عبد الكريم ساورة: ذاك الوحش الذي يسكننا

عبد الكريم ساورة

كانت نظراته قاسية نحوي، هكذا كنت أعتقد، كان كل ما مر بالقرب مني، أشعر بالاختناق، أكثر وزيادة، ربما بالتقيؤ، إنسان لانطيقه جلنا بالمرة أبناء الحي ، لم نعتبره يوما أنه فعلا إنسان، كنت أراه خنزيرا يمشي برجلين طويلتين، ، فعلا هو طويل القامة، لايبتسم بالمرة، تشعر للوهلة الأولى عندما تلتقي عَيْنَيْكَ بعيننه، أنه يريد أن ينال منك، تشعر أنه يحتقرك دون أن ينطق بذلك، بصراحة له أسلوب ساحر في خلخلتك، في جعلك تشعر أنك تتهاوى إلى مكان سحيق، لم يُقْبِلْ على شيء في هذه الحياة إلا وكان متفوقا، بل الحقيقة متميزا، اللعنة هاهو يمر من أمامي، شعره غير ممشوط، تابث في خطواته، يحمل بين يديه أكثر من كتاب بالفرنسية، لباسه أنيق، كلاسيكي في كل شيء، لا يشعر بالمرة أنك قريب منه، وكم كنت أرغب في الاقتراب منه، لا أخفيكم أشعر بصراع داخلي، هناك شيء ما يحرضني على النيل منه، على تكسير جمجمة رأسه، هل هو الحسد ؟ لا أظن ذلك، هل الإحساس بالدونية اتجاهه ؟ ربما ، ولكنني لست مسؤولا عن هذا الإحساس، فهو من أوصلني إليه بطريقته البدائية.، إنني أكرهه من أعماق الأعماق، حاجز كبير يفصل بيني وبينه، كأنه من كوكب آخر….

في إحدى المساءات، وأنا جالس القرفصاء أتصفح الكتب القديمة لصديق لي يبيع الكتب على الرصيف، شعرت بشيء يقف خلفي، كأنه جدار يفصلني عن العالم، لم يترك لي فرصة للألتفات خلفي، خنقني بظله، أحسست ساعتها أن عدوا يتربص بي، رائحة الإعدام أشتمها تراودني، حاولت التخلص من ثقله فلم أفلح في تحقيق ذلك. شعرت بيد كبيرة توضع فوق رأسي، وصوت موسيقي يقول لي : رأسك صغير جدا، لكن قلقك كبير جدا أيها الكاتب المشاغب….

نزل الصوت على رأسي كمطر خفيف، حاولت أن التفت لأتعرف عن صاحب هذا الصوت العطر، فعرف أنني أجد صعوبة في تحقيق ذلك، فقال لي : لا تنزعج فأنا شخص مغرم مثلك بالكتب القديمة، وربما إننا نحن الاثنين على ملة واحدة، اقترب مني عن يساري وقال لي : تعجبني طريقتك في الكتابة رغم أنك لازلت في بداية الطريق، إنني أتابع جل مقالتك بنهم، وتعجبني مواصلتك في البحث عن الإنسان بداخلك، لاتقلق أضاف، ستعثر على ذلك الصفاء يوما ما عندما تتخلى عن أنانيتك، لاتنسى يوما أن الكتابة رسالة والقلم أمانة.

شعرت بغبطة لا متناهية، لكنني أحسست بالخوف عندما رأيت وجه الرجل، إنه نفس الوجه الذي لاأطيق رأيته . فقال لي : اسمي زياد، فرددت عليه بسرعة وتلقائية : إسمك يحيل على فترة مشرقة من تاريخنا المغربي، وأضفت هل تتذكر شيئا من هذا التاريخ ؟ فقال وهو يبتسم : لم أكن أعرف أنك رجل تاريخ كذلك ؟ كنت أعتقد أنك فقط صانع للحروف الجميلة، فأجبته أن الصانع الذي لايتقن حرفة التاريخ لايمكنه أن يكون يوما صانعا للكلمات الجميلة، وأردفت بثقة قائلا : علينا أن نقرأ أولا تاريخ الكلمات قبل تاريخ الشعوب.

