عدنان حسين أحمد: “أمي” مرثية للموت الوشيك

 

عدنان حسين أحمد

يتمحور فيلم “أمي” للمخرج التركي مصطفى كوتان على ثنائية الريف والمدينة، ويعالج الصراع الطبقي بين الفقراء والأغنياء، ويفحص العلاقة الروحية العميقة بين الأم وابنتها في مجتمع ذكوري يتسلط فيه الأب على الأسرة برمتها. كما يدور الفيلم على قصة الحُب العميقة التي تنشأ بين الطالبة الجامعية نازلي عثمان، ومارت الذي يعمل في شركة والده المهندس جاويد.

أما ثيمة الفيلم الرئيسية فتأتي على لسان عائشة التي تقول: “إذا لم تحمل ابنتي نازلي نعشي فسأموت من الحسرة” فكيف إذا كان الأمر بالمقلوب وأنّ الأم هي التي ستحمل نعش ابنتها؟ أمّا الثيمة الفرعية فترد على لسان نهال، والدة مارت التي تختصر حكاية الخُطبة بلؤم كبير وتقول: “الفتاة المسكينة تجعل الشاب الغني يقع في حبها”.

وما بين الثيمتين يتأسس النص البصري الذي يلامس شغاف القلوب، ويهزّ المشاعر الإنسانية المُرهفة للمتلقين. وبما أنّ السينما في جانب كبير منها هي فن الواقع بامتياز فإن قصة هذا الفيلم واقعية ولابد من تتبعها وتقديم زبدتها للقارئ الكريم. لا شك في أنّ القصة السينمائية والحوارات التي تتخلها مكتوبة بحرفية عالية ويمكننا أن نتتبّع النسق السردي الذي يكشف لنا حياة الطفلة نازلي التي أنجبتها الوالدة عائشة في قرية نائية تبعد عن إستانبول كثيرًا.

أمّا أسرتها فهي تتألف من الأب عثمان الذي يعمل سائقًا لشاحنة كبيرة لكنه يحتسي الخمر على الدوام، ولا يجد حرجًا في تعنيف زوجته بين آونة وأخرى. والأم عائشة التي تربّي بعض الأغنام في منزلها وتساعد زوجها في تكاليف الحياة اليومية، وتدخر سرًا بعض النقود لوقت الحاجة، وتصرّ على تعليم ابنتها الوحيدة رغم معارضة الوالد الذي يشكو دائمًا من ضيق ذات اليد.

تذهب نازلي إلى المدرسة وتتفوق على أترابها وتُقبَل في إحدى الجامعات بإستانبول، “المدينة الكبيرة التي تكتظ بالمتسكعين والسيئين والمشؤومين” كما تذهب إحدى جارات عائشة. ومن حُسن الحظ أنّ لديهم صديقة تُدعى نسرين، تعيش وتدير مطعمًا صغيرًا في إستانبول، غادرت القرية ذاتها منذ سنوات. وسوف تتبنى نسرين أمر إسكان نازلي وتشغيلها في المطعم بعد عودتها من الجامعة. وخلال الأيام الأولى تلتقي بمارت الذي يرمم إحدى الشقق السكنية ويسبب لها إزعاجًا جرّاء العمل لكنه يقع في حبها، وتتطور العلاقة العاطفية إلى رغبة في الزواج، ورغم الاحتكاك الذي يحصل بين العائلتين لأسباب طبقية إلاّ أنّ الزيجة تتم، وتنجب نازلي، التي أصبحت معلّمة، طفلها الأول الذي يفارق الحياة قبل أن تحمله بين يديها.

تقرّر نازلي زيارة والدتها في القرية وتمكث معها مدة من الزمن حتى تتصور الأم أن هناك مشكلة ما بين الزوجين الشابين. يموت عثمان على حين غرة من دون أن يعاني من مرض ما فتحزن عليه الابنة كثيرًا لأنه لم يكن يُظهر لها حُبه في يوم من الأيام. ثمة أشياء كثيرة تحدث في أثناء هذه الزيارة حيث تلتقي بصديقة الدراسة مريم التي تزوجت من حبيبها جمال وأنجبت طفلة جميلة أسمتها زينب. أما الأم عائشة فقد دوّنت مُذكراتها بخط اليد لتمنح الفيلم بُعدًا ميتاسرديًا جميلاً يعيد قراءة الأحداث من خلال عين الأم التي ضحت بكل شيء من أجل ابنتها ولكن المفاجأة كانت كبيرة حينما ردّت الأم على اتصال مارت الذي أحاطها علمًا بخبر صادم مفاده أن نازلي مُصابة بسرطان البنكرياس وأنّ موتها أمر لا مفرّ منه كما أخبره الأطباء في غيابها، فيطلب من الأم التكتّم على هذا الخبر المروع لكن الأم لا تستطيع السكوت إلى الأبد وتقرر إرسالها إلى إستانبول لغرض العلاج وهي تشعر في داخلها بأنها ستتماثل للشفاء من هذا المرض الخطير.

وعلى الرغم من النهاية المفتوحة للفيلم إلاّ أنّ أغنية “أمي” التي ختمت الفيلم تشبه مرثية للفتاة المهددة بموت وشيك لا تريد أن تصدقه، وهي تنتظر حدوث معجزة في زمن خالٍ من المعجزات.

كثيرة هي الأفلام الدرامية في الشرق لكن فيلم “أمي” على وجه التحديد يخلو من الافتعال، واستدرار الدموع، ويجعلنا نصدّق أن ما يحدث أمامنا حقيقة وليس تمثيلاً، وهذا هو أحد عناصر نجاح هذا الفيلم على الصعيدين الأدائي والإخراجي اللذين حقّق بهما المخرج التركي مصطفى كوتان رؤيته الإخراجية المتفردة.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here