عبد السلام بنعيسي: الاحتفال برأس السنة الأمازيغية بين القبول جزائريا والرفض مغربيا

 

عبد السلام بنعيسي

ارتفعت بعض الأصوات مجددا مطالبة بضرورة الاحتفال بما يسمى رأس السنة الأمازيغية، وجعْلِ المناسبة التي تصادف 13 يناير من كل سنة عيدا وطنيا رسميا. وإذا كانت المناسبة مجرد احتفالية شعبية لها رمزية تُجَسِّدُ الاحتفاء بخيرات الأرض والتيمن بسنة فلاحية جيدة، كما يقول الواقفون وراء هذه الدعوة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه تلقائيا هو لماذا إطلاق تسمية أمازيغية على هذه السنة؟ لماذا لا تكون سنة فلاحية وكفى المؤمنين شرَّ القتال، كما يقال؟

النشطاء الأمازيغ الذين يكِدُّون ويجتهدون ليل نهار لجعل الاحتفال بالسنة الأمازيغية عيدا وطنيا، ظلوا يتحركون لسنوات عديدة مُصرِّين في رفضهم لإطلاق صفة المغرب العربي على المغرب الكبير، إلى أن استجابت الدولة لمطلبهم، وحذفت كلمة العربي من المغرب، وأصبحت تسميته المغرب الكبير، وورد ذلك في الدستور.. فكيف للنشطاء أنفسهم الذين يحثون على إطلاق الأسماء بطريقة محايدة ودون استتباعها بأي صفة ذات طابع يشير إلى العرق، هم أنفسهم الذين يصرون على أن تكون هذه الاحتفالية تحت مسمى السنة الأمازيغية؟؟ أليس في تصرفهم هذا تناقض لا غبار عليه؟

وإذا استجابت الدولة لمطلب الداعين لجعل 13 يناير رأس السنة الأمازيغية عيدا وطنيا، ألا تكون بموقفها هذا تكيل بمكيالين، بحيث أنها سحبت صفة عربي عن المغرب الكبير، وتطلق صفة سنة عن الأمازيغية، وتجعلها فوق كل ذلك عيدا وطنيا؟ ألا تكون الدولة بذلك متحيزة للمغاربة الأمازيغ على حساب المغاربة العرب والصحراويين والأندلسيين والمغاربة المنحدرين من روافد متوسطية وإفريقية وعبرية، كما جاء في دستور 2011 في تحديده للهوية الوطنية المغربية، وتشعرهم بأنهم، كمغاربة، في درجة أقل من أشقائهم الأمازيغ؟؟

الغاية من الاحتفال بالأعياد هي تقوية أواصر الوحدة الوطنية، وإشعار المواطنين بأنهم في أمة واحدة، وأن لهم مناسبات تجمعهم في كيان واحد الذي هو دولتهم، وأن لهم تطلعات مشتركة رغم مكوناتهم الهوياتية المختلفة، لكن إذا جرى ترسيم السنة الأمازيغية عيدا وطنيا، فإن الاحتفال سيكون خاصا بمكون واحد من مكونات الهوية الوطنية الذي هو المكون الأمازيغي، وهذا سيولد الشعور بالتمايز والتفرقة، وسيصبح العيد عيدا لطرف واحد من أبناء الوطن، في حين تشعر بقية الأطراف الأخرى من أبناء نفس الوطن أن هذا العيد لا يعنيها، ما دام حتى في اسمه لا يشير إليها، ويعمد إلى إهمالها، الأمر الذي قد يولِّدُ انشطارا اجتماعيا، وهذا يتنافى كليا مع فلسفة إقامة الأعياد والاحتفالات الرسمية..

الاحتفال بالأعياد الوطنية هو أيضا احتفال بما يميز وطن عن غيره من الأوطان، ويعطيه تفرّده في نظر مواطنيه، ولذلك يحتفل المغاربة بأعياد الاستقلال، والعرش، والمسيرة، وحدثُ تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، إنها وقائع ذات طبيعة وطنية تجمع كل المغاربة، دون تمييز، على أساس عرقي، أو جهوي، أو لغوي..

المجتمع المغربي في حاجة إلى التطلع صوب المستقبل، وتجنيد كل طاقاته، لإنجاز تنميته، وإقلاع اقتصاده، وتحقيق الرفاهية لأبنائه، وتوفير الشغل للعاطلين منهم، والدواء للمرضى والسكن للذين بدون مأوى، والقضاء على الفساد المستشري في مؤسساته، وما أظن أن جعل حدث مرَّت عليه حوالي 3 ألف سنة عيدا وطنيا أمرٌ يساعدنا على تحقيق مرامينا التنموية.

 الاحتفال بهذه المناسبة يجعلنا نتطلع إلى الوراء ومشدودين إلى ما مضى من الزمان، وإذا كان النشطاء الأمازيغ يؤاخذون بشدة على الإسلاميين كونهم يسعون للعودة المستحيلة بالمغرب إلى عصر الخلافة الراشدة، فالنشطاء الأمازيغ أيضا يبدون، بمثل هذه التصرفات، كأنهم يحلمون بالعودة بنا إلى ما قبل 3 الف سنة من اليوم، فهم يظهرون كأنهم لا يزالون مشدودين إلى حقبة شاي شنق ويحنون إليها، فنحن إزاء سلفية بصيغة عرقية.

من المؤكد أن عموم الأمازيغ، في حقولهم، ومعاملهم، وورشاتهم، ومحلاتهم التجارية.. ليسوا منشغلين بهذا الموضوع ومهمومين بأن يصبح 13 يناير عيدا رسميا للسنة الأمازيغية.. فهذا هو آخر همِّمهم، إنهم يريدون لبلدهم التطور والتقدم ومواكبة التحولات التي تجري حاليا بسرعة في العالم، ويتمنون تعبئة كل الطاقات لإدراك هذا الغرض. ولذلك فإن جعل السنة الأمازيغية عيدا وطنيا قضيةُ تهم بعض النشطاء الأمازيغ الذين يروجون لها دون غيرهم.

لا يمكن تصور أن أمازيغيا مغربيا يعيش في زاكورة أو الحسيمة أو  الحاجب مثلا .. يعنيه في شيء أن شخصا ليبيا من أصل أمازيغي تمكن سنة 950 قبل الميلاد من أن يصبح ملكا على مصر وأن يحكمها، فالحدث وقع في القرون الخوالي، والاحتفال به يدخل في باب العبث، ولقد جرى في بلد بعيد عن المغرب الذي هو مصر، وهو حدث لا يشكل جزءا من تاريخنا الوطني، فكيف سيحتفل أمازيغي مغربي بتاريخ ملك أمازيغي ليبي/ مصري؟؟ إن قام الأمازيغي المغربي بذلك فإنه سيحتفل بتاريخ شعب غير شعبه، ويتباهى بمنجز لوطن ليس وطنه.. وإذا أجاز الأمازيغي المغربي لنفسه جعل مثل هذا الحدث عيدا وطنيا، فلماذا لا يجوز للمغربي من أصل عربي الاحتفال بانتصار خالد بن الوليد على الروم مثلا  والمطالبة بجعله عيدا وطنيا هو كذلك؟؟

من الممكن أن يحتفل الأمازيغ الليبيون بهذه المناسبة ويشيدون بها، وربما المصريون من أصول أمازيغية يحق لهم هم أيضا التغني بالملك شاي شنق، ولكن الأمازيغي المغربي فإنه في وضعه الحالي مختلف تاريخيا عن غيره من الأمازيغ في الدول المجاورة، إن له تاريخه الخاص المرتبط بأرضه الوطنية التي يعيش عليها، وتوجد فوق حدودها الترابية دولته الوطنية، والاحتفال بالمناسبات وجعلها أعيادا يتعين أن يكون في صلة مع وقائع تاريخنا الخاص بنا كدولة مغربية لها استقلالها الخاص بها، ولها رموزها التاريخية التي لا يشاركها غيرها فيها..

جعلُ الجزائر للسنة الأمازيغية عيدا وطنيا جزائريا لا ينبغي أن يشكل قدوة للمغرب وأن يقوم بلدنا بتقليده وإعادة استنساخه بين ظهراننا. الدولة موجودة في المغرب منذ ما يقارب 14 قرنا، إنها قائمة بحدودها، وجغرافيتها، وتاريخها، وسيادتها، ورموزها، وتراثها، وكانت مؤثرة لفترات عدة في محيطها، فالمغرب يتعين عليه التصرف على أساس أنه هو الدولة المؤهلة لكي يقتبس منها غيرها الصيغ الكفيلة بتدبير اختلافاته الهوياتية، وليس أن يستتبعها ويركض من ورائها..

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة

5 تعليقات

  1. في تعليقك كفيت و أوفيت يا محمد. لا يحلى الكلام لبعض المثقفين من الجارة الغربية الا باقحام الجزائر في كل شاردة و واردة.

  2. أولا أهنأ الجميع بعيد الأمازيغ ” أسقاس أمقاس ”
    أما بعد
    أقول للكاتب إن سحب كلمة عربي من المغرب و استبدالها بالكبير كان إستجابة للتاريخ والجغرافيا والديموغرافيا ، أما مطالب المواطنين بترسيم يناير عيدا وطنيا لأنه بالفعل مُرسم شعبيا، فليس هناك من سكان المغرب خاصة أو شمال إقريقيا عامة حتى في جزر الكناري من لا يحتفل بهذا العيد الذي رسم فيها أحد قادتنا أروع البطولات في التاريخ على الإطلاق، أما قول الكاتب أن هذا الحدث الذي وقع منذ 3000 سنة لشخص ليبي أعتلى عرش مصر فما دخل المغربي فيه ، يعتبر قولا مجانب للصواب و يريد من ورائه بث الفرقة بين أفراد الشعب الواحد ، فالأمازيغ أمة واحدة من سيوة للكناري ألم ترى كيف وحدت بينهم راية أصبحت الأكثر أنتشارا في العالم دون أنت يروج لها إعلام أو حكومة ولم يصرف على ذلك دولارا واحدا .
    أما قول الكاتب أن ترسيم هذا العيد يعتبر تحيزا لمكون من مكونات الشعب المغربي فنعلمه بأنه ليس هنا مكونات متعددة في المغرب و شمال إفريقيا سوى الأمازيغ الذي نم تجريدهم من هويتهم بسبب التزويرو الطمس الممنهج و من يعارض هذا الكلام فالفيصل بيننا هو التحاليل الجينية .

  3. لديكم عقدة اسمها الجزائر ثانيا اي قرون تتحدث المغرب تم تأسيسه في سنة 1912 على يد الجنرال الفرنسي ليوطي ولحد الساعة مازال تحتى الاحتلال الاسباني والحماية الفرنسية باتفاقية اكس لي بان ليس لديكم وثيقة استقلال كفاكم خرافة الجزائر وريثة مملكة نوميديا وجميع ملوك الامازيغ جزائريين

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here