عبد الهادي السايح: أردوغان والعرب

 

عبد الهادي السايح

عقب مجزرة الحرم الإبراهيمي عام 1994، استولى الاحتلال الصهيوني على معظم المسجد الذي يعد ثاني أهم المقدسات الإسلامية في فلسطين المحتلة بعد المسجد اﻷقصى المبارك و يضم قبورأنبياء الله إبراهيم و إسماعيل و إسحق و يعقوب عليهم السلام.

ذلك المسجد الذي خاض صلاح الدين اﻷيوبي أزيد من خمسين معركة لإعادة منبره الفريد إلى محرابه المضمخ بعبق النبوة.

و عدا رد الفعل الفلسطيني، بدت أصوات العرب و المسلمين خافتة للغاية يومها.

و قبل أعوام خلت، بسطت الكنيسة الكاثوليكية الإسبانية سيطرتها من جديد على جامع قرطبة متحدية بذلك قرار اليونسكو باعتباره معلما أثريا و تراثا عالميا.

الإجراء لم يثر ضجة كبرى و لا احتجاجا يذكر و إن نكأ جراح التاريخ الغائرة في قلوب كثير من أحفاد الأندلسيين المُهجّرين ..على الضفة اﻷخرى.

و خفتت اﻷصوات مرة أخرى .. على الرغم من كون جامع قرطبة أحد أبرز المعالم الإسلامية في تاريخ العرب منذ بناه الإمام عبد الرحمن بن معاوية الداخل ليصبح ثاني أكبر مسجد على وجه اﻷرض بعد المسجد الحرام؛ و إذا تحدثنا عن رمزيته التاريخية يمكن اعتباره مركز الثقل الحضاري للغرب الإسلامي في عهودنا الزاهرة.

فمن مدارسه الكثيرة تخرج على مدى القرون الآلاف من العلماء النابهين في الميادين الشتى و أشرقت شمس المعرفة من جنباته على زوايا المعمور؛ جامع قرطبة الذي يُرمى من يصلي به خارجا فالصلاة ممنوعة في رحابه الشريف على المسلمين.

لكن الأصوات التي خفتت حينما تعلق اﻷمر بمعالم أثرية تاريخية لها قدسية و رمزية خاصة عند العرب، احتدمت على طرفيْ النقيض بالصراخ و الجدل بمناسبة تحويل أيا صوفيا في تركيا إلى مسجد من جديد؛

و هو ما يكشف أننا في خضم معركة سياسية و تجاذبات إقليمية عنوانها يختلف تماما عن مضامينها و أن الوازع الديني أو القيمة الحضارية لهذه المعالم هي آخر اهتماماتالفاعلين و المؤيدين         و المعارضين .. على حد سواء.

و حتى لا يفهمني المتأولون و أصحاب مبدأ من ليس معي فهو ضدي.. خطأ، أنا لا يهمني صدقا أن أعلق على حيثيات القرار التركي فاﻷتراك أدرى بمصلحتهم منا، وهم يعملون غالبا في حدود ما تقتضيه مصالحهم القومية و يتعصبون لأبناء جنسهم في البلدان الناطقة باللغات التركية و يعملون على حماية اﻷقليات التركمانية المنتشرة من شمالي سوريا إلى أواسط آسيا حتى منغوليا موطنهم اﻷصل،           و يحافظون على المعالم التراثية الخاصة باﻷمة التركية أو اﻷمم التركمانية إن شئت في بقاع اﻷرض المترامية.

ما يهمني – من الهمّ و الاهتمام- هو هذا المنطق العربي السقيم، هذا التزاحم على نطاقَيْ تركيا بالصداقة أو العداوة كأنها أضحت قطبنا الوجودي و مركز الجاذبية في كياننا المرهق، هذا الإهمال بل الاحتقار العربي للذات و التعلق بأمجاد الآخرين أو انكساراتهم؛ تقديم أنفسنا قرابين لوقود معاركهم و جسورا يعبرون عليها إلى مصالحهم و آفاق مستقبلهم.

