عبير المجمر (سويكت): هل امتطى أمام الأنصار جواد الثورة في آخر لحظة لقطف ثمارها؟ أم كان من صانعيها و مهندسيها ومفجريها؟

عبير المجمر (سويكت)

السيد رئيس حزب الأمة القومي أمام الأنصار الصادق المهدي أعلن مؤخراً عن إعتزاله العمل  التنفيذي و الحزبي مؤكداً في ذات الوقت إستمراره في العمل العام الوطني والإسلامي والعربي والأفريقي والدولي الفكري والعملي.

و قد ذهب معارضيه في تفسير ذلك بأنه قرار أتى نتيجة لإقتناعه بأن الأصوات الرافضة له أصبحت في زيادة واضحة على حد قولهم.

لكن  الجدير بالذكر أنها ليست المرة الأولى التي يصرح فيها بذلك بل كانت له تصريحات عديدة في هذا الشأن منذ أن كان خارج السودان في حوارات عديدة أجريناها معه، في فترة تنقله بين مصر و لندن و باريس و برلين، طيلة فترة تواجده بالخارج لإكمال مهمام وطنية منها نادي مدريد، المجلس العربي للمياه و هو الذي يخطط منذ فترة بعيدة لعقد عدة مؤتمرات على رأسها (مؤتمر دول حوض النيل بين الدول المنتجة و المستهلكة للمياه”مياه النيل الوعد و الوعيد” ،و هيكلة نداء السودان، و منتدى الوسطية العالمي الذي يرأسه… إلخ.

حيث عبر الصادق المهدي مرات عديدة عن رغبته في التخلي عن أي منصب تنفيذي و حزبي، و انه لا يريد رئاسة اي حكومة، مشيراً إلى أنه عندما يحين وقت الانتخابات سيقدم حزب الأمة مرشحه بموجب قرار المؤتمر العام إيمانا منه بأن رحم حزب الأمة ولود.

و الإمام الصادق هو من وضع أسس المؤسسية في حزب الأمة و نقله من التقليدية للحداثة، و من الحضانة الأبوية لمشروع المؤسسية، و حرص على توطين الديمقراطية، و تطوير مؤسسات الحزب و هيئة شؤون الأنصار  كهيئة للدعوة ،كما حرص كذلك على الفصل بين التنظيم الدعوى و السياسي، حيث يرى أن عملية الفصل بينهما أمر ضروري و مهم.

و المعروف أنه بعد إنتهاء جزء من مهامه كان قد توجه إلى مصر  حيث كانت الحادثة المشهورة  و منعه من دخول الأراضي المصرية، الأمر الذي اضطره إلى توجه إلى لندن في شهر يوليو، و كان ذلك عقب تصريحات صحفية تحدث فيها عن رأيه بصراحة في نقطة حساسه يتعمد جميع المعارضين التهرب منها، و المراوغة و المناورة في الكشف عن رأيهم فيها، ألا و هي قضية “حلايب” التي أشار الإمام إلى أنها أراضي سودانية مؤكداً أنها حتى فترة حكمه كانت أراضي سودانية، لكن ضمتها مصر لها تأديبا للنظام السوداني بعد اشتراكه في محاولة إغتيال حسني مبارك بعد أن تبين ذلك بالدلائل فالجموا النظام السوداني البائد فسكت و لم يتخذ موقف دفاعي.

و الكشف عن تلك الحقائق لم يعجب الطرفين المصري و السوداني على حد سوا فكان إيقافه و منعه من دخول الأراضي المصرية التي يملك فيها بيت من حر ماله.

حينذاك أنتهزت بعض الجهات المستهدفة للإمام من معارضة و حكومة على حد سواء هذا الموضوع، و عملوا على استخدام آلياتهم المتمثلة في الإعلام المضلل و بث الأكاذيب مروجين أن سبب إيقافه هو اكتشاف علاقته بمجموعة الاخوان المسلمين، و أنه يعقد إجتماعات سريه معهم.

و المعلوم لدى المتابعين للشأن الفكري العربي والإسلامي و الافريقي و الدولي أن لا علاقة له بمجموعة الإخوان، لكن كمفكر إسلامي و عربي و إفريقي و دولي يهتم بالقضايا المؤثرة على عالمنا فكرياً، و طالما كان ناصحا و مرشدا لكل من يحمل فكر مؤثر ايا كان سلفي، وهابي، صوفي، أو اخواني، و قد دعاهم جميعا في منتدى الوسطية العالمي لإحداث مراجعات في مفاهيمهم، فهو صاحب نداء المهتدين لتعزيز ثقافة التعايش السلمي بين الأديان، و إيجاد حالة الوفاق، و استصحاب منظومة حقوق الإنسان في ذلك، و تكريس الإخاء الإنساني.

