عبد العاطي جميل: جمرة الشعر والإقامة الإجبارية في الحلم.. تأملات في ” تعبت ولدي رغبة في الهدوء ” للشاعر علاء كعيد حسب

 

عبد العاطي جميل

 

على سبيل التركيزوالاختصار:

ــ الديوان في شعريته يذهب أبعد قليلا في رصد متغيرات الذات الشاعرة الحارقة ، الموزعة بين زمنين موحيين ، تتألق فيهما شهوة الألم ولذة الأمل . عبر مخاطبات ومحاورات وتداعيات بلغة منسابة و مخاتلة. تضمر وتوحي وتشير.. فالزمن الأول زمن ينضح برحيق الطفولة الهاربة . أما الثاني فيستطيب حريق ما هو آني ومعيش .. لذا تحضر الذات الشعرية بالقوة حينا و بالفعل حين آخر، وبالقوة وبالفعل أحيانا . في مكانين وهميين وملهمين ( العراق / مراكش ) توحدهما طلائع النخيل . وتترجمهما الذات اللافحة من خلال التفاصيل النفسية والرؤيوية الحالمة والمتصدعة في نفس الآن.. هكذا تتوهج جمرات الشعر، وتتوقد في الديوان لتكشف عن نفس شعري مفارق بصور استعارية غير مألوفة لا نحيا بها . تسم الديوان ببصمة الشاعر علاء كعيد حسب . فتحقق لدى المتلقي الهز واللذة والألق…

حاضرا

في هوامش الماء

لم تغب يوما

غيرت شكلك

صرت لونا

تلاشى في الهواء

والمياه

( 29)و الأحجار. ص

 

طريق الخلاص الشعري:

.. ولعل النواة الدلالية المهيمنة بل المتحكمة في تشكل الديوان وتخلقه هي البحث عن بديل افتراضي ومحتمل لطبيعة الزمن القاسي والمكان القاصي ( …) والإنسان المقصي ( …) من الحق في الفرح والحب والهوية .. لذلك تتجلى الذات الشاعرة في الديوان طالبة و راغبة في سماع أنين السماء و إدراك العشق الصوفي و الوجود بحلم صبية و تذوق أنفاس غزالة . بحثا عن أفق إنساني يقاوم الغربة والهجران .. كما يذهب إلى ذلك قول الشاعر /الناقد المغربي محمد بنيس : ” على الشعر أن يقاوم الهجران، في زمن عولمة يترك الشعر وحيدا في خرائب المنفى. والمقاومة بالفكرة الجديدة،هي الذهاب نحو الزمن ضد الزمن، من أجل أن نبقى قريبين من الأساسي في الشعر” 

“عن الحق في الشعر” ص (7) 

لكن الذات الهائمة السابحة تخطئ طريقها إلى جناتها الموعودة والمأمولة والموهومة . وهي تمشي على مهل لتعود بخفي حنين تقول جحيمها المعيش: 

فالطريق 

لا تتبع خطاك لحظة اختراقك المعنى

لتسل خيط الصواب

( 20)من ثوب الخطأ. ص

 .. هكذا تعلن الذات الكبوة والعجز عن اختراق المعنى، مادامت مصرة على سل خيط الصواب من ثوب الخطأ .. فلا حيلة تجدي، فتتخلى عن الطريق المسدود إلا للعذابات والضياع والتيه. وإن على مهل وترو سعت إلى طريق خلاصها المأمول .. فتاريخ الأسلاف حافل و مخضب بالدماء ، تاريخ حرب وغصب مستمرين ، لذلك فعنوان الأسلاف البارز هو الخطيئة بكل بلاغتها وأسطورتها..

على مهل أمشي

طريقي كأسلافي خطيئة

و خطاي من نار … ص (14)

 

تقمص الذات أدوار الكائنات والأشياء:

.. وكما الماء يكون التحول سمة الذات الحاضرة في الهوامش حيث مصدر البقاء والوجود .. تخرج من الذات من ذواتها المتعددة لتتلاشى في الهواء والأحجار، تغير ملامحها كما الفصول المتعاقبة على ويلاتها .. وهي تبحث عن أفق أخضر للاستقرار كي تحقق كينونتها المؤجلة وهويتها المفتقدة ولذلك تتقمص الذات ملامح الأشياء ،وتلبس لبوسها وتستعير عناوينها المتحولة دوما والمنفلتة كما عاصفة رملية… 

غيرت شكلك

صرت لونا

تلاشى في الهواء

والمياه

والأحجار … ص (29)

فكيف لا تتحقق النبرات الحزينة الخارجة من قرارة الذات ؟ .. فالشاعر يغنيها “مونولوغا” ومخاطبات في صورة طائر حزين، سابح في سماه الممتدة حد الأفق الغامض نحو عش غريب أو أبعد قليلا.. 