لقد فقد الجميع البوصلة. فبعض العرب لا يهمهم سوى الاصطفاف مع تركيا أردوغان حتى على حساب أمتهم، و بعض لا يهمهم سوى النكاية فيه حتى على حساب مصالحهم و أمن بلدانهم.. كأن مقدسات العرب و تاريخهم الطويل و ذاكرتهم الضاربة في أعماق التاريخ رحلت كلها إلى تركيا مع حاضرنا الباهت و مستقبلنا المريب.

من الغريب أن بعضنا يفخر بمنجزات الآخرين و يعيّر أمته؛ حالنا في ذلك كحال الجارية التي تفخر بهودج سيدتها على حدّ تعبير الشاعر العربي القديم.

و من الغريب أيضا أننا نحاول التقليل من منجزات الآخرين .. غاضين الطرف عن إخفاقاتنا المتكررة و فشلنا الذريع في معظم المجالات، كأن التقليل من نجاحات الآخرين يجعلنا نبدو أقل فشلا؛

إنه منطق الولاء المطلق للآخرين و منطق العداء المطلق للآخرين الذي صار وجودنا المنقسم يدور على قطبيه.

نحن العرب نؤيد محتلينا من أيّ الجهات اﻷربع قدموا و لا يخطر ببال أكثرنا أننا أمة لها حق الوجود و الكرامة مثلنا مثل الآخرين. لماذا علينا دائما أن نكون تبَعا لهذا أو ذاك الذين نوفر لهم ساحة المعركة، أعداد الضحايا و الغنائمُ نحن في نهاية المطاف؟

فلنتذكر أن اﻷمة الإسلامية عاشت أزهى عصورها عندما كان العرب روادها الحكماء و قادتها المحنكين، و أن العرب تحت مظلة اﻷمويين هم من بنى المسجد الٌأقصى بعدما كان خرابا و هم من شيّد جامع قرطبة تلك التحفة المعمارية الرائعة؛ و أننا احترمنا مقدّسات الآخرين كما بنينا صروحنا بأيدينا.

الجزائر

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

6 تعليقات

  1. السيدان المحترمان جورج سفر، عربي مقدسي
    اسمحا لي أن أذكركما ببعض اﻷشياء
    أن سقوط آخر ممالك اﻷندلس 1492 و سقوط القسطنطينية 1453 تم في فترة زمنية متقاربة و هناك تحولت المساجد إلى كنائس و هنا تحولت الكنائس إلى جوامع و منها كنيسة أيا صوفيا التي حولها السلطان محمد الفاتح إلى مسجد جامع وظلت كذلك حتى مجيء أتاتورك.
    معظم الأندلسيين الناطقين بالعربية سواء مسلمين أو مسيحيين أو يهود كانوا من السكان اﻷصليين، تماما مثلما حدث في سوريا أو فلسطين مصر و المغرب الخ. ولم يكونوا مستوطنين محتلين لبلاد غيرهم كما أن العرب لم يختلفوا عن البيزنطيين الذين حلوا محلهم سوى في طريقة التسيير.
    أما جامع قرطبة و جامع اﻷمويين فقد بنيا في مكان كان به كنيسة صغيرة ، أزيلت أو أدمجت اشتريت بالتراضي أو اغتصبت المهم أن الفرق شاسع بين هذا و بين أخذ كنيسة و تحويلها كما هي أو مع بعض التعديلات لى مسجد.
    المشكل يكمن دوما في الاستخدام السياسي للديانات و لو تركت قلوب الخلق لخالقها لعاش الجميع بمودة و سلام