و هو أيضا صاحب اجتهادات فكرية متعددة منها التأصيل التقدمي ، كما أنه من دعاة السلام و إحداث المصالحات في العالم العربي والإسلامي و الافريقي، و كذلك من أهدافه بناء جسر التواصل و التعايش بين الشرق و الغرب ، و تعزيز ثقافة التسامح ، منتهجا دائما النهج الوسطى.

و بإعتباره من الحكماء المهتمين بتنفيذ مشروع مصالحات، و وقف الحروبات، و النزاعات في المنطقة، و دوره التاريخي التوافقي معروف في عقد المصالحات، و رأب الصدع، و إصلاح ذات البين، و صاحب اجتهادات فكرية مهمة لمكافحة الإرهاب و حاضنته بالطرق السلمية و المناصحة الفكرية .

كما أن معظم الإجتماعات الخارجية التي كانت يعقدها إما متعلقة بمنتدى الوسطية العالمي المعترف به دوليا و مسموح له بعقد مؤتمراته في جميع الدول الأوربية ،أو إجتماعات نداء السودان الذي خافت الحكومة السودانية من توسعه، خاصة و انه أول اكبر تحالف معارض على مر التاريخ السوداني يشمل قوى الكفاح المسلح و المدني على حد سواء، و شكل خطر على الحكومة، و على بعض كيانات المعارضة التي شعرت بتوسعه و اكتساحه الساحة المعارضة.

لكن يقال رب ضارة نافعة فبعد إجراء عمل صحفي استقصائي إستهدفنا فيه الجهات المصرية المسؤولة بفرنسا، تبين كذب الإشاعات و الاقاويل المضللة.

و أن أكد هذا المنع على شئ إنما يؤكد على ثبات أمام الأنصار على المبادئ و الموقف الوطني، و صب في رصيده الشعبي حيث وجد إدانة كبيرة من مستنيرى مصر، و كذلك إدانة سودانية واسعة بإعتبار ذلك السلوك تعدى على شخصية سودانية قومية تاريخية، و آخر رئيس وزراء شرعي، و رئيس حزب له ثقله، و وزنه الشعبي و التاريخي .

وبالرغم من التهديد و الوعيد من قبل حكومة الإنقاذ، و البلاغات و التهم التي تصل عقوبتها حد الإعدام ، إلا أن ذلك لم يمنعه من المخاطرة و إتخاذ قراره بالعودة لأراضي الوطن ، إيماناً منه أن المعارضة السلمية ميدانها هو داخل البلاد و ليس خارجها، لذلك قرر العودة بكل شجاعة ، و أعلن استعداده للمحاكمة بجميع التهم و البلاغات التي وجهت له من قبل النظام الديكتاتوري البائد ، تلك التهم التي تصل حد الإعدام، إلا أن قناعته الراسخة بأن المكانة الوطنية التي يحتلها في العمل الوطني محفوفه بالمخاطر، و قوله كلمة الحق دون خوف و لا محاباة كلفته ثمن غالي في ظل الأنظمة الإستبدادية التي كانت تتربص به منذ عهد عبود و نميري و عهد الإنقاذ البائد لكنه كان على إستعداد لدفع ضريبة النضال الوطني .

 و المعروف عن السيد الصادق المهدي طيلة مسيرته السياسية و النضالية أنه من دعاة التغيير بالطرق السلمية و نبذ العنف و السلاح ،و من دعاة الديمقراطية و نبذ الإستبدادية و الديكتاتورية التي حاربها بآلاليات و الطرق السلمية.

كما يعتبر الإمام الصادق هرم سياسي و فكري، و يتمتع بشعبية و جماهيرية منقطعة النظير سابقاً و حاضرا ، و علو مكانته جعلته مستهدفا من البعض، و فسر ذلك مؤيديه بأن مواقفه و أفكاره أثارت حسد و حقد من عجزوا على منازلته سياسيا و فكريا فلجوا لأساليب أخرى، فكان مصيره السجن و الإعتقال و التهديد بالإعدام من قبل الحكومة.

و من قبل معارضيه الاخرين في المعارضة كانت محاولات الإغتيال السياسي و الأدبي تارة عن طريق إستخدام الإعلام المضلل الذي لا يحترم عرف المهنة و اخلاقياتها ،و تارة عن طريق جماعات ذات أجندة تخصصت في نشر الأكاذيب و الأقاويل العارية من الصحة عبر السوشل ميديا بهدف إزاحته من الساحة السياسية، و خلق فجوة بينه و بين الجيل الراكب رأسه، و إذا عرف السبب بطل العجب.

و لقد كان السيد الإمام هو الأكثر حرصاً و اهتماما بقضايا جيل الشباب، فخطاب هذا الجيل في مؤلفات فكرية مختلفة منها” أيها الجيل” ، إضافة إلي حرصه على بناء جسر تواصل بين جيل الأمس و اليوم و الغد.

