عبد الكريم ساورة: المعطف والجنرال

عبد الكريم ساورة

أعدت قراءة قصة ” المعطف ” للكاتب والقاص نيكولاي غوغول أكثر من مرة، لكن هذه المرة حركت فيا أشياء كثيرة، ربما صادفت هذه القراءة الأخيرة الاحتقان الاجتماعي الذي يعيشه المغرب حاليا، وقد تكون دكتاتورية المال التي تريد أن تلتهم السياسة بصفة نهائية، وقد يكون اعتقال الصحافيين المغاربة وتقديمهم للمحاكمة بدعوى إثارة القلق و خدشهم للحياء العمومي، وربما صادف الأمر قتل الصحافي السعودي خاشقجي بدم بارد من طرف قتلة لايفرقون بين القلم والسيف، بين الكلمة الحرة والقداسة للدولار، وربما بسبب جنون العظمة التي أصابت بعض الحكام في العديد من الأقطار.

في هذه القراءة الأخيرة أجد تشابها كبيرا على مستوى التدبير البيروقراطي بين تلك الفترة 1836 والتي كان يحكم فيها القيصر الديكتاتور ألكسندر الأول بكل أنواع التسلط ، ولا يخفى على أحد أن الحاشية التي تكون قريبة من الديكتاتور لا شك أنها ستكون تشبهه وتقلده في طريقة الحكم، وبين ماتعيشه الأقطار العربية، وهو مابرع فيه الكاتب في نقله في قصته الرائعة ” المعطف ” في شخصية الجنرال الذي يعاني انفصاما خطيرا في شخصيته ولايعرف كيف يدبر إدارته الموبوءة بكل أنواع الفراغات، وقد كان الكاتب بارعا في تصوير شخصية وروح الجنرال الفارغة من كل حس إنساني .

الجنرال مريض، بمرض البعد والتعالي عن الشعب، وقد ترجم ذلك في تعامله مع المسكين ، الموظف، ابن الشعب أكاكي أكاكييفتش عندما جاء يطلب منه طلبا بسيطا لكنه صده بقوة وطرده  شر طردة كأنه كلب مجروب، وهو مانعيشه في هذه المرحلة الدقيقة بكل خيباتها المريرة حيث نجد بعد بعض المسؤولين كل البعد عن الإنصات لهموم الشعب ومطالبهم المشروعة، وهانحن نجد العديد من المدن المغربية تخرج في الصباح تطلب النجدة من شبح البطالة وضعف الخدمات وتهاون المسؤولين في إيجاد حلول حقيقية لمشاكلهم، فيتم مقابلة طلباتهم باعتقالهم وتقديمهم للمحاكمة بدعوى المس بأمن واستقرار البلاد، والغريب في الأمر أن الأحكام تكون سريعة، لكن لماذا لا تكون الحلول لمشاكل هؤلاء المحتجين هي الأخرى بنفس السرعة ؟

الجميل والرائع في قصة ” المعطف ” هو كيف برع الكاتب في نقل تاريخ البيروقراطية الإدارية المتعفنة من خلال اللباس، من خلال ” معطف” لموظف مسكين، قصيرة القامة، تعبيرا عن صغر حجمه، تجاعيد تعتلي خديه، بقع الصلع تعتري مقدمة رأسه، إنها صور تعطي لوحة حقيقية لشعب يعاني من كل شيء، فالوجه إحالة على وجه شعب يدبل يوما بعد يوم بسبب التهميش الممنهج الذي تنهجه السلطات الإدارية في تعاملاتها اليومية، وأخطر من ذلك وهو اللامبالاة التي تصر هذه السلطات المجنونة على الاشتغال بها كمنهجية لعقاب الشعب المغلوب عن أمره، أما الصلع المبكر فهو إعلان صريح عن شيخوخة شعب بسبب الهم والفقر وقلة اليد والإحساس بالقهر.

من منا  سواء كان مفكرا أو باحثا أو صحافيا أو إنسانا عاديا قد ينكر هذه الأوصاف عن شعبنا في هذه الفترات الحرجة، ربما السياسيين المغاربة ” البارعين ” في صناعة الكذب وحدهم من يقدرون على رؤية المغاربة في وضعية أحسن وأجمل من هذه الوضعية، لأنهم يعتبرون الفئة الأكثر إيمانا بالتفاؤل وصناعة الأمل والحد من التيئيس وتلميع كل مشتقات المستقبل، وهذا هو مكر السياسة والسياسيين المنحلين أخلاقيا طيلة تاريخ السياسة.

لقد شكلت قصة ” المعطف” وهي قصة حقيقة كما جاء على لسان الكاتب كنوع من المحاكمة للديكتاتورية، للإدارة الفاسدة والتي نقلها الكاتب بأمانة كبيرة في مؤسسة الشرطة، المُهْمِلًةً، التي لاتقوم بوظيفتها وهي أمن وسلامة المواطنين، بالإضافة إلى رفض الإنصات إلى شكاويهم والتفاعل معهم بنوع من المسؤولية والمواطنة، وهو ماعاشه  الموظف المسكين أكاكي عندما تعرض للسرقة بالقرب من مركز الشرطة، فعوض أن تنتصر له وتبحث عن المجرمين بدؤوا في لومه وتقريعه ومعاتبته على خروجه ليلا، إنه الاستهتار في أعلى تجلياته بجوهر المسؤولية وقداسة الوظيفة الأمنية الملقاة على عاتقهم.

هل كان ضروريا أن يموت الموظف أكاكي بسبب سرقة معطفه في نهاية القصة كما تمت الإشارة إلى ذلك من طرف العديد من النقاد ؟ نعم كان من الضروري، أن يموت هذا الرجل الصغير في الحجم وفي الوظيفة، لأن المعطف كان بالنسبة له حلما، والكل يعرف كيف ضحى من سهره وصومه عن الأكل واشتغاله ليل نهار من أجل أن    يشتري هذا المعطف، الذي سوف يحميه من قسوة البرد القاتل في مدينة مثل ” سانت بطر سبورغ “، إن البحث عن الدفئ من خلال ” المعطف ” هو إحالة واضحة على الأمان، أو بصيغة أخرى على البقاء، على الاستمرار في العيش، إن ” المعطف ” كان يشكل بالنسبه له ولكل الشعب الروسي التشبت بالحياة، ولهذا فعندما سرق منه في ليلة ليلاء، وتخلت عن حمايته الإدارة المسؤولة وطرده الجنرال المريض من مكتبه، شعر بأن كل هذه المؤسسات تتخلى عنه، وهو ماجعله فريسة للبرد القارس الذي سوف يسكن عظامه ويسرع بوفاته.

كان منطقيا أن يموت أكاكي، بسبب تخلي الدولة عنه، عندما رفضت دعمه وتقديم الدعم والمساعدة الضرورين له، وكان هذا من حقه، وهو كان يعرف هذا ولكن البيروقراطية والهرمية الإدارية المتصلبة وقفت حائلا دون تحقيق رغبته، لهذا عندما سمع خبر وفاته، انتفض الجميع على هذه الإدارة المريضة وكانت بداية لرفع شعار الإصلاح في كل هياكل الدولة، وهو ما تحقق بعد سنوات طويلة من النضال وأصبح يتداول على نطاق واسع عبارة ” روسيا العظيمة ” ، فهل سنستفيق يوما على سماع نفس العبارة بصيغة ” المغرب العظيم ” ؟

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here