“عبد الله حمدوك” يقسم كرئيس وزراء في السودان والأردنيون يراقبون “مشهدٌ نعرفه”: رزّاز الخرطوم أمام تحدّيات جسيمة بعد احتجاجات قياسية أطاحت بحكم البشير.. المجلس السيادي عيّنه والشارع يستبشر وحراك الأردن يذكّرهم “احذر أمامك مطبّ” تقاسمنا الأمل وعلّنا لا نتقاسم الخيبة!

 

 

برلين – “رأي اليوم” – فرح مرقه:

استبشر السودانيون خيرا برئيس وزرائهم الجديد الدكتور عبد الله حمدوك والقادم من خلفية دولية اقتصادية باعتباره أثبت سلفا حسن نيته برفضه أن يسافر على حساب الدولة السودانية في طريق العودة من أثيوبيا، وقبيل أدائه اليمين الدستورية.

مثل هذه التفاصيل الصغيرة تحوّل الشعوب لمستبشرين وأحيانا مبالغين في الأمل، خصوصا وهم لم يعتادوا لفتات من هذا النوع من رؤساء وزرائهم سابقا، ولا حتى من الرؤساء انفسهم.

الدكتور حمدوك أدى يمينه ليل الأربعاء الخميس بُعيد تأدية المجلس السيادي السوداني (6 أعضاء من المدنيين و5 من العسكريين بما فيهم الرئيس الجنرال عبد الفتاح البرهان) أيضا اليمين الدستورية، ليكون رجل الاقتصاد المعروف في المحافل الدولية والذي رفض الانضمام لاخر تعديل وزاري قام به الرئيس السوداني المعزول عمر البشير في أيلول/ سبتمبر الماضي.

بهذا اليمين تحديدا قد يغلق السودان صفحة احتجاجات امتدت لثمانية اشهر (من ديسمبر/ كانون اول الماضي) والتي أدت بكل الأحوال لاسقاط حكم الرئيس عمر البشير وبعد 30عاما من الحكم.

وصول الدكتور حمدوك للحكم، يمكن له ان تتم مقارنته مع اختلافات الجغرافيا والديمغرافيا وطبيعة الحكم مع ما حصل في الأردن العام الماضي بعيد احتجاجات شعبية أطاحت بحكومة الدكتور هاني الملقي وأدت لوصول الدكتور عمر الرزاز والذي استبشر به الأردنيون خيرا أيضا وهو يرفض ان ينتقل من بيته لبيت رئيس الوزراء، ويتمشى في الشوارع مع العامة.

الرجلان من خلفية دولية أممية وراكما خبرة ممتازة ويشهد لهما بها وبالنزاهة في المحافل الخارجية، ما جعلهما محترمان من قبل النخب الحاكمة والشارع على حد سواء؛ ذلك حصراً ما جاء بهما إلى الحكم، حيث لم ينتخب الشعب أيّاً منهما وجاءا بمحددات النظام الحاكم (الملك في الأردن والمجلس السيادي في السودان) ما قيّد رئيس وزراء الأردن المحبوب وجعله “يخرج من جلده وقناعاته أحياناً”، كما قد تفعل بوضوح وربما بدرجة أكبر في السودان حيث رئيس وزراء يخدم تحت ولاية مجلس سيادي يتزعمه العسكريون، أي انه وفق مراقبين على الاغلب سيدير الشق التنفيذي في البلاد تحت حكم العسكر.

الخبرة الدولية التي يتمتع بها الرجلان تتعامل ببساطة وفق مناهج خارجية تُطبّق على الداخل وليس من الضروري أن تكون ذات تأثير حقيقي وسريع على الشارع، كما يتأمل الأخير، خصوصا في المرحلة الأولى وهي مرحلة تمتد من 3-6 سنوات، وهذا ما يراه بوضوح اليوم الأردنيون وهم يعانون من وضع اقتصادي أسوأ مما كان عليه، وقد يعاني منه ذاته السودانيون لاحقا إن لم تتم معالجة اقتصادهم ببعض من الأفكار المختلفة.

الأردنيون حتى اللحظة وان كانوا لا يزالون يرون أن الرزاز يستحق الاحترام لنزاهته، إلا انهم لا يرون في عهده “النهضة المنشودة” والتي يتحدث وزراء في حكومته عنها باعتبارها تتطلب المزيد من الوقت والذي قد يمتد لسنوات، وهو امر قد لا يتحمله السودان وان كان الأخير اليوم بحالة مختلفة حيث لا يتعامل مع البنك الدولي وصندوق النقد بسبب العقوبات المفروضة عليه.

