عدة فلاحي: تجديد الخطاب الديني في مفترق الطرق !

عدة فلاحي

لقد شغلت قضية تجديد الخطاب الديني الراي العام على مستوى صاحب القرار السياسي و على مستوى النخبة الدينية و الفكرية المستنيرة و بالخصوص بعد احداث 11 سبتمبر و ظهور تنظيم القاعدة و زادت جرعة الاهتمام المصحوب بالقلق اكثر بعد ظهور داعش التي هزت الافكار من الاعماق بسبب الارهاب الوحشي الذي مارسته على الامة و الذي لم يسلم منه لا شيخ و لا طفل و امرأة و عابد منعزل في صومعته او كاهن في معبده او اثر من اثار العهود السابقة و اذا كان الاسلام نفسه يدعو الى التجديد فللأسف المتعصبون من الشيوخ التقليديين كثيرا ما اعترضوا و قاوموا ذلك و اعتبره بدعة و ضلالة لأنه حسب زعمهم ليس في الامكان ابداع اكثر مما كان و ما صلح به الاوائل يصلح به الاواخر و لا نجاة للامة الا باتباع السلف الصالح الامر الذي جعل الامة تدخل في التبعية الزمنية و لا تعييش عصرها و بالتالي دخلنا في مفترق الطرق الذي اذى بنا احيانا الى الصراع الذي انهك قدراتنا و احيانا حول امور بسيطة و قضايا شكلية و بالتالي ظهر تيار اخر راح يطالب بتجاوز الجميع  و ذلك بتبني طروحات علمانية متطرفة وفق رؤية المستشرقون الجدد الذين يعرضون علينا جديدا لا علاقة له بالإسلام  و كل ذلك تحت عناوين مغرية مثل التطور و التسامح و الأنسنة و العيش المشترك مع الاخر…

لقد مرت خطوات تجديد الخطاب الديني بعدة مراحل و ان كان الاصل في التعبير و المنهج السليم هو استخدام مفهوم  تجديد الفكر الديني و دون الرجوع الى الوراء بعيدا في عمق التاريخ و التراث الاسلامي يمكن القول بان زعماء الاصلاح في عصر النهضة كان لهم دور كبير في هذه المعركة و التي للأسف لم تحقق الاهداف المرجوة منها لان العملية مركبة و معقدة و لا يمكن ان تعطي نتيجتها الا اذا كان الاصلاح او التجديد على مستويات اخرى و يكون بالدرجة الاولى سياسيا و على مستوى المنظومة التربوية و الثقافية و الاعلامية و لكل ما له علاقة بجوانب حياة الانسان المادية و المعنوية و ربما الحديث النبوي الشهير هو الذي اسس للمسألة من البداية في قوله صلى الله عليه و سلم ((يأتي على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الامة أمر دينها)) اي تجديد أمر الدين و ليس الدين كرسالة سماوية مقدسة بمعنى ان تعاشينا مع هذا الدين و تفسيراتنا و فهوماتنا له هي التي تتجدد حسب طبيعة الزمان و المكان و الانسان و الحال اما ان نجمد في محطة القرون الاولى و نسقطها على عصرنا الحالي فهذا ما يتناقض و يتعارض مع روح النص و تعاليم صاحب النص فالجمود لا يفرق عن الجحود في تعاطينا مع الدين و أعلام العصر الذهبي للإسلام كانوا فعلا مدركين لهذه القاعدة التي سقطت من قاموسنا بداية من عصر الضعف الذي اعقبه فيما بعد عهد الاستعمار الحديث الذي تعطلت فيه و بسببه شروط النهضة اللهم الا مجهودات قام بها نخبة من المفكرين استطاعوا ان يحققوا و لو نسبيا حركية و ديناميكية في الوعي القومي /الاسلامي و الوطني و ربما من الذين استخدموا مصطلح تجديد الفكر بشكل واضح و دقيق محمد اقبال في كتابه تجديد الفكر الديني في الاسلام مرورا الى الدكتور حسن الترابي في كتابه (( تجديد الفكر الاسلامي)) الى المفكر زكي نجيب محمود في ((تجديد الفكر العربي )) الى صادق جلال العظم في (( نقد الفكر الديني)) الى الفيلسوف محمد اركون و مشروعه في نقد الفكر الاسلامي  في  (( من الاجتهاد الى نقد الفكر الاسلامي)) و ((الفكر الاسلامي نقد و اجتهاد)) و(( اين هو الفكر الاسلامي المعاصر))و (( قضايا في نقد العقل الديني…كيف نفهم الاسلام اليوم )) و(( اين هو الفكر الاسلامي المعاصر)) الى نصر حامد ابو مزيد في (( نقد الخطاب الديني)) الى مشروع نقد الفكر العربي عند الفيلسوف محمد عبد الجابري الذي اعتبره فعلا صاحب مشروع مستنير و متكامل و يستحق منا كل الاهتمام للاشتغال عليه و الاستفادة منه…و لكن اليوم رحلتنا ستكون مع صاحب كتاب(( نحو عصر ديني جديد )) للدكتور محمد عثمان الخشت و الذي اثار جدلا كبيرا مع شيخ الازهر محمد الطيب خلال ملتقى الازهر الشريف العالمي لتجديد الفكر الاسلامي المنعقد خلال ايام 07 08 فبراير 2020 .

