“عدالة” لاهاي!

عبد الحسين شعبان

“أنا أفكر، إذاً أنا موجود” عبارة طالما حضرت في النقاشات الحامية لجيل الستينات، وهي منسوبة لـ” أبو الفلسفة الحديثة” رينيه ديكارت، صاحب “نظرية الشك” وصولاً إلى اليقين. مثلها مثل عبارة  باروخ سبينوزا صاحب التفكير الراديكالي وفيلسوف الطبيعة، ” ميزان الإنسان قلبه”، وعادت ذاكرتي إلى متحف فان كوخ، وكل تلك القامات الشامخة خطرت ببالي وأنا في زيارة رسمية لهولندا مع فريق عربي أكاديمي متميز شمل ثماني جامعات لبنانية.

ومثلما تتميز هولندا بصروحها الثقافية، فهي تشتهر أيضاً بصروحها القانونية الدولية الكبرى، فـ لاهاي مثلها مثل جنيف وفيينا (في أوروبا)  ونيويورك في الولايات المتحدة تعتبر مركزاً دولياً لمؤسسات دولية متعددة، خصوصاً مؤسسات صنع السلام وتحقيق العدالة وهو ما نحتاجه في منطقتنا. أما المنظمات الدولية الكبرى والتي استضافت الفريق الأكاديمي والخبراء الدوليين فهي:

أولها- محكمة العدل الدولية التي تأسست بموجب ميثاق الأمم المتحدة الذي تم التوقيع عليه في سان فرانسيسكو في 26 حزيران (يونيو) 1945 ومقرها في قصر السلام ” المنيف” الذي يطلق عليه أحياناً ” مقر القانون الدولي”، ووظيفة المحكمة الفصل في النزاعات بين الدول التي تقبل بولايتها وتفسير قواعد القانون الدولي والاتفاقيات الدولية.

وثانيها- المحكمة الجنائية الدولية التي تأسست في روما (17 يوليو/تموز/1998)، حيث تم إبرام ” نظام روما الأساسي” الذي دخل حيّز النفاذ في 1 يوليو (تموز) 2002 وأودع لدى الأمانة العام للأمم المتحدة . ويفترض فيها البت في القضايا الجنائية وإصدار أحكام قضائية وفقاً لنظامها الأساسي.

وثالثها- أكاديمية لاهاي للقانون الدولي، وهي مركز دولي رفيع المستوى وتقام فيه فعاليات فكرية وتعليمية متخصصة في القانون الدولي الخاص.

كما تستضيف لاهاي محكمة التحكيم الدائمة التي تأسست في العام 1899 نتيجة لمؤتمر لاهاي للسلام، مما يجعلها أقدم مؤسسة للتسوية الدولية، وكانت لاهاي مركزاً للمحكمة الدولية لجرائم الحرب في يوغسلافيا التي تأسست بموجب قرار مجلس الأمن رقم 827 في 25 مايو 1993 وفي الوقت نفسه كانت مقراً لـ ” هيئة الاستئناف التابعة للمحكمة الجنائية الدولية لجرائم الحرب في رواندا”، حيث تأسست في تنزانيا في العام 1994، واستضافت أيضاً “محكمة الأمم المتحدة للتحقيق ومحاكمة المتهمين في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري” التي تأسست العام 2009 ، حيث استقبلتنا رئيسة المحكمة السيّدة ايفانا هردليشكوفا .

وهناك منظمات دولية أخرى مثل منظمة حظر الأسلحة الكيمياوية التي تأسست في العام 1997، وكذلك مكتب الشرطة الأوروبية الذي تأسس العام 1998  ومنظمة الأمم والشعوب غير الأعضاء في الأمم المتحدة التي تأسست العام 1991.

وبالعودة إلى عنوان المقالة فتعتبر المحكمة الجنائية الدولية أول هيئة قضائية دولية، تحظى بولاية عالمية وبزمن غير محدّد، لمحاكمة مجرمي الحرب ومرتكبي الفظائع بحق الإنسانية وجرائم إبادة الجنس البشري، فلأول مرّة في التاريخ يتمّ تكليف هيئة قضائية دولية دائمة لحماية حقوق الإنسان، بما توفره من إقرار الدول الموقعة عليها، وبالتالي المجتمع الدولي مبدأ “العدالة الشاملة” و”عدم الإفلات من العقاب” عن تلك الجرائم الخطيرة بحق الضمير الإنساني على المستوى الدولي.

        إن وجود قضاء جنائي دولي مستقل ومحايد يمارس اختصاصاته  على جميع الأشخاص دون تمييز لتحقيق العدالة الدولية، أمر في غاية الأهمية في تطور الفقه والقضاء الدوليين على الصعيدين النظري والعملي.

وإذا كان الاعتبار الأكاديمي وراء زيارة الصروح القانونية الكبرى، فإن الاعتبار الإنساني والحقوقي كان واحداً من أهداف هذه الزيارة الرفيعة المستوى، خصوصاً بما له علاقة بأوضاع منطقتنا وبشكل خاص بالقانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان، لاسيّما تأثيرات الحروب وأعمال العدوان والإرهاب والعنف التي عانت وما تزال منها.

إن جعل ولاية القضاء الدولي  دائمة يعطيها فرصة الملاحقة عن الجرائم المرتكبة لإنزال العقاب بمرتكبيها، علما بأن تلك الجرائم لا تسقط بالتقادم، ولذلك كان تأسيس المحكمة الجنائية الدولية “حدث تاريخي” حسب السيدة ماري روبنسون المفوضة السابقة لحقوق الإنسان، و” خطوة عملاقة نحو تحقيق شمولية القانون والسياسة” طبقاً لكوفي أنان الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة.

وللأسف فإن عدم التحاق دول عظمى بالمحكمة الجنائية الدولية أضعف من مكانتها، فعلى سبيل المثال انسحبت الولايات المتحدة منها عشية دخولها حيّز التنفيذ، أما الصين وروسيا فليستا عضوين فيها، كما أن “إسرائيل” اعترضت على اعتبار الاستيطان جريمة دولية تستحق العقاب، وانسحبت منها كذلك عند دخولها حيّز التنفيذ، وهي الدولة الأكثر عدوانية على الصعيد العالمي، خصوصاً لمنطقتنا العربية.

إن افتقار المحكمة إلى آلية فعّالة لتنفيذ قراراتها، يعني بقاءها عائمة لأنها لا تستطيع إجبار المتهمين على المثول أمامها (لاسيّما إذا كانوا مسؤولين كبار فما بالك إذا كانوا رؤساء الدول)، ثم هل تقبل الدول أن تكون جهازاً تنفيذياً للمحكمة لإلقاء القبض على المتهمين؟ ولعلّ تلك التساؤلات الأكاديمية هي أيضاً هواجس لكل من يبحث عن العدالة ومن تشغله مسألة إنصاف الضحايا.

باحث ومفكر عربي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here