اقترب الرجل من بائع الكتب وقال له كمن يريد أن يشتكي له : إن صديقك اجتمعت فيه خصلتان لاتجتمعان، فرد عليه البائع وماذا اجتمع فيه وأنا لاأعرف ؟ فرد الرجل وكأنه يريد التخلص من دين على كاهله : الحب والكراهية، حرك البائع رأسه وقام بإشارة بوجهه تعبيرا منه على عدم إدراك مغزاه، وقال له : الحب والكراهية تُخْلَقُ مع الإنسان، ويكبُران معه، ويتصارعان داخله، والفائز في هذه الحياة هو من يعتبر الكره ميزة الضعفاء، والحب ميزة الكرماء، وأصدقك القول أيها الأخ : فصديقي ما وجدته يوما إلا كريما معي في شرائه للكتب وعلاقته الجيدة معها.

اقترب مني زياد وقال لي مباشرة : أعرف أنك تكرهني، وأنا أعرف جيدا أنكم لاتعرفون جميعا سبب كرهكم لي، وأنكم لو سنحت لكم الفرصة لقمتم بتصفيتي وتقطيعي قطعا قطعا، ورميتم بي في أقرب قمامة لكم، وأضاف وبكثير من الهدوء : فأنا لا ألومكم وألتمس لكم ألف عذر ، فالعرب قديما كانوا يقولون : ” الشيء إذا جهلته عاديته “، وأنا أعرف جيدا أنني عدوا لكم ولكنني متيقن أنكم لستم أعداء لي .

اقترب مني زياد أكثر وقال لي : أنا لست بالقبح الذي تعتقد، ألإنني شخص لا أتكلم كثيرا ولا أصافح أحدا، ولا أبتسم في وجه أحد، اعتبرتموني وحشا، صدقني الوحش الحقيقي يسكن قلوب وعقول من حولي، القبح يسيطر على من يريدني أن أكون نسخة منه، لكم عالمكم ولي عالمي، لكم قصتكم في الحياة ولي قصتي.

نظر إليه وبحب كبير وقال لي : أيها المبدع الجميل، أنا لم أكرهك يوما كما كرهتني، أنا لم أنظر يوما لأحد، نظرة احتقار، أنا إنسان بسيط، مسالم، أحب كل الناس، أنا مشكلتي أنني لا ألعب في ملاعبكم الضيقة، ولا أشرب من مياهكم الملوثة، أنا من يكتب قصيدة الحب ويهديها لكم جميعا في صمت وخشوع عندما يسقط الليل، أعرف جيدا أنني لست نبيا، ولم أفكر  يوما أن أكون نبيا، ولكنني أرفض أن  أكون شبيها لكم.

تناول كتابين بالفرنسية، كان الأول في التاريخ، والآخر في علم النفس، وضع ثمن الكتب بمقربة مني وغادر دون أن يلتفت…

بدأ بائع الكتب يحرك رأسه، وينظر إلي نظرة كلها عتاب، شعرت معه كأنه قاض في محكمة وأن كل هذه العناوين من الكتب عبارة عن شهود ضدي، فهمت أنني أنا المتهم وليس زياد، علمت حينها أنني أنا المجتمع الظالم، الذي لايؤمن سوى بالمظاهر،  المجتمع الذي لايؤمن سوى بالضجيج ويصفق له بحرارة، مجتمع الذباب، أينما كانت القذارة يجتمع حولها، مجتمع لايعرف سوى إسقاط قبحه الفج وتتبع عورة الآخرين.

تفحصت الكتب جيدا، وأنا أشعر بالمرارة تأكل من لحمي، فلاحت عيناي صوب كتاب “علم الأخلاق ”  لأرسطو،  قمت بتسديد ثمنه ورجعت مسرعا إلى البيت وعبارة زياد تتردد  على مسامعي : ” أنا لست بالقبح الذي تعتقده ياأخي ….أنا لست بالقبح الذي……….

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here