عبير المجمر (سويكت): حد الردة المزعوم أخطر تشويه لصورة الإسلام وإنسانيته ومناقض لقيمه ومبادئه

عبير المجمر (سويكت)

حد الردة الذى لعب دورا في ماضي السياسة السودانية وحاضرها كأحد أذرع المتاجرة السياسية بإسم الدين، وأحد أذرع الفتك بالخصم وإغتياله، وتصفية أصحاب العقول المستنيرة، وكغيره من أحكام الشريعة الإسلامية مثل: الرجم والجلد وقطع الأيدي والأرجل من خلاف يتطلب هذا الحد وقفة كبيرة للتفكير والنقاش حول صحة هذه الحدود من الناحية الإنسانية والقانونية والإسلامية.

فمن ناحية عقلانية حد الردة متناقض مع مبادئ الإسلام السامية ومخالف لحقوق الفرد الإنسانية والقانونية، ومخالف حتى لأهداف الكتب السماوية السامية، وكذلك مناقض لجوهر الرسالة المحمدية، وحد الردة مناقض حتى لحرية الإعتقاد التي كفلها الله لعباده :(وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) ،فحرية الإعتقاد حق مشروع لم ينكره الإسلام، ويتجلي ذلك في مشوار الرسالة المحمدية وما مرت به من صعاب ومشاق تبرهن على أن ألله أراد أن يكون إيمان العباد به وبالإسلام مبنيا علي إيمان قلبي، وإقتناع فكري مطلق، وليس العكس، لذلك لم يستخدم الله عزوجل قدرته على إقناع الناس بالقوة وهوقادر على كل شئ:(إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون)، ولكن سبحانه وتعالى ترك للإنسان الحرية الكاملة في الاعتقاد، وحسه علي التفكر والتأمل في مخلوقاته، وإستخدام العقل للتوصل إلى الحقيقة الربانية ونرى ذلك في العديد من النصوص القرآنية :

(أفلا تفكرون)، (أفلا تعقلون)، وكذلك مضامين قصة إبراهيم عليه السلام وكيف توصل إلى الحقيقة الربانية نجد فيها أكبر دليل على أن الدين هوإيمان روحي وعقلي، “منبعه القلب ومصبه العقل”.

مع ما ذكرناه نجد أن علماء المسلمين يستندون علي آيات قرآنية وبعض الأحاديث لإثبات حد الردة منها :

قوله تعالى: ( وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوكَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) البقرة/ 217

فهذه الآية تتكلم عن من يبدل دينه، أي من يرتد وبالتالي يقال: تحبط أعماله ويكون مصيره النار، ولكن لا تتكلم الآيه قط عن حد الردة ولا تذكره السطور مطلقاً ، كما يستند علماء الدين على قوله تعالى : { وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُاللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِنيَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ } التوبة الآية 74، والغريب في الأمر أن في هذه الآيه أيضاً لم يذكر فيها حد الردة البته، فالاية واضحة وضوح الشمس تتكلم عن الكفر بعد الإسلام اي الردة وما يترتب عليه من عواقب “دون التطرق إلى حد الردة المزعوم”.

وللأسف إعتاد المجتمع العربي والإسلامي أتباع علماء الدين دون تفكير أوتمعن أواجتهاد منهم لفهم المعنى، حيث قرر الناس في مجتمعاتنا “تجميد عقولهم” في الأمور التي تخص دينهم ودنياهم باعتبارها خط أحمر، وفي ذات الوقت وكلوا أمورهم لفئة من البشر لا يزيدون عنهم في شيء وأطلقوا عليهم ( علماء الدين) ، وجعلوا منهم قبلتهم ومرجعهم، ينفذون ما يقولونه ويتبعونهم أتباع أعمى، وكأنما هؤلاء العلماء لهم حق التفكير والإجتهاد وإتخاذ القرارات، والآخرين عليهم التنفيذ فقط من غير تفكير أواجتهاد.

لذلك مع أن الآية الكريمة لا تذكر حد الردة إلا أنهم يكذبون أعينهم وعقولهم وهم يرون عدم ذكر حد الردة في هذه الآية، ويعتمدون على قول ابن كثير المبنى علي هذا المعنى: «وإن يستمروا على طريقتهم يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا أي بالقتل والهم والغم …» وهنا السؤال الذى يطرح نفسه : كيف لإبن كثير أن يعتمد حد الردة ومن ثم يقرر ويصف شكل العذاب بأنه سيكون بالقتل والهم والغم( عذابا إليما في الدنيا) يعني أن العذاب سيكون بالقتل والهم والغم.

هل أتاه وحي بذلك؟ ام أنها مجرد تخيلات واجتهادات؟ فحتى وإن اتاه وحي قد نزل عليه من السماء نحن من حقنا أن نكذبه أونصدقه، لأن حتى الرسول صلى الله عليه وسلم كذبه بعض الناس وصدقه آخرين ، أما إذا كانت هذه مجرد اجتهادات فهنالك العديد من البشر الذين توصلوا إلى أن حد الردة حد مزعوم لا وجود له من ناحية إسلامية صحيحة، وغير مقبول إسلامياً ولا عقلانيا، ويتناقض تناقضا واضحا وكاملاً مع مبادئ الإسلام السامية،

أما من ناحية السنة النبوية الشريفة فهم يعتمدون على بعض الأحاديث منها :

1 _ عن بن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” من بدل دينه فاقتلوه ” ( البخاري 3017).