ففي مقام الحيرة والتردد تتغيا الذات الإقامة في السفر بين قبرين أو العودة إلى أول طقوس الولادة حيث العش الأول . وإن لم تقتنع الحواس والتخمينات بعد بحوارية العودة أو تقنع بالوجهة الاستشرافية نحو العش الغريب المجهول . ربما تنفعه الذكرى .. وربما بإمكانه اختصار الوجود وعمر الزهر في قبلة تنتصر للذاكرة الهاربة ، والباحثة عن عش أصيل في أقصى المدى… 

أيها الطائر السابح

في المدى ،

هل تذكر عشك الأول يا ترى ؟

أم لا تذكر إلا وجهتك ؟

أو أبعد قليلا

نحو عش غريب … ص (24)

 

من انكسارات الطير:

 وتظل صورة الطائر الجواب في المنجز الشعري جلية ، تعبيرا عن قلق وجودي، يطبعه التساؤل عن وجهة المصير . حين يمسح الفضاءات بريشه المقصوص، بحثا عن مأوى يغنيه ويغنيه عن ضياع السؤال في فضاء خيالي وطبيعي وأسطوري ( الغيمة ، الشجرة ، العاصفة ، الطائر، الوردة ، السنابل ، الزيتون ، النمل ، الفراشة ، الصحراء ،النحل ، قوس قزح ، الذئب ، البحر ، الظل ، الماء ، القمر ، الضباب ، العاصفة ، الوادي ، البعوضة…) 

أسافر فيك 

إلي ،

فتمسح الفضاء بريشك

تاركا عيون الناظرين تحملك … ص (24) 

ويضيف الشاعر من خلال تفجعه وندائه الصورة الشعرية التي يسكنها حزن الوجود الباذخ وسكر الشرود الروحي لطائر في خضم الانكسار تحمله عيون النظار، وهو يحلق قريبا من بعد وبعيدا عن قرب في آفاق مجهولة بحثا عن شجرة نسب أخرى ، تشفيه من لوعة التنقيب ولذة المغامرة… 

أيها الطائر المنطلق

كالصوت والحياة

النبرة الحزينة بالأغنية

لك

و ليست للمغنية

لذا

لن أسألك … ص (26)

ويتجلى أيضا هذا الانكسار في بداية الديوان حيث تعلن الذات الشاعرة رغبتها الأكيدة في طلب الهدوء والاسترخاء لا الهدنة والاستسلام . يقول الشاعر: 

تعبت

و لدي رغبة في الهدوء

في قليل من الاسترخاء … ص (16) 

 

اشتغال الذاكرة واشتعالها

 و هو يتقدم إلى الزمن الماضي ، يحن الشاعر إلى استرجاع الزمن الضائع عبر استعادة الطفولة في أبهى تجلياتها .. من خلال تداعيات منفلتة من الذاكرة المتشظية حيث التأشير على الأخوة والأبوة والأمومة .. يقول الشاعر:

( …)

… هل تذكر عشك الأول ؟

أم لا تذكر إلا وجهتك ؟ … ص (24) 

)…)(…)

 

جمرات الشعر:

لغة الديوان الشعرية تكتسب قوتها وجماليتها في قدرتها على التنوع والغنى، معجما وتركيبا وصوتا ودلالة . وهي لغة شعرية تتمظهر فعاليتها في كونها : تسرد ، تسأل ، تتساءل ، تتأمل ، تحتج ، تعاتب ، تشكو ، تعشق / تحلم … وهذه الأفعال الكلامية تستدعي تنوع الأساليب النحوية والبلاغية خاصة.. والجمل والأساليب في الديوان تخرج عن معناها التقريري المباشر إلى المعاني المجازية . ويستتبع ذلك حضور المحسنات البلاغية البيانية التي تقوم على علاقة المشابهة ، كالتشبيه بأنواعه والاستعارة بأنواعها . وعلاقة المجاورة التي تقوم على المجاز العقلي والمجاز المرسل وكذا الكناية..