في الحالة الأردنية بدأت الخيبات منذ شكّل رئيس الوزراء حكومته بعد نحو أسبوعين من استلامه منصبه، الامر الذي سيحياه السودانيون مع بعض الاعذار لحمدوك المفروضة عليه الأسماء من المجلس السيادي على الاغلب، بينما كان الرزاز ينفي أي فرض عليه وكان يسعى للتوافق وحيدا.

دون اسهاب بالتشابه والاختلاف، وبهذه الصورة، يمكن للتجربة الأردنية أن تمنح السودانيين بعضا من الإضاءات، خصوصا والاخيرين يختبرون أملاً بلا سقف برئيس وزرائهم، بينما الأمل يتضاءل برئيس الحكومة الأردني الرزاز بعدما زاد الدين العام وتراكمت الضرائب على كاهل المواطنين.

بكل الأحوال، بينما السودانيون مسرعون بالامل، قد ترفع امامهم التجربة الأردنية لافتة تشبه تلك التي تُرفع في الطريق السريع “انتبه امامك مطب” حتى يواصل السودانيون طريقهم بالحذر والتوجس كما بدؤوا، علّهم يحصدوا أفضل مما حصدته كل الدول التي طمحت للتغيير سابقا.

وكأن لسان حال الأردنيين يقول “نفهم جيداً أملكم وعشناه.. وعلّنا لا نتشارك الخيبة”.

Print Friendly, PDF & Email

12 تعليقات

  1. الى الاخ ابو احمد،كل ما ذكرته عن السودان الشقيق،اكثر من صحيح فهو سلة غذاء العرب،لكن الآن ماينقصه السودان النصف الثاني الذي سلخوه عن نصفه الاول،كان الله في عون شعوبنا.

  2. الله يوفق الدكتور حمدوك لخدمة بلده السودان الشقيق الذي عانى من ويلات الحروب والمجاعه
    نسال الله له التوفيق للنهوض بهذا البلد الطيب واهله الطيبون ففي السودان خير كثير ممكن اذا وجد اراده ونرجوا ان تكون لدى الدكتور حمدوك يمكن ان تسهم في ادارة عجلة التنميه في هذا البلد الشقيق.
    اهلنا في السودان دمتم بحفظ الله وتوفيقه

  3. اي قيادي عربي يود النهوض ببلده وشعبه فسيجد عملاء الأمة له بالمرصاد الامارات والسعودية تحارب كل رئيس عربي منتخب اراد النهوض بلاده وشعبه كما فعلوا مع المرحوم مرسي ونصبوا قائد الانقلاب لجعل مصر العروبة لقمة سائغة لإسرائيل هم أساس بلاء الأمة دمروا العراق وسوريا واليمن وليبيا وفلسطين خدمة لإسرائيل .

  4. هي ارادة دوليه ان تبقى الدوله العميقه . فكما تعلم رؤساء دول العالم الثالث هم موظفون لدى البيت الابيض . نهضة الدول العربيه ضد مصلحة اسرئيل . والعداء بين العرب واسرائيل عداء للأزل . لذا نكسة العرب ستبقى للازل . وكل ما نهضت دوله عربيه يتم تدميرها بأيدي عربيه مثل العراق سوريا ليبيا ..

  5. تحليل منطقي. لكن اصحاب الاجندات المعروفين لن يتركو بلد عربي في حالو . تحت شعار ( حكم العسكر ) .

  6. لا يمكن لرئيس بلد ان ينجح في نهضة بلده اذا كان يعتمد في نهضتها على مساعدة البلدان الأخرى ، بل يجب الأعتماد على الطاقات الوطنية مهما كان حالها والعمل على تطويرها لتكون هذه الطاقات هي عماد البلد في البناء والتقدم والرفاه ، وهذا ما حدث في كوريا الجنوبية الذي رئيسها لا يزال ينتعش من رائحة يده عندما كان زبالاّ قبل ان يصبح رئيساً لبلاده ، وهذا ما حدث في ماليزيا التي قادها سابقاً ويقودها اليوم الدكتور مهاتير محمد (عمره الآن اكثر من تسعين اطال الله في عمره ).
    اما عندنا في بلداننا العربية خاصة ، الذي يريد ان يقود بلاده لابد ان يكون منتصراً لمعسكر خارج حدود بلاده لكي يستطيع حكم البلاد والعباد (إلا ما ندر) ….
    نتمنى ان يكون الدكتور حمدوك من نوع (إلا ما ندر) لكي ينهض بالسودان وشعبها العظيم الى مصافي الأمم الراقية ، فالسودان لا ينقصه شئ فيه طاقة كامنه من الشعب الغيور وفيه الارض الخصبة والمياه وحتى النفط ، فقط الذي يحتاجه قيادة سليمة حيادية توصله الى بر الأمان والرفاه والاستقرار ، والأمل كبير ان يكون رئيس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك هو القيادة والقائد الذي تستحقه السودان وشعب السودان .

