عبد الكريم ساورة: ثمن الاستقرار بالمغرب

عبد الكريم ساورة

“سيد الاستقرار”، هو اللقب الجديد الذي أحرزه  المغرب بعد عواصف الربيع العربي، ولا أحد يستطيع أن ينافسه أو ينازعه من دول العالم الثالث على هذا اللقب التاريخي. ماهو السر الذي كان وراء هذه النعمة التي لاتقدر بثمن ؟

الكثير من المحللين والمتتبعين للشأن السياسي بالمغرب، يحاولون إرجاع نعمة هذا الاستقرار إلى العقل الأمني الذي لا ينام ، ولا يستقر له جفن إلا بعد أن ينام كل المغاربة، متناسين أو متجاهلين أن المغاربة شعب مسالم بالفطرة لا يخل بالتعاقدات التي التزم بها ولا يخون جلال البيعة التي تربى عليها.

عندما خرجت جماهير الشعب المغربي في عشرين فبراير،لم تستطع آلة المخزن الصدئة أن توقف من زحفها، بل كان خروجها الهادئ رسالة تذكير للجالس على العرش، أن المغاربة شعب حضاري، لا يقتات من القلاقل والانقلابات المخدومة في الظلام، وأنه صريح وواضح في مطلبه للكرامة والحرية، أما زمن الكوميرة وضحاياه فقد رحل مع شرطي الداخلية الأول إدريس البصري .

وعملية استرجاع صغيرة، للمحطات الاحتجاجية بالمغرب، سنوات 1981- 1984 – 1990  والتي كانت نتيجة أزمة بنيوية، وصراع سياسي مرير، وتدهور اجتماعي صارخ، تبرز بوضوح أن وجاهة العامل السوسيو اقتصادي كان بمثابة المدفعية التي أججت الغليان الشعبي وأنزلته إلى شوارع المملكة. وماميز هذه الفترة هو رد الفعل العقل الأمني الذي اتسم بالقسوة والعنف غير المشروع اتجاه المحتجين واتهامهم بالخيانة العظمى وهذه أكبر خطيئة مازالت ترتكبها الدولة في معالجتها للسلوك الاحتجاجي ولمفهوم الاستقرار بالمغرب.

والاستقرار هو مفهوم مركب، يتقاطع في بنائه عدة أطراف، الدولة والشعب، والتاريخ المشترك، ويعتمد على التعاقد الصريح بين الطرفين في عملية البناء، وأهم بنوده الكرامة والحرية.

وعندما يحاول منظري الدولة البوليسية اعتماد المقاربة الأمنية في تحقيق الاستقرار، فهذا التوجه يحاول صناعة الرعب والخوف،وهو ما يفتح واحات التطرف والتشدد، وينتج عنه  تراجع للحس الوطني وتفشي اليأس والعدمية، وانتشار منطق الاجتهاد الأحادي الجانب الذي يزكي سلطة الفردانية والمنفعة الخاصة، واندثار المصلحة العامة التي تعتبر شعار الدول الديمقراطية.وفتح باب العدوانية والبحث عن البديل ولو كان شيطانا وأكثر دموية، وهو ما حصل بنزوح ما يزيد عن ألفي مغربي إلى الضفة الأخرى حيت يوجد الخلاص والذي تقوده حركة داعش.

 وهنا تتبدد كل محاولات بناء المجتمع  المفتوح الديمقراطي والمؤهل للتجاذبات وتبادل الأفكار، والحاضن لكل الهويات والمستعد لكل الطوارئ والمفاجآت.

والغريب أن هناك من الأحزاب هي الأخرى، من يتاجر ببركة الاستقرار دون حياء، حتى أن زعماءها، أبدعوا فيها من القصائد والمستملحات، وحولوها إلى إنجاز تاريخي قاموا بتحقيقه، حتى بات يطالبون بدون حياء بترسيمه في الدستور يحتفل به المغاربة كل سنة.

و إحداث المجلس الأعلى للأمن، كان مطلبا ملحا وإنزاله إلى أرض الواقع كان صائبا والأعمال الإستباقية التي تقوم بها الأجهزة الأمنية لمواجهة الإرهاب هو ترجمة حقيقية ليقظة الدولة وإحساسها بالأخطار التي تهدد الجميع، كل هذه الترتيبات هي من صميم مشروع الدولة الأمني وقد وجدت استحسانا وترحيبا قويين من طرف كل أطياف المجتمع، ولكن هذا ليس كافيا في تنشيط الدورة الدموية لهذا المجتمع الذي يعيش أقصى أنواع الفقر والتهميش والكذب السياسي، لذلك فإن قضية الأمن التي يتحدث عنها الجميع لتعطي مفعولها القوي تحتاج إلى سحر الديمقراطية والإنصات إلى مطالب الشعب المشروعة وبدونهما لن نضمن طعم الاستقرار واستمراره طويلا أمام زحف الخلايا النائمة، وتوسع الاحتجاجات في المدن المغربية.

واليوم،  كما يعلم الجميع، هناك إفلاس حقيقي للنموذج الاقتصادي كما أكد على ذلك جلالة الملك، كما يعرف المغرب أكبر مديونية في تاريخه، وهذا ما سجلته جل التقارير الدولية الأخيرة، من النسبة الكبيرة للعاطلين عن العمل،  التراجع الحقوقي الخطير، الإرتفاع المهول في الأسعار، التراجع في الاستثمارات، إعدام الطبقة الوسطى، التاوت الطبقي الصارخ، اتساع منظومة الريع، الزيادة  الخيالية في أجور رجال الدولة ، الإرتفاع المفرط في النفقات العسكرية، الإزدياد المريب في عدد الفقراء وآلامهم، وأشياء أخرى …  هو الثمن القاسي الذي يؤديه الشعب المغربي لوحده كل يوم، من أجل أن يكون الوطن عظيما وينعم بالاستقرار.

كاتب وباحث مغربي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here