2 _ عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس والثيب الزاني والمفارق لدينه التارك للجماعة ” ( البخاري 6878 ، ومسلم 1676).

3 _ محمد بن الحسن بأسناده عن الحسين بن سعيد، قال: قرأت بخط رجل إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام): رجل ولد على الإسلام ثم كفر وأشرك وخرج عن الاسلام، هل يستتاب؟ أويقتل ولا يستتاب؟ فكتب (عليه السلام): يقتل.

4_ صحيح علي بن جعفر، عن أخيه الإمام موسى بن جعفر ، قال: سألته عن مسلم تنصّر؟ قال: (يُقتل ولا يستتاب). قلت: فنصراني أسلم ثمّ ارتدّ عن الإسلام؟ قال: (يستتاب، فإن رجع، وإلاّ قُتل).

ولكن الأحاديث شئ وما ذكر في القرآن الكريم شئ آخر ، مع العلم ان هناك جدل دائم حول مدى صحة الأحاديث والروايات المصاحبة لها، حيث يمكن الأخذ بقول الله تعالى أي” القرآن الكريم” بعد التفكير في فهم الآية وأسباب نزولها والمقصود منها، وهل يتماشى مقصدها مع الوقت الحالي أم لا؟ أي أنه يجب أن لا ننسى أهمية التجديد أيضا، لكن فيما يخص الاستناد على السنة النبوية الشريفة المتمثلة في الأحاديث فمن الصعب الاستناد عليها للوصول لحكم نهائ صحيح، فعلى سبيل المثال في الأحاديث المذكورة أعلاها هي عبارة عن أقاويل منقولة عن فلان وعلان، أي ليس هنالك ما يثبتها، بالإضافة إلى أننا لم نكن موجودين في ذلك الوقت، ولم نشهد الحدث الذي ذكرت فيه هذه الأحاديث وأسبابها.

وبناءاً عليه من غير المعقول أن نضع قوانين وأحكام لا منطقية، وغير عقلانية، وغير إنسانية لإدارة دنيانا وديننا، ونطبقها على الآخرين بناءاً على قول فلان وعلان، بالإضافة إلى أنه إذا عدنا إلى نقطة البداية التي تتمركز في تناقض حد الردة مع مبادئ الإسلام السامية :(لا إكراه في الدين )، (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)،

(ولوشاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ۚ أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)،

(فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر) فهنا نجد علامات الاستفهام كثيرة، كيف يعطي الإسلام الإنسان حرية الإعتقاد وفي نفس الوقت يضع حد الردة؟ الذي هوأبشع أنواع الإكراه في حرية الإعتقاد، الأمر الذى من شأنه أن يولد الخوف في قلب الإنسان، ويعلمه النفاق فيكون الإسلام شكلي فقط خوفاً من عقوبة الردة، وليس جوهريا نابع من قلب صادق مؤمن بهذا الدين، وحد الردة في ذاته نوع من انواع الاستبداد والإكراه التي لا تتماشى مع ديمقراطية الإسلام وإنسانيته ، فكيف يكرم الله النفس الإنسانية ويعظمها ويحرم قتلها وفي نفس الوقت يسمح بحد الردة بتهمة أن الإنسان لم يعد يؤمن بهذا الدين أي أنه لم يعد يقتنع به.

ثم أن حد الردة قبل أن يكون جريمة في حق النفس البشرية وانتهاك لحرية الإعتقاد واسواء أنواع الإستبداد والإكراه، هذا الحد هوأكبر تشويه لصورة الإسلام، واحد العوامل التي تخيف الكثيرين من اعتناق الدين الإسلامي، وتخلق علامات استفهام كثير تدور حوله، إذن حماية للنفس الإنسانية المقدسة وكذلك حماية لمبادئ الإسلام السامية العظيمة يجب إسقاط حد الردة .

عبير المجمر (سويكت)

Print Friendly, PDF & Email

7 تعليقات

  1. الأدمغة درجات… فمنها الجيد، ومنها الأقل جودة ومنها الرديء… وفي الجيد تكون الفطنة، وفي الأقل جودة قد تغيب….
    لقد وضعتُ الإصبع على أكبر آفة يعاني منها التعليم الديني أو بالأحرى “التعليب الديني” … إنه مسألة جودة الأدمغة التي تختار الدراسات الإسلامية… طبعا، في غالبيتها هي من المستوى الرديئ عندما كانت في الثانوية قبل التوجه… وتنقصها آليات تمنحها “الثقافة الحقيقية المُؤهِّلة” في معارف أخرى، تجعل المُتلقِّي يأخذ المسافة العقلانية…
    .
    الدماغ كالتربة، فيه الجيد وفيه الردييء… والمعلومة كالبَذْرة… التربة الجيدة تينع فيها البذرة وتتفرع… والتربة الفاسدة محصولها فاسد، وقد يكون ملوث وربما قاتل…
    .
    ويبقى السؤال : بأي حق نفرض أن يكون الطالب نبيها متفوقا لولوج بعض الدراسات، ونقبل بأي كان لولوج المعاهد الإسلامية، وأغلبهم من ضعيفي المستوى في الثانوية… ليلعبوا في ديننا وتاريخنا، ويعيدوا إنتاج مجهودات من سبق…