  7. شكراً الأستاذ فرح على هذه الإضاءة..

    نحن في السودان بغض النظر عن السمات المشتركة بين رئيسي الحكومتين كنا ولا نزال نرى أن زوال حكم الإنقاذ في حد زاته إنجاز وقد مررنا بظروف صعبة بالغة التعقيد في عهدهم ومن بينها امتهان كرامة الإنسان داخلياً وخارجياً ولقد تعودنا على الصبر طيلة هذه العقود.. صحيح أن سقف الطموحات مرتفع جداً لدى الشعب كما أن الحكومة ستواجه بضغوطات هنا وهناك ولكن ثقتنا في قوي التغيير كبيرة في تجاوز هذا المحك بالإضافة إلى الوعي لدى الشباب بالانخراط سوياً في عملية الترميم ثم البناء..
    هناك شئ مهم.. سابقا قد تسلل الإحباط لدى السودانيين فيما يتعلق بالبديل المناسب لعهد الإسلاميين بحكم أنه قد تمت تجربة جميع الأحزاب في فترات سابقة.. ولم تك فكرة الكفاءات هذه قد تبلورت بعد.. لذلك قد تأخر اقتلاع النظام.. وهذا التأخير هو زادنا حالياً في الصبر لعبور هذه المرحلة

  8. ربما أن هناك اختلاف مهم بين رئيس وزراء الأردن وبين نظيره في السودان حيث أن الأول ليس مدعوما عشائرياً بسب أصوله الشامية والتشكيك فيه حتى من قوى الشد العكسي في البلاد

    التي عاشت على هذا الوتر والتي نهبت الأخضر واليابس.

  9. في فرق كبير يا استاذ عبدالباري بين الموارد التي يمتلكها بالسودان والاردن الذي يعاني من قلتها ..فأذمة السودان كانت ومازالت مختلقة من قبل اعضاء المؤتمر اللاوطني الذين سعوا بشتي السبل الي افقار الانسان السوداني وازلاله بسياسة جوع (كلبك) يتبعك..ونحن كسودانيين كلنا خلف الدكتور حمدوك حتي تنظيف مؤسسات الدولة من بقايا للنظام ..واقتلاع الدولة العميقة التي تتحكم بموارد الدولة وتحولها لمصلحتها الشخصءة والحزبية..
    ولك الود

  10. هذا المقال يقارن بين حالة رئيس الوزراء في السودان والأردن، ولا يرصد أوجه إختلاف كثيرة بينهما، لذا يرى أن الفشل سيكون حليف رئيس وزراء السودان د. حمدوك كما كان حليف رئيس وزراء الاردن د. الرزاز..
    هناك إختلافات جوهرية بين الحالتين لم يتطرق لها الكاتبة، وهي:
    – الثورة في السودان أطاحت بالنظام الحاكم وتعمل على الإطاحة بكل ما خلف من مؤسسات وقوانين، وهذا لم يحدث في الأردن.
    – د. حمدوك في السودان لم يعينه العسكر في مجلس السيادة، وإنما قوى الحرية والتغيير الممثلة للثوار والتي قادت الثورة.
    – الوثيقة الدستورية التي ستحكم الفترة الإنتقالية فصَّلت بصورة واضحة ومحددة مهام كلاً من مجلسي السيادة والوزراء، مما يمنع تدخل أحد المجلسين في عمل الآخر، وبالتالي لا سلطة لمجلس السيادة على رئيس الوزراء.
    – القرار داخل مجلس السيادة لا يستطيع أن يتخذه العسكر وحدهم، وإنما بالأغلبيه داخله، وهي للمدنيين، لذا لا يستطيع العسكر فرض توجهاتهم.
    الخلاصة: فرص د. حمدوك في السودان النجاح أكبر بكثير من فرص رصيفه د. الرزاز في الأردن، وشكرا.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here