عبد الله النملي: 20 فبراير المغربية نجحت بالرغم من فشلها

عبد الله النملي

تحل اليوم الذكرى التاسعة لحركة عشرين فبراير المغربية، التي ظهرت عام 2011 ، حيث أَسْمَت نفسها باسم محدد هو يوم انطلاقتها. هذه الحركة لم تكن اختراعا مغربيا صرفا، بل أزهرت في فصل الربيع العربي، وبرزت في ظل تفاعل الشباب المغربي مع الدينامية النضالية للشعوب العربية، حيث خرج الشباب المغربي، في مثل هذا اليوم، ليؤكدوا لنا جميعا، أنهم لم يكونوا عازفين عن المشاركة السياسية جهلا أو إهمالا، ولكنهم كانوا عازفين بسبب موقف واضح مما يجري من الانتخابات إلى تشكيل المؤسسات. و منذ ولادة حركة 20 فبراير، عرف المغرب حراكا سياسيا و اجتماعيا، بقيادة شباب الحركة، وبمشاركة ودعم القوى السياسية و النقابية و الحقوقية والنسائية والجمعوية والثقافية بالداخل و الخارج. ومنذ انطلاقتها كحركة تنشد التغيير، اعتمدت حركة 20 فبراير، أسلوب التظاهر و الاحتجاج السلميين، وأبدعت أشكالا حضارية للتعبير عن مطالبها، و الاحتجاج على غلاء المعيشة والفساد و ظلم السياسات وتغيير الدستور، وهو ما جعلها تحظى بالتفاف شعبي، تَجسّد في المشاركة الواسعة لعموم المواطنين في المسيرات التي دعت إليها، بحيث لم تستطع أي حركة سياسية منظمة منذ عقود، أن تحشد ما حشدته  20 فبراير من جماهير في نضالها ضد السلطة. و لم تتعود الأحزاب نفسها على الدعوة للتظاهر ضد الفساد و الإستبداد خارج منظومة القوانين، حيث أحدثت الحركة ثورة في أشكال وأساليب الاتصال، ورسخت التحرر النسبي من إكراهات الرقابة، وأسهمت في توسيع فضاء الاحتجاج، وتشكل الرأي العام وخلخلة موازين القوى. وهي بذلك تعتبر إحدى الظواهر الأساسية في تاريخ المغرب الحالي.

هذا الحراك السلمي، حَرّك مشهدا سياسيا جامدا، واستقطب إلى العمل السياسي فئات واسعة من الشباب، ممن ليس لهم أي انتماء حزبي أو سياسي. كما استطاعت الحركة أن تجمع من حولها وداخلها العديد من القوى السياسية بالرغم من تباين مرجعياتها، حيث أثبتت قدرة فائقة في تأطير الشارع، والحفاظ على سلمية الاحتجاجات، وتوسيع مجالها والمشاركين فيها، لتشمل حوالي 100 مدينة وقرية، ونزول مئات الآلاف من المواطنين إلى الشوارع. ومنذ اندلاع احتجاجات حركة 20 فبراير، تَفَنّنَ المغاربة في إبداع هتافات وشعارات تعبر عن حركتهم، وكانت البداية مع الشعار الأبرز الذي يلخص مطالب الحركة: “الشعب يريد إسقاط الفساد والاستبداد”، كما اختارت الحركة لغة المحكي اليومي لتُعبر عما تريده من مطالب، فكانت جموع المحتجين على موعد مع شعار ” وعاك عاك باركا “، وهو شعار يشخص عدم القُدرة على الاستحمال. واخْتَصّ قسم من الشعارات في شكل مقولات رددها المحتجون وظهرت على لافتاتهم ، من قبيل ” لا للفساد، لا للاستبداد، لا للظلم، لا للتزوير، لا للاعتقالات التعسفية .. ”.  وشيّد مئات الشباب المغربي مجموعات على الفايسبوك تحمل شعار “الشعب يريد إسقاط الفساد والاستبداد”.