ووحده الوقوف عند نماذج للصور الشعرية وتأملها في الكشف عن فعالية التصوير الجمالي في توظيف لغة انتقائية موحية ومعبرة تتضافر مستوياتها الصوتية والتركيبية والمعجمية والدلالية لشحنها بالطاقة اللازمة ، لإضفاء مسحة شعرية خاصة على العبارة والصورة ومن ثمة على القصيدة ، فالديوان باعتباره وحدة بنائية جمالية معبرة عن رؤيا غير متصالحة مع الذات والآخر .. ومن الأمثلة الدالة نذكر على سبيل الاستئناس الانزياحات التالية:

أ ـ التشبيه / الاستعارة ( علاقة المشابهة ): 

تتنوع التشبيهات الموظفة في الديوان ، ويختلف حضورها من قصيدة إلى أخرى نذكر منها: 

طريقي كأسلافي / أسمع أنين السماء كما يسمع القديسون / أنت برجه السفلي / فعش كزهرة الجيران / … كحلم ماض إلى حتفه / يتشظى كشمس مارس على توبقال / كأن مقابر النمل تضاعفت في صدري / أنت كالحب يسمو على شموع الغواية / كأن روحك من نسج الأفق / كأنك نهاية الفضيلة / تأتيه كعاصفة رملية / أيها الطائر المنطلق كالصوت والحياة (…)

كما تتنوع الاستعارات في الديوان ومنها: 

/ عرش رصاصة / ريح خجولة / جمرة في القلب / جمرة على اللسان / خطاي من نار / خطوات الورد / تلملم الأبجدية النشيد / عناوين يحملها الذئب / غواية الزهر / يرقد فيه الزجاج / تتنفس الندم / للهواء رائحة الموت / … الشموع أطفأت صراخك / وحي زيتونة / حياء الضوء / هوامش الماء / وسام الشمس / ليس للغيم خيمة / ظل أخف من قبلة ماجنة / خطيئة النحل / ارم أجمل عباراتك في بالوعة / تصالح البوصلة الشرق / ترمي الحرية تنورتها / اعتراف قمر بحب / تبتسم لخيمة تسترق السمع / ركبت الريح / كلمت الملائكة / خيط الصواب / ثوب الخطأ (…) 

 

ب ـ المجاز العقلي والمرسل / الكناية ( علاقة المجاورة ): 

أنين السماء / عرش رصاصة / ريح دجنبر الخجولة / الضفة الأخرى للحلم / جمرة في القلب / جمرة على اللسان / خطاي من نار / ليس للصحراء نهد / مخادع يرقد فيه الزجاج / حديقة الروح /الضوء / وسام الشمس / ليس للغيم خيمة / ارم أجمل عباراتك في بالوعة / تصالح البوصلة الشرق / احتراف الربيع خيانة ياسمينة / حب طور التكوين / تبتسم لخيمة تسترق السمع / ركبت الريح / كلمت الملائكة / أحمل قافيتي بعيدا (…)  

إن العلاقة الإسنادية بين المسند والمسند إليه أي بين الخبر والمبتدأ أو بين الفعل وفاعله أو بين (…) في هذه النماذج الشعرية هي علاقات إيحائية جديدة ، غير منطقية وغير مباشرة . فالدلالات التي تؤشر عليها هذه الصور الشعرية تظل مفتوحة على تعدد أفق قراءتها ، حسب طبيعة المتلقي ذاته . ولذلك تحتاج إلى قراءات تأويلية ، ومقاربات لغوية بلاغية ودلالية واجتماعية ونفسية أيضا .. تستكنه الدلالات الموحية التي تتوارى بين الأسطر الشعرية على امتداد القصيدة ، إن لم نقل على طول امتداد الديوان جله أو كله… 