الدكتور محمد عثمان الخشت هو رئيس جامعة القاهرة و له عدة مؤلفات منها :” مدخل الى فلسفة الدين” و ” المعقول و اللامعقول في الاديان” و” و العقلانية و التعصب” و ” صراع الروح و المادة في عصر العقل”  و له دراسة بعنوان ” تجديد المسلمين لا الاسلام” بحيث انه يرى بان المشكلة ليست في الاسلام و انما في عقول المسلمين و قد قال عنه المفكر حسن حنفي ” ان روح الفارابي تعود من جديد في الدكتور الخشتّ” و الدكتور الخشت رغم دعوته للتجديد الا انه لا يتجاوز المقدس و انما هو متمسك بالعودة الى الكتاب و السنة مصدر التشريع و مع ذلك يشكك السلفيون كعادتهم فيمن يخالفهم و يعتبرون بان مشروعه ظاهره فيه الرحمة و باطنه فيه العذاب و الحقيقة انه جاء لينسف العقيدة و ثوابت الدين و الفقه و لكن الشخت ينفي و يدفع عن نفسه كل هذه الاتهامات و يرى بان اصحاب هذه الدعوات يجهلون الاسلام و يفتقدون الى الوعي و فهم الكتاب و السنة و بسبب هذه الفهومات السطحية تعطلت و تأخرت مساعي التجديد و لم تأت بثمارها و لن يتحقق ذلك الا باستخدام العلوم الحديثة و لكن الرئيس السيسي الذي عين الخشت على راس اعرق جامعة في العالم و الذي دعا الى ثورة دينية خلال عهدته الاولى الى التجديد الديني اضطر الى تأسيس المجلس الاعلى لمحاربة الارهاب و التطرف بعدما وجد بان محاولات التجديد لم تأت بنتائجها و ثمارها المرجوة و كانه بطريقة او بأخرى يحمل المسؤولية لعلماء الدين و لكن مؤسسة الازهر الشريف ترى بان الخطاب الديني لا يمكن ان يعطي بنتائج في الواقع و محيط المجتمع تسوده الامية و الجهل و الفقر كما و انه يجب مراجعة و تنقية كتب التراث من التطرف الذي شوه الاسلام و لكن و من خلال تحميل كل طرف المسؤولية للآخر هل ينجح المجلس الاعلى للأمن في مهمته فيما فشلت فيه لجان التجديد…هذا السؤال ننتظر الاجابة عليه مستقبلا و لكن و دون انتظار ذلك اليوم نقول بانه لا يمكن ان تتحقق اي نتائج ما لم يكن هناك اصلاح سياسي عميق يقر بدولة الحق و القانون و الديمقراطية في ادارة شؤون الحكم و اصلاح المنظومة التربوية و الثقافية و الاعلامية هذه الخيرة التي لها دور كبير في صناعة الوعي.

لا يؤمن الدكتور الخشت بقضية تجديد الخطاب الديني فلكل عصر خطابه الديني و بالتالي يقول باننا في حاجة الى فهم جديد للنص الديني و الخطاب الديني هو غير الدين، فالأول بشري و الدين مقدس و لهذه المهمة جاء كتابه الاخير ” نحو عصر ديني جديد” بحيث قدم نظرية جديدة في الفكر الاسلامي تقوم على النسف و التفكيك لكل ما هو قديم ثم اعادة واقع ديني جديد، فالواقع بالنسبة اليه هو الذي يصدق او يكذب الخطاب الديني بمعنى اذا تحققت مصالح الناس قهو صادق و صالح و اذا كان الامر ليس كذلك فهو باطل و لا يصلح فرسالة الدكتور الخشت كما يقول هي تغيير طريقة تفكير المسلمين حتى يتمكنوا من التفكير بطريقة علمية و سليمة..فهو يرى بان المسلمين يتلقون بطريقة خاطئة و بالتالي يطبقون ذلك بطريقة خاطئة كذلك و حتى نبني عصرا دينيا جديدا يجب ان نعود الى الاسلام النقي المنسي بمعنى و كانه يقول بان الاسلام في عهد النبوة بلغ ذروته و مجده ثم اخذ في التراجع و هو هنا يلتقي مع السلفية و لكن بأدوات و اساليب و رؤية معاصرة.