ولعل المؤشرات الإيجابية للحركة لا يجب أن تَحْجُبَ عنّا المخاطر التي تعرضت لها الحركة، أولها أن السلطة بالمغرب خطّطت بالليل والنهار للتّخلص منها، والصحافة المأجورة لم تدخر أي جهد لتشويه صورتها وسمعتها و روادها، وتقزيم أعداد المشاركين في مسيراتها، وبعض الأحزاب العاجزة لم تُخف حقدها وكراهيتها للحركة وأهدافها. و رغم أن الصورة العامة في بداية الحراك، كانت تتسم بنوع من الهدوء المشوب بالحذر، من خلال مشاركة بعض شباب الحركة في برامج القناتين الأولى والثانية، وتغطية مسيرات الحركة الرافعة شعارات إسقاط الفساد والاستبداد، إلى أن تقررت النزهة الشهيرة لمقر “الديستي”، وهنا نتذكر كيف انتهت مرحلة وبدأت أخرى، حيث أن وهم “الاستثناء المغربي” سرعان ما انكشف. وأمام الزخم النضالي المتنامي للحركة، لم تستطع السلطة الحفاظ على هدوئها، وما ادعته من استثناء مغربي، فاستخدمت كل الوسائل لإجهاض مسار ديمقراطي، حيث ابتدأت الحملة الإعلامية والسياسية بتصريحات مسؤولين رسميين، تُحرف الحقائق وتبرر استعمال العنف وقمع التظاهر، وتعريض السلامة البدنية لمواطنين للخطر. ثم حين تبين أن الحركة ماضية في استقطاب الجماهير الواسعة، جرت محاولات اختراقها واحتوائها. وحين ظهرت صعوبة ذلك، تم اللجوء إلى زرع التفرقة وسطها، عبر الادعاء أن قوى “متطرفة” تسعى الركوب على الحركة لخدمة أجندتها الخاصة. والحقيقة أنه لم يكن بمقدور أي كان القفز على شباب 20 فبراير، لأن ” الفودوكوميرس ” كان باسم شباب 20 فبراير.

لكن الأخطر من ذلك، ما تعرضت له الحـــركة من تهديد أفراد بلطجية، أطلوا علينا من خلال الشبكة العنكبوتية، يرغدون و يزبدون و يتوعدون مناضلي الحركة، وتُركوا يصولون للتصدي لحركة 20 فبراير، وتم تمتيعهم بالحصانة من المُلاحقة، بحيث لم يسمع قط أن أحدهم توبع أو اعتقل رغم ممارساتهم الإجرامية في وضح النهار. وقد سُمح لهذه المجموعات أن تمارس وظيفتها كقوات غير رسمية، بالاعتداء على شباب الحركة ونعتهم بالخونة و”وكالين” رمضان والعملاء والعاهرات والمثليين، حيث لم يجدوا غضاضة في التباهي بعنترياتهم الإجرامية في حق شباب الحركة في فيديوهات مصورة، ناهيك عن أن وسائل الإعلام العمومية حاولت الإيحاء بأن الربيع العربي قد انتهى وحَلّ محله الخريف، وأن الإصلاحات لا تحتاج إلى مسيرات أو اعتراض، معتبرة أن التعامل القمعي أحيانا  مع الحركة، يعود إلى تجاوز الشعارات للخطوط الحمراء، أو يدخل في نطاق التجاوب مع تظلمات التجار والسكان، غير أن الذين قُدِّموا كرافعين لتلك المطالب، حملوا لافتات تحدد موقفًا سلبيًا من طبيعة الشعارات المرفوعة، ومن طبيعة الحركات السياسية المشاركة في المظاهرات، وبذلك انكشفوا أمام الرأي العام. وأدى هذا المسلسل القمعي إلى بعض الجرحى والمعتقلين، وإلى سقوط المناضل كمال عماري شهيدا بآسفي.