و المتأمل للصور الشعرية في الديوان يلاحظ هيمنة الحضور الطبيعي من خلال المعجم الشعري الدال على الطبيعة بمفرداتها ك : ( الغيمة ، الشجرة ، العاصفة ، الطائر، الوردة ، السنابل ، الياسمين ، الأحجار ، التفاحة ، الحمام ، التراب ، السماء ، الشطآن ، الريح ، العصفورة ، الشمس ، النار ، الزيتون ، النمل ، الفراشة ، الصحراء ،النحل ، الهواء ، قوس قزح ، الذئب ، البحر ، الظل ، الماء ، القمر ، الضباب ، العاصفة ، الوادي ، البعوضة ، …) :. ومن خلال التركيب الذي يقيم علاقات بين هذه العناصر الطبيعية وبين ماهو ثقافي ونفسي وتاريخي ( …) ..كما أن للمحاكاة دون شك دورا في تشكيل وتشكل هذه الصور الشعرية الإيحائية المؤنسنة ذات المسحة الخيالية واللمسة الرومانسية الحالمة التي تجنح في رجائها وتمنيها إلى نشذان التوحد في الطبيعة والاندغام فيها: 

لو أجدني بحلم صبية

تمسح الندى عن وردة ناعمة ،

لو أتذوق رائحة البراري

في أنفاس غزالة ،

و أدرك عشق صوفي في شعر ،

لو أسمع أنين السماء كما يسمعه القديسون ،

سأكون للموت سرا

و أجمل قصاصة … ص (16) 

من وظائف اللغة: 

اللغة في الديوان هي لغة مجازية بامتياز، مما يجعلها تحقق وظائف عدة أهمها الوظيفة الشعرية حيث الانزياحات الصوتية والمعجمية والتركيبية . و الوظيفة التعبيرية حيث تبئير الخطاب الشعري وتذويته.

أ ـ أما الوظيفة الشعرية فتتحقق في العبارات المجازية المشار إليها سابقا والمتمثلة في توظيف المحسنات البلاغية البيانية التي سقنا منها أمثلة دالة من تشبيهات واستعارات ومجازات عقلية ومرسلة وكذا من كنايات.. 

ب ـ أما الوظيفة التعبيرية في اللغة فتتحقق حين تتمركز اللغة حول الذات الشاعرة ، فيتم توظيف ضمائر المتكلم في صيغتيها الفردية والجماعية كما في الأمثلة التالية: 

رسمت في الهواء تفاحة ـ أحمل قافيتي بعيدا ـ أتذوق رائحة البراري ـ أهدابي معلقة بعرش رصاصة ـ طريقي كأسلافي خطيئة ـ خطاي من نار ـ مصيري على جناح بعوضة…  

من هنا يتحقق تذويت اللغة الشعرية التي تضفي على القول الشعري صوته المائز والمتفرد ، كلما تحاشى الشاعر العبارات المتداولة والمسكوكات اللغوية المستهلكة . والشاعر يعي من أين تؤكل القصيدة . فيتجه صوب المناطق المغيبة والمنسية والمهملة ، يعيد تشكيلها وفق مزاجه ومجازاته دون أن تحدث قطعية تواصلية مع المتلقي في غموضها وغرابتها … فتظل لغته الشعرية موحية ومحيلة و مفتوحة على تعدد القراءات…

 

على سبيل الختم:

هكذا استطاع الشاعر علاء بعد لأي ومكابدة أن يقترح علينا هذا الديوان الشعري ” تعبت و لدي رغبة في الهدوء ” كبوابة للدخول إلى عوالم شعرية منفعلة ومتفاعلة مع الوجود بصلابته ورخاوته .. و كعتبة تمتح شعريتها من بعدها الرؤيوي الذي لا يستكين ولا يطمئن لما هو ثابت وكائن .. معتمدا لغة حائرة تجانب اليقين وتعانق الاحتمال كي تتجاوز الزمان والمكان المقيدين للذات في كينونتها المنسابة ، وانطلاقها نحو ما هو حيوي وإنساني ومستقبلي ، بحثا عن حلم منفلت في زمن ضائع … فكيف لا ترغب الذات الشاعرة في الهدوء بعد هذا التعب السيزيفي الجميل ؟؟…

شاعر وناقد/ المغرب

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. قراءة متميزة غاصت بنا، بلغة جميلة و أسلوب راقِ، في عوالم الشاعر و ديوانه

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here