عبد الكريم ساورة: شبح يكلم المرآة

عبد الكريم ساورة

شكلك غريب أيها الرجل، لا أعرف أين شاهدتك، ملامحك رغم قساوتها، تميل إلى زمن ما، أليس لكل زمان رجاله ؟ أتَذكُر لقد التقينا أكثر من مرة على ذلك الجسر بين مدينة ومدينة ، أعرف أنك لاتذكرني، رأيتك تتأمل، تنظر إلى الأعلى، كنت وحدك من يقوم بهذا التمرين الفلسفي،  هل أنت من الفلاسفة المعاصرين ؟  الناس كانوا يمرون من حولك وينظرون لك بغرابة، هل فعلا أنت إنسان غريب ؟ لايبدو ذلك على نظراتك المشتعلة، هل تعاني من شيء بعد هذا العمر؟ تبدو في هيئة مختلفة، أتعرف تذكروني بأبطال الإغريق القدامى، أرى أنك تشبه كثيرا البطل الأسطوري آخيل، لكن أين الكعب الشهير؟

لماذا لاتضحك معي قليلا، ألا تعرف بأن الضحك نور؟ ربما ديانتك تمنعك من ذلك، فالمسيح لم يضحك يوما كما يقول عنه الحواريون، إذن صافحني على الأقل، فالمصافحة مفتاح الحب والسلام، أراك تميل بوجهك عني، آه لقد أفسدتُ خلوتك بكلام الدعاة، لكن عليك أن تعرف أنني لست داعية، أنظر فأنا لا أحمل أي كتاب مقدس في يدي، وحتى لباسي لايشبه الرهبان، أنظر جيدا، أن مجرد إنسان، أقسم لك، أنني إنسان، أستطيع أن أتبث لك ذلك بكل يسر وأمان، أنظر هاهي بطاقة عليها إسمي العربي والعنوان، ماهذا ؟ لماذا تركز كثيرا على إسمي ؟ لاتقلق فلست أنا من اخترعته فقد ورثه عن أجداد أجدادي وحفظته كرها مع مرور الأيام.

انتظر، أريد أن أخبرك عن مدرستي الأولى، أتعرف لقد تم هدمها، وتم تحويلها إلى مطعم للأكلات السريعة، هل سمعت يوما ” بثقافة الأكل”، حتى الملعب المحلي تم تحويله إلى سوق كبير، بإسم تم نقله من مرجان البحر، لكن الفرق أن هذه البناية تشبه القرش  المتوحش فلا تشبع من الأكل. أما المسيد بالحي القديم، فقد تم هدمه مع منازل مجاورة وتم بناء بناية للأمن، وقد فهم أهل الحي بالإشارة أن  تحقيق استثبات الأمن، أسبق من العلم.

أرجوك لاتغادر الآن، انتظر، هناك سر لاتعرفه، وأريد أن أطلعك عليه، عذرا ليس سرا واحدا ولكن أسرار، انتبه لنفسك فقد تتيه هنا بين هذه الوديان،  فجأة مال بكل خفة دون استئذان، حاولت جاهدا أن ألحق به قبل أن يختفي، لكن الضباب كان كثيفا، فاختفى كأنه من الجان.

من يكون هذا الرجل، غريب الأطوار؟ أرى أنه يشبهني كثيرا، الفرق الوحيد بيننا أنه كان صموتا وينصت بإتقان، بينما أنا كنت أعاني ومحتاجا أن أكلم أحدا،  وحدها المرآة أستطيع أن أقف أمامها بجرأة كما أفعل اليوم و تتحمل كرها أن تنصت وهي تسخر من هذه المناجاة، لاتقلق فأنت مجرد شبح يكلم المرآة.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here