  2. مع احترامي لراي الكاتبه ولكنها تتحدث عن تناقل أحاديث الرسول عليه السلام وكأنها حديث مجالس ونسيت انه علم كامل اختص بالحديث ومن نقله وهل يؤخذ منه وعنه او لا يؤخذ ونسيت او تناست الدقه التي يتم فيها تصحيح الحديث قبل الاخذ به
    وتتحدث الكاتبه عن علماء الدين والفرق بينهم وبيننا وتنسى او تتناسى ان ليس كل لبس عمه فهو عالم وتنسى الجهد الذي بذلوه العلماء الثقات في التعلم والتفقه في علوم الدين وهذا ما يميزهم عن غيرهم من العامه
    ولا يجب اعتبار علماء السلطان المنتشرين في عصرنا الحالي حجه نحارب بها علماء الدين الصادقين
    ان تقرائي القران والتفسير لا يجعلك مؤهله لتنظري علينا بما يصح ولا يصح من الاسلام

  3. مقال مليء بالمغالطات و تفسير القرآن بحسب الهوى و تكذيب لأحاديث صحيحة لأنها لم ترقى لهوى الكاتبة. لذا تجد غالبية الردود المؤيدة لهذا الطرح الذي اقل ما يمكن أن يقال فيه انه “زندقة” هي ردود لا تحمل اقل القليل من العلم الشرعي.
    اقول للكاتبة أن الدين الإسلامي إن لم يعجبك فلن يجبرك احد على الالتزام به خصوصاً في هذا العصر، أما محاولة لي الآيات و تكذيب الأحاديث لجعلها موافقة لهواك فهذا لن يحدث مادام هناك قرآن يتلى و سنة يتم الاقتداء بها. و الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون

  4. شكرا للكاتبة عبير المجمر…
    هؤلاء الذين سموا ب”العلماء” أجمعوا إجماعا مطلقا على أن الأحاديث كلها، بصحيحها وحَسنِها وضعيفها ومكذوبها، ظنِّيةٌ عن الرسول…
    وكيف وهي ظنية فتبنون عليها شرائع ذهب ضحيتها عدد لا يحصى من البشر !!! ونسوا الآية الكريمة “إن بعض الظن إثم”… إن معظم الشريعة التي سموها بالإسلامية بنوها على هذه الأحاديث… وإبليس اللعين، من باب “الشيوخ ـ العلماء” دخل. فسبوا بعضهم بعضا. وكفّروا بعضهم بعضا. ووقعت فتن وتناحرنا فيما بيننا، وبيننا وبين باقي البشر، إلى يوم الناس هذا…
    .
    ومن باب الوقاحة أنهم سموا ما خلقوا بالعلوم النافعة… كيف لهذه العلوم أن تكون نافعة وهي لم تجلب سوى التفرقة والمشاكل…!!! وذهب انحرافهم ليجعلهم يطلقون أسماء لا سلطان لها. فنجد عل سبيل المثال : “الإختلاف بين العلماء رحمة” أو “من خرج على الإجماع فقد كفر”… وما شابه…
    .
    ومن عجائب ما جائوا به عن القرآن لتغذية المشاكل، هي مسألة الناسخ والمنسوخ… فكيف لهذا أن يكون علما من علوم القرآن وهم لم يتفقوا على عدد الآيات المنسوخة. فهناك من يقول أكثر من مائتين، وهناك من قال مائة ونيف، وهناك من قال ستين ونيف وهلم جرا… وما نجحوا فيه هو أنهم نسخوا آيات قرآنية بأحاديث، بعد أن قالوا إجماعا بأن الأحاديث تبقى ظنية…
    .
    والآن نتسائل لماذا وصلنا بإسلامنا إلى هذا الحال… ؟؟ إن كل حل لن يمر إلا بالقضاء على هذه الطبقة المسماة ب “العلماء” وإلغائها… واسترجاع الدين من أيديهم… وهذه المدارس الدينية ينبغي إعادة تأهيلها وإدماجها في منظومة تحترم العقل الذي هو من أكبر نعم الله على الإنسان…
    مع التحايا سيدتي…

  5. ما رأيك يا ست عبير فيمن قتلهم الأستاذ حميدتي عامة وهم بالعشرات أمام مبني القيادة الوهم غير مرتدين .
    وما رأيك فيمن قتلهم الأستتاذابلحة بالمئات ووما زال يقتلهم بلا ردة ولا غيرها.
    رحمتك يارب!

  6. سلمتِ و لكن أين العقول ؟ ثمّ أما أعدّ الله للمنافقين الدكرك الأسفل من النّار و أوصد أمامهم أبواب الشّفاعة
    “إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نصيرا” !

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here