدخلات المندوب السامي البريطاني بشؤون الدولة التي أفرغت المسار الديمقراطي من جوهره، والمرحلة الثانية تبدأ من 1933- 1958 التي تشير إلى قيام الدولة المستقلة القائمة أسس المواطنة والعدالة والمساواة.

ينتقل الباحث إلى دستور 2005 الذي كتب على عجل ويتوقف عند المادة 14 التي تقول:”العراقيون متساوون أمام القانون” لكن التطبيق العملي لهذه الماده يكشف العكس تمامًا لأن الطبقة السياسية الجديدة عززت التحاصص وكرّست الإثنية، وزرعت الطائفية بين العراقيين لكن ثوار تشرين قبروها إلى الأبد.

الهُوية هي الأنا الذي يقابل الآخر

في أبسط تعريف للهوية “أن يكون الشيء هو هو، وليس غيره” أي أن يكون الشيء مطابقًا لنفسه، والهوية بهذا المعنى هي الذات أو الأنا الذي يقابل الآخر. يتوقف الباحث عند ستة عوامل مكونة للهُوية وهي:”العامل اللغوي، الثقافي، السياسي، الاقتصادي، الجغرافي والتاريخي، والديني”. ولعل من المفيد اقتباس ما قاله الفيلسوف الأمريكي وليم جيمس حيث يقول:”الله هو الذي يجعل للحياة قيمة، وهو الذي يُمكِّننا أن نستخرج من الحياة كل ما فيها من لذة وسعادة”.وفيما يتعلق بنظريات الهُوية التي تنقسم إلى خمسة أقسام وهي: “الهوية الشخصية، والوطنية، والاجتماعية، والثقافية والافتراضية” حيث يرى جون لوك أن الهوية الشخصية محددة بالوعي، وأنّ مفهومها غير ثابت. أما الهوية الوطنية فهي سمات ثقافية تتشكل بتأثير عوامل داخلية وخارجية الأمر الذي يجعلها ذات طابع نسبي، أي أنها قد تتغيّر تحت تأثير ظروف معينة، أما الهوية الاجتماعية فتتضمن ثلاثة أفكار وهي:”التصنيف، والتعريف، والمقارنة”. فيما تعرِّف اليونسكو الهوية الثقافية بـ “أفراد ينتمون إلى جماعة لغوية محلية أو إقليمية أو وطنية بما لها من قيم أخلاقية وجمالية . . الخ”، أما الهوية الافتراضية فتحيل إلى الحديث عن القرية الكونية التي تُصغّر الكبير / العالم، وتكبّر الصغير / الفرد. كما يتوسع في موضوع الهويات الأخرى ويشير إلى الهوية المظهرية الشكلية، والتفاضلية، والإضفائية، والسلبية، والجزئية” وعن هذه الأخيرة يقول:”الهويات الجزئية تفرّق، والهوية الوطنية توحّد”. وفي السياق ذاته يتناول الباحث صراع الهويات فيتحدث عن “الهوية الإصلاحية، والليبرالية، والعَلمانية” ويشير إلى علي عبدالرازق الذي أراد فصل الدين عن الدولة وواجه غضب المؤسسة الدينية التي تريد أن تفرض هيمنتها على مفاصل الدولة. كما أشار إلى تعاظم اليمين في فرنسا وألمانيا والنمسا وإيطاليا، وسعي بوتين لإحياء مآثر الاتحاد السوفييتي السابق، ومحاولات أردوغان لاستعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية، فيما ظل العرب يترجحون بين الهوية القومية والدينية. ويرى الباحث أنّ الهويات الفرعية والإثنية تشكّل خطرًا حقيقيًا على الهوية الوطنية لأنها تعيق تقدّم الأمة، ويقترح أولاً وجود “إسلام بلا مذاهب” للوصول إلى مرحلة حزب إسلامي لا مذهبي. ينوه الباحث إلى أن العراق يتذبذب بين أربع هويات متنافسة وهي:”الوطنية، القومية، الطبقية، والهوية الدينية المذهبية”. ويختم الطائي هذا الفصل بالقول إن شركاء العملية السياسية بعد 2003 اختلفوا على الكثير من الأمور واتفقوا فقط على تقسيم مغانم السلطة فيما بينهم، وساهموا بقوة في تفتيت الهوية الوطنية تحت عناوين الهويات الفرعية؛ القومية والدينية والطائفية.