لقد كان مؤتمر الازهر العالمي للتجديد في الفكر الاسلامي فرصة ليعرض الدكتور الخشت مشروعه على ممثل 46 مشارك من دول العالم فمن خلا لمحاضرته دعا الى تجديد علوم الدين و يقصد بها العلوم الحديثة و ليس الى تجديد علوم الدين التقليدية و قال بان الصواب هو متعدد المعاني و لهذا هناك آيات ظنية الدلالة كما و ان الرسول عليه الصلاة و السلام اقر بشرعية صلاة العصر للصحابة الذين صلى بعضهم قبل الوصول الى بني قريضة و الصحابة الذين اخروها الى غاية الوصول و هكذا ساد التعايش و التفاهم و استمروا في اداء الرسالة دون الغرق في الخلافات و الجدالات المستنزفة للجهد و الوقت كما يفعل المسلمون هذه الايام كما دعا الدكتور الخشت الى رؤية عصرية للعالم و انه لا يمكن تجديد الخطاب الديني الا اذا غيرنا الاسس المعرفية و المنهجية للدين بل حتى انه قد ذهب بعيدا و ذلك بتجاوز العقائد القديمة مثل الاشعرية و الموروثات القديمة و ذلك بالعودة الى الاسلام الاول…و في ختام محاضرته قدم كتابه” نحو تاسيس لعصر ديني جديد جديد” لشيخ الازهر الذي كان حاضرا برفقة نخبة من الشيوخ و العلماء و طلبة الازهر و يستمع لمحاضرته و لكن يبدو بان شيخ الازهر لم يتقبل الهدية بقبول حسن و علق بمداخلة مختصرة موجها خطابه للدكتور الخشت بالقول” ان هذا الكتاب فيه تهوين و تهويل للتراث الذي كان مجد الامة و سلطانها و شرفها و التراث نفسه يدعو الى الحداثة و بعض الذين يحسبون على الفلسفة من الحداثيين يتنكرون للتراث و لأصالتهم و انا لا اتفق معك حينما تقول بانني لا اسكن في بيت والدي و انما تنقل الى بيت اخر لأسكنه لان في ذلك عقوق و انما يجب ان نبقى في بيت الوالد و نصلح منه و نرمم و نغير الالوان اذا تطلب الامر و لكن لا نهجره. و لا يمكن ان نقر باننا نعيش تراثنا في حياتنا اليومية و بالتالي الازمة و الهوان الذي نعاني منه يجب البحث عنه بعيدا عن التراث… انا اتألم حينما اشاهد اسرائيل و الولايات المتحدة الامريكية و دول غربية اخرى هي التي تقرر مصيرنا و مصير العالم و لا يوجد بينهم و معهم اي مسؤول عربي..” ثم حمل شيخ الازهر كتاب الدكتور الخشت بيده و قال له متسائلا” اذا كنت تعتقد بان هذا الكلام الذي جاء في كتابك هو مطلق فلقد سقط مذهبك و اذا كنت تعتقد بانه مشكوك فيه فأرجو ان تتأكد قبل ان تهديني الي كتابك” فاستقبل جمهور الحضور كلمة شيخ الازهر بالتصفيق الحار الذي يعكس بان اغلبيتهم يتعاملون مع دعوات التجديد بكثير من الحساسية و لازالوا يتعاملون مع المشيخة بكثير من القدسية و لكن الدكتور الشخت استقبل خطاب شيخ الازهر بشيئ من الاستياء بدليل انه قال له معقبا” لقد حولت المسألة الى معركة و هناك سوء التباس و يمكن ان يساء فهمه و المطلق يقابله النسبي و لا يقابله الشك بمعنى ان كتابي قابل للخطأ و الصواب و ليس الى الشك و هذا الذي تعلمناه منك يا فضيلة الامام و انت استاذ للفلسفة..” و مع ذلك أبدى الدكتور الخشت كل الاحترام و التقدير لمؤسسة الازهر و لشيخها و اعتبر السجال الذي وقع بمثابة حجر القي في مياه راكدة و هذا في حد ذاته أمر جيد و إيجابي و السؤال الذي نطرحه بمناسبة حديثنا عن معركة التقليد و التجديد هل بالجزائر مرجعية تستوعب التراث استيعابا عميقا و في نفس الوقت شخصية فكرية لها رؤية معاصرة للتراث ..تلك هي المشكلة !؟

باحث في الاسلاميات

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. المتعصبون من الشيوخ التقليديين إما أن نظام الدولة خلقهم وإما شجعهم للوقوف في وجه التنويرورواده خشية أن يعكس الوعي على المطالبة بحقوقهم ومحاسبة المسؤولين على فسادهم فيكون الصراع والنظام بينهم ويغذي الفتنة لتنشغل مدرستي التخلف والتنوير بالصراع والمواجهة والنظام يرتع ويسعد ويهنأ بفساده ، ففي الكتابة عن التقليديين والمتعصبين يجب أن لا نغفل مشاحنات النظام بين التنوير والتخلف للفائدة التي يجنيها وننبه المدرستين تجنب الصراع والإتفاق والوفاق على المفيد النافعبالحجة والبرهان والمقارنة مع التجارب الناجحة جدا جدا جدا والمنافسة الناجحة لحضرتك الشعوب المتحضرة الثابت نجاح حضارتها

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here