فكان في سفره و ترحاله حريص على عقد الندوات و المؤتمرات و الجلسات الإجتماعية التي يستمع فيها لأجيال الشباب، و على رأسهم شباب المهجر، و الأسر السودانية من أمهات و اباء حرص على الإستماع إليهم و تقديم المساعدة لهم بالنصح و الإرشاد قبل المساعدات و الدعم المادي.

في الوقت الذي تعمد فيه أصحاب الغرض تحريف تصريحاته و تشويهها، و الغرض مرض ،و المعروف عن أمام الأنصار  لمسته الأدبية المميزة في إستخدام الأمثال الشعبية التي يتقن استخدامها لمخاطبة العامة بلغة بسيطة بعيدة عن الترفع و التعجرف النخبوي.

و بناءاً على ذلك كان إستخدامه لعبارة “بوخة المرقه” حيث ذهب البعض للقول بأن قصده كان التقليل من شأن الإحتجاجات التي بدأت بها انطلاقة شرارة الثورة ،إلا أن حديثه أنذاك كان واضحا حيث كان يتحدث عن موقف حزب الأمة حيال هذه الاحتجاجات و السابقة لها.

فكانت محاولة الإمام أنذاك التأكيد على أن الثورة عمل تراكمي، و إزاحة النظام الإستبدادي لن يكون عبر الضربة القاضية بل سيمر بمراحل عديدة و ستجني ثمارها في آخر المطاف ، و في حديثه عن موقف حزب الأمة من تلك الاحتجاجات قال بأن موقفهم ليس” بوخة مرقة” بل هم مع هذا العمل منذ البداية، و كانوا يعملون منذ وقت طويل بشتى الأساليب و الآليات على عملية التغيير و التحول الديمقراطي المنشود ، و ليسوا مستجدين في حقل النضال و الكفاح الوطني ، و لكن بعض المغرضين على حد وصفه  تعمدوا إخراج حديثه من صياغه و مقصده، على العلم أن التسلسل التاريخي لتصريحات الإمام في مختلف القضايا الوطنية المهمة لا تخلو من إستخدام الأمثال الشعبية على سبيل المثال لا الحصر :

_خطابه في النيل الأزرق و تطرقه لموضوع تعيين الولاة قائلًا :(ما دايرين أي كأني مآني).

_و في حوار أجريته معه و حديثه عن عرض إمبيكي بعد تنصله من خارطة الطريق  :(قلنا لإمبيكي نرفض وليمة الفطيسة التي تدعونا لها، لكن نحن على إستعداد لمقابلته و التحاور معه و نصحه من أجل القضية الوطنية).

_كذلك في وصفه لنا لسياسات الحكومة أنذاك فكان وصفها لها كالآتي :(يا تدرى يا أكسر قرنك، العصا لمن عصى ، و دق القراف خلي الجمل يخاف).

_و في رده على أحد التهم الموجهه لنداء السودان كان رده لنا مختصر في كلمتين (كضبا كاضب).

بينما ذكر آخرين أقاويل أخرى له منها :

_ (انحنا يا جماعة أبينا دوت كي)قالها عند  رفضه المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية

_التوسع في الجامعات من من غير رؤية و دراسة كافية (أنها كمن يحاول أن يطعم برميل موية بملعقة سكر)

_وصفه انشقاق مبارك الفاضل و انضمامه للحكومة (إستباق اكل الفطيس قبل الذبيح)

_عندما طالبه البعض بالاقتصاص من اعدائه(الفش غبينته خرب مدينته)و هو المعروف عنه التسامح الدفاق، و نزع الله من قلبه صفة الإنتقام و غيرها من أمراض النفوس، و لعل طبعه الإنساني المتسامح و ميلوه دائما للحلول السلمية جعل البعض من دعاة الممارسة السياسية الخشنة العنيفة يصنفه بالهبوط الناعم

_و في وصفه لمواقف الإنقاذ المتبدلة و المتغيرة(النظام سالخ جلدو).

_و في رده على انتقادات المؤتمر الشعبي (الشعبي ساقط و شايل قلمه يصحح).

_و الأكثر ظرفا وصفه للجبهة الإسلامية(عميانة كحلتها مجنونة و قالت ليها حواجبك سود مقرونة)، و حبوبتنا المنحدرة من نهر النيل تقولها بطريقة أخرى (عمياء تحفحف مجنونة تقول لها حلوة حواجبك مقرونة).

_كذلك نقده حكومة الإنقاذ عندما محاولتها ترويج أحلام بإنجازات لم تكن ممكنة في وقتها (أحلام زلوط)… إلخ

و يبقى السؤال قائما: هل حقا امتطي الإمام الصادق المهدي جواد الثورة بعد أن تأكد من نجاحها؟؟؟ أم أنه كان من صناع الثورة و مفجريها و مهندسيها؟؟؟

تابعونا للمقال بقية

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here