الانتماء للوطن ثابت والولاء متغيّر

يناقش الفصل الرابع والأخير مفهومي الانتماء والولاء، فالانتماء هو الانتساب للأرض وهو فطرة وجِبلّة لصيقة بالإنسان، وهو صفة تُكتَسب بالولادة والمنشأ في نفس المكان أو حتى في الإقامة الدائمة. أما الولاء فهو رابطة عاطفية تربط الفرد بفئة أو جهة أو مذهب وتشتد خطورتها حينما تكون هذه الجهة خارج البلاد. والولاء لا يولد مع الإنسان وإنما يكتسبه من مجتمعه. ويرى الفيلسوف الأمريكي جوزيا رويس أن الولاء هو “إخلاص شخصي لموضوع إخلاصًا طوعيًا وعمليًا غير مشروط”. فالمواطنة والوطنية الحقة تعني الانتماء والولاء في الوقت نفسه للوطن، وليس إلى جهة أجنبية لأنه يسقط في خانة الخيانة العظمى والتآمر على أمنه الوطني. يتوقف الباحث عند العديد من الموضوعات الأخرى مثل ازدواجية الجنسية التي لا تلغي انتماء المهاجر العراقي الذي يعيش في دولة أجنبية لكن ولاءه، وقد أقسم عليه، سيكون للدولة التي منحته حق اللجوء، وهذا الأمر يقع خارج إطار الخيانة المُشار إليها سلفًا. ومع ذلك فإن الانتماء للوطن ثابت والولاء متغير. يسوق الطائي فكرة اقتبسها من مقال “ولائيون ومرجعيون” لوليد الخزرجي يتحدث فيها عن “حزب الله” الموالي للمرشد الإيراني، ويعدهُ الأمين العام جناحًا من أجنحة الحرس الثوري الإيراني، وهذا الولاء الأعمى هو الذي يشكل خطرًا على الوطن، تمامًا كما تفعل الأحزاب والمنظمات الولائية التابعة لإيران مثل “بدر، والعصائب، والنجباء، وكتائب حزب الله، وسرايا الخراساني، وسيد الشهداء، وكتائب الإمام علي، وجند الإمام”، وبالمقابل هناك “المرجعيون” الذين يتبعون مرجعية النجف العراقية ويعلنون ولاءهم وانتماءهم للعراق في ظل الحكومات العراقية المتعاقبة التي فشلت في إدارة البلد على مدى ثمانية عشر عامًا.

يعتقد الباحث أن ثورات الأربعة “جمع ربيع” العربية التي أسقطت العديد من النُظم الجمهورية قد أفضت إلى ظاهرتين أساسيتين وهما: سيادة الدول الخليجية وتدخلها في مسار النزاعات العربية، وتحوّل العنف إلى ظاهرة إرهابية يمكن ملاحظتها في العراق وبلاد الشام ومصر وليبيا لكن مجيء الأمريكيين بلعبة جديدة قوامها “الديمقراطية” وفحواها ” حق الانتخاب، وحرية الرأي والتعبير”، وما إلى ذلك من كلام معسول استفاق منه العراقيون بعد عشر سنوات ليجدوا أنفسهم مخدوعين وغارقين من جديد بأوهام السيادة والاستقلال وأكاذيب الديمقراطية التي جاء بها المحتلّ إلى بلاد الرافدين وأدخلت الشعب العراقي في غيبوبة طويلة لكن صرخات ثوار تشرين هي التي أيقظتهُ من سباته الطويل. وفي الختام لابد من الإشارة إلى أنّ هذا الكتاب القيّم يسد فراغًا في المكتبة العراقية التي تحتاج إلى مزيد من الدراسات والأبحاث النوعية في الفكر السياسي السوسيولوجي. وجدير ذكره أن الدكتور عبدالحسين الطائي قد أصدر من قبل ثلاثة كتب وهي “التعددية في المجتمع البريطاني”،و “جدلية العلاقة بين المثقف والسلطة” و “المهاجرون في مجتمع متعدد الثقافات”.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here