عبد الكريم ساورة: المجتمع رقم صفر

عبد الكريم ساورة

دخل طفلان إلى المقهى الأول يحمل علبة واحدة من ” كلنيكس ” يبلغ من العمر 6 سنوات، وبجانبه طفل لايتعدى 4 سنوات، يبدو على لباسهما أنهما من عائلة ليست متوسطة ولا فقيرة، أجد صعوبة بالغة في وصفهما، تقدما عندي لأشتري منهما العلبة الوحيدة التي يملكان وثمنها درهم واحد.

سألتهما وأنا أذكِرهُما قائلا لهما: إنها التاسعة والنصف ليلا ماذا تفعلان في هذا الوقت خارج المنزل، فأجاب الطفل الأكبر: إننا كما ترى نبيع علب ” كلنيكس” فقلت لهما وأنا مصاب بالدهشة : نعم إنني أرى هذا بعيني لكن ألا تتابعان دراستكما ؟ فرد علي بسرعة نعم إننا ندرس بالنهار ونبيع فور خروجنا من المدرسة، فقلت لهما ومراجعة الدروس في المساء، سكت ولم يرد ببنت شفة، تم أعدت أسأله وماذا يفعل أبوكما ؟ فرد علي إنه يبيع الأحذية ، فسألته ولماذا تبيع أنت وأخوك الصغير؟ فرد علي لأن أخي الكبير يطلب مني ذلك، وقبل أن يتمم كلامه خرج يجري وأخوه الصغير يتبعه كقط صغير.

الحقيقة، دقائق وأنا لا أ ستطيع استيعاب المنظر، فلو كان فصل الصيف وأيام العطلة أتفهم الوضع لأن مجموعة من الأطفال يتحولون إلى بائعي ” الكلنيكس ” ومنهم من يتحول إلى ماسح للأحذية ولكن الحالة جد مختلفة ومثيرة ومقلقة لأن الوقت غير مناسب والأطفال صغار جدا، والخطير في الأمر الذي أخافني أكثر هو تنقلهما من مكان إلى مكان ومن مقهى إلى مقهى ولا أحد انتبه إليهما أو التفت لحالتهما أو سألهما عن وضعيتهما، لقد رأيت بأم عيني أن كل الجالسين بالمقهى مشغولون بهواتفهم المحمولة، وفي كل مرة يقتربا الطفلان ليقدما لهم بضاعتهما، ينظرون إليهما نصف نظرة وبرؤوسهم  يجيبون بعدم القبول دون أي جهد أو تكلف.

أما هذا المشهد الذي لم أجد له بصراحة أي توصيف، أجد صعوبة كبيرة في تفكيكه، ولهذا فكرت في تقديمه أو بالأحرى بنقله بكل صدق وأمانة حتى يمكن أن نسلط الضوء عليه ولو قليلا ونبحث في صيغة لوقف هذا النزيف الفاظع لفلذات أكبدانا، لأطفال صغار يخرجون في الليل دون أية حماية، أنا على يقين أن الله وحده القادر فقط على معرفة معدل خطواتهم كل ليلة.

إنهم يخرجون كل يوم بنفسية، وبعد مرور أكثر من ثلاث ساعات بين المقاهي وداخل أسواق المدينة، وهم يسمعون يوميا قاموسا من الألفاظ ” الزنقوية ” وكذلك مايتعرضون له من عنف لفظي وتحرش وركل وكلام نابي من طرف بعض المنحرفين، كيف سيعودون إلى المنزل ؟ وماذا سينقلون في الغد إلى زملائهم بالمدرسة من سموم ومن كره ومن كلمات  فاحشة ؟

داخل هذه الحلقة المفزعة هناك، سؤال أصبح يؤرقني مند مدة وهو :

 هل حان الوقت لنتحدث عن نهاية أو موت المجتمع  “المسلم” بالمغرب ؟ وأؤكد على كلمة المسلم لأن المجتمع أصبح يقدم نفسه في هذا الركن الأخلاقي الإحساني من أكثر أي وقت آخر ؟ وماهي وظيفة المجتمع المسلم الحقيقية إذا كان لا يتصدى إلى هذه الأنواع من الظواهر المخجلة والمقرفة والتي تعطي صورة سلبية عن المملكة المغربية وعن المواطن المغربي الذي يتشدق طول الوقت بأنه من قبيلة المسلمين ؟

بصراحة، لقد سئمنا في كل مرة ونحن نسمع أن المملكة المغربية منشغلة بأمور مهمة وقضايا كبرى، وعندما ننصت إلى التقارير الدولية حول وضعية المغرب في قطاع من القطاعات، نجده يحتل المرتبة الأخيرة وإن كان محظوظا يحتل المرتبة ماقبل الأخيرة، أليس هذه أكبر إهانة للبلاد من خلال هذه الترتيبات المخيفة، والمخجل هو ردود الحكومة على هذه التقارير أنها تستهدفها، ياللعار عندما يقف صناع القرار على حقيقة هذه الأرقام ولايشعرون بالخجل.

ووجب الاعتراف ماتقوم به الدولة في الجانب الاجتماعي، وماترصده من أموال لفائدة المجتمع المدني، لكن معظم الجمعيات أصبح لايحركها سوى الدعم السخي الذي تقدم الدولة حتى أصبحت هذه الجمعيات يلقبها البعض ” بجمعيات المخزن ” قلبا وقالبا، وهي تضع لها موضوع التنمية كأولوية، لكن السؤال الذي يسكت عنه الجميع في طرحه وهو : ألا تدخل الطفولة بكل هواجسها المرعبة في خضم التنمية ؟ وهل كل شيء يخرج عن دائرة فلسفة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية يعتبر نزقا وخروجا عن الخط الرسمي ؟

يجب الاعتراف، أن المجتمع يقوم بأكبر خيانة لذاته، عندما يختبئ، وينكمش عن نفسه، ويتهرب من واجبه المقدس في الدفاع وحماية الطفولة، عندما يتحالف مع الدولة على إنكار حق الأطفال الصغار في العيش، في الحياة وفي ضمان الحقوق المتعارف عليها عالميا.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here