إذا اعترض رجل طريقك ولم تر إلا قدميه فهذا لا يعني أنه بلا رأس، حكمة منسوبة إلى الآباش إحدى قبائل الهنود الحمر. هذه المقولة أستحضرها في الذكرى التاسعة لميلاد حركة 20 فبراير المغربية وأنا أقرأ للبعض يلح على عفوية حركة 20 فبراير مشيرين إلى أنها حركة بلا قيادة، بلا أحزاب، بلا زعماء، أو وليدة فراغ روحي وفكري، و ابنة شرعية للغاية الافتراضية فقط، وانتهاء بالحكم عليها بالفشل. وهو كلام يحتاج إلى تصحيح ولا يخلو من ظلم للحركة ولأجيال عديدة من المناضلين. أولا، هناك معارضون من شتى المشارب وعلى مختلف الجبهات كانوا يتوقعون حدوث حراك 20 فبراير ويعدون له العدة كل على طريقته. وإذا كانت احتجاجات حركة 20 فبراير قد فاجأت الجميع حقا في كل ما يتعلق بلحظة اندلاعها إلا أنها سرعان ما وجدت في صفوفها الآلاف من هؤلاء الذين قاموا بدورهم كاملا، لا فرق في ذلك بين عامل وعاطل عن العمل، بين رجل وامرأة، بين شاب وشيخ. كانت حراكا من نوع جديد لذلك كان من الطبيعي أن تكون ذات قيادة من نوع جديد. لا مكان فيها لاحتكار البطولة ولا مجال فيها للانفراد بالزعامة. وليس من شك في أن وعيا شعبيا بهذا التوهج ما كان ليحصل لو لم يساهم في بنائه أجيال من المناضلات والمناضلين السياسيين والنقابيين والحقوقيين والإعلاميين والمعلمين و الأساتذة والطلبة والتلاميذ والمعطلين. وثانيا، إن انسحاب حركة 20 فبراير من ميادين الاحتجاج لم يكن فشلا  و لا تراجعا و لا موتا إكلينيكيا كما يتوهم البعض، فتبعا للدينامية التي دشنتها الحركة في الشارع المغربي، فقد حققت منذ أول خروج لها، تراكما نوعيا وتنظيميا وميدانيا وجماهيريا وسياسيا، جعلت أصحاب القرار يصدرون بعض الإشارات الايجابية اتجاه الحركة التي استطاعت وفي ظرف وجيز حشد الآلاف من المواطنين، وتوحيد النضال الشعبي في كل مدن وقرى المغرب، وجمعت حساسيات سياسية إسلامية ويسارية ومستقلة، من أجل الديمقراطية والعيش الكريم، وانتزاع بعض المكتسبات الأساسية، رغم محاولات السلطة جرها إلى التصادم، كما أبانت على قدرة في تحريك الشارع المغربي، بالرغم من تأخير مواعيد التعديلات والإصلاحات، والرهان على التآكل الذاتي والتناقضات الإيديولوجية بين مكونات الحركة من أجل إحداث انشقاقات، لكن الحركة نجحت في تذويب هذه الخلافات رغم بعض الاستثناءات، كما أفلحت في إسقاط القدسية عن بعض الشخصيات والرموز والطابوهات، علاوة عن أنها حررت طبقات الشعب من الخوف، وجعلت من الاحتجاج والمطالبة بالحقوق سلوكا يوميا عاديا. ثم إن القول بفشل الحركة يظل نفسه في حاجة إلى تدقيق. فالعالم كله اليوم انطلاقا من فرنسا مرورا بروسيا والولايات المتحدة الأمريكية وصولا إلى جانب كبير من بلاد الشرق الأدنى والأقصى مدين لتلك الثورات والحركات “الفاشلة” بالكثير من معالم حداثته وتقدمه ومكتسباته الاجتماعية و السياسية. ومن هذه الناحية  قد لا يكون من المبالغة في شيء الزعم أن هذه الثورات أو الحركات نجحت على الرغم من فشلها، وأن كل ثورة أو حركة مهما فشلت في تحقيق كل أهدافها فهي ثورة أو حراك ناجح على حد ما تتركه من أثر لا يمحى.

 وبعد مضي تسع سنوات على هذا الحراك، لابد أن نشير، أن من حسنات حركة 20 فبراير بالمغرب، هو تحقيقها لفرز في الساحة، حيث فضحت الفترة الزمنية للحراك الاحتجاجي من اصْطَفّ إلى جانب الشعب وقضاياه، ومن اصطف في الجهة الأخرى، ذلك أن هؤلاء اليوم أصبحوا مكشوفين للعموم، في ظل حراك المنطقة العربية الذي لا يزال مفتوحا، ولم تخرج مآلاته التي انتهى إليها عن ثلاثة: بلدان استبقت الحراك بإصلاح امتد على سنوات وإن اختلفت وتيرته بين بلد وآخر، وبلدان انتهى فيها الحراك إلى صراع دموي عنيف وطائفي، وبلدان مكنتها قدراتها المالية الضخمة من شراء السلم الاجتماعي وتأجيل الانفجار إلى حين. ويقع المغرب، في القائمة الأولى، حيث مرت نسخة الحراك المغربي، بدون خسائر، لم تشتعل الحروب الطاحنة، لم يتشرذم البلد، ولم يحصل المحتجون على كل مطالبهم، لكنهم لم يخرجوا من الحراك بدون نتائج .

كاتب مغربي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here