  2. الأخ جورج سفر،
    شكرا لمداخلتك الراقية. نحن العرب المشرقيين عانينا كثيرا من الحضارات الأخرى التث كانت ولا زالت تفتعل الحروب وللأسف يزوجوننا فيها ونكون حطباً لها. المؤمنون حقاً هم الذين يصلون ويعبدون ويتعاملون مع الأخرين باختلافاتهم العرقية والثقافية والعقائدية بكل المحبة والاحنرام. انا شخصيا، لا أصلّي لمكان ولا لبناء أصلي لله الخالق في بيتي، في مكتبي في سيارتي على الطريق… الارتباط روحاني مع الله الخالق. نعم، بعض الأماكن لها رمزية معينة أو قد تكون مقدسة وتلك الأماكن مصانة ومحفوظة ولها حرمتها ككنيسة القيامة وكنيسة المهد والكعبة المشرّفة. ما يؤسف هو تسييس الأمور وإثارة البسطاء المسيّرين بالإعلام السلبي الذي يؤجج النعرات بين المجتمع الواحد. مأساتنا الذباب الالكتروني الذي يصطاد في المياه العكرة والذي نرجو الاّ ينجرّ وراءه شعبنا الواعي

  3. سيدي الكريم، لا مجال للمقارنة بين مسجد قرطبة وكنيسة أيا صوفيا فالأول بناه المسلمون في بلد احتلوه ثم أُخرجوا منه وقد حوّله الإسبان إلى كنيسة منذ ما يقارب 800 عام.. وكنت أتمنى أن يبقى هذا الصرح المعماري الفني متحفاً للزوار من كافة أنحاء العالم. ولكنّ الأديان هكذا وأظن أن الموقع هذا يشكل مصدر رزق للكنيسة من قبل السيّاح . أما كنيسة أيا صوفيا فقد بناها بيزنطيون ودخلها عنوة أتراك مسلمون وحولوها إلى مسجد. فهي إذاً تُحفة فنية بيزنطية رائعة كماأن مسجد قرطبة تماماً فهو تحفة فنية رائعة،.وكان من الأفضل أن يبقى متحفاً. وهنا لا أريد أن أذكّر المؤلف أن أهم مسجد في بلاد الشام كان كنيسة وأقصد هنا مسجد بني أمية الكبير في دمشق وطبعاً لا أطالب أن يكون متحفاً خاصةً وأنه كان مفتوحاً للزائرين من كل أنحاء العالم ولكن أذكر كي لا نقفز على وقائع التاريخ.
    وأنا أظن أن أردغان لم يُرد استفزاز المسيحيين بعمله هذا، كما يرى البعض، بل أراد بشكل رمزي أن يودّع الدولة العلمانية التركية وأن يقول “عملياً” أن الأسلمة أصبحت واقعاً.

  4. لقد وصل العالم، كما يفترض، إلى مرحلة من الإنسانية والتطور الفكري الذي يطغى على كل الحروب والضغائن. كل حضارة كانت تستعرض قوتها وتحاول فرض سيطرتها على الحضارات الأخرى وفي الأغلب الإستيلاء على ثرواتها وارثها ولهذا، اندلعت الحروب ومات عشرات بل مئات الملايين من البشر وكل أسبابها كانت أنانية ولأمور دنيوية زائلة. نطلب من العلي القدير الآن أن يمنح القادة الزعماء الحكمة كي يفكروا بالحضارات بأسلوب جديد تسوده المحبة والاحترام والسلام وذلك بعدم الرجوع واجترار الماضي الذي يولد الضغينة ويذكي الأحقاد حتى بين أبناء الوطن الواحد.
    من ناحية تاريخية، فإن مسجد قرطبة كان معبد وثني وعندما اعتنق الاسبان المسيحية تم بناء كاتدرائية فوق اساساته وعندما وصل المسلمون إلى إسبانيا أخذوا المبنى وحولوه إلى جامع وتمت توسعته. لاحقاً بعدما انتهت الدولة الأموية في الأندلس، تم إعادته إلى أصله: كنيسة.
    وايضا كاتدرائية يوحنا في دمشق، استولى عليها الأمويون وحولوها إلى الجامع الأموي، ولا زال قبر النبي يوحنا (يحيى) في وسط المسجد، و لمن يرغب، يمكنه البحث لمعرفة لماذا لم يتم إزالة القبر.
    كل ما يمكن قوله: رحم الله الفاروق عمر… عهدته باقية في القدس لكن لم يقتد بنهجه القادة الخلفاء من بعده.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here