عبد السلام المساتي: اليسار.. هو الحل؟

عبد السلام المساتي

نعود، إذن، لنتحدث مرة أخرى عن اليسار بعدما فقدنا الأمل بالمطلق في التجربة الاسلامية التي مثلها حزب العدالة والتنمية والذي يوجد على رأس الحكومة منذ ثمان سنوات، هذه الفترة التي كان يمكن أن تكون الأكثر إشراقا وتقدما في تاريخ المغرب على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والحقوقي… إلا أنها للأسف كانت على العكس من ذلك تماما ويكفي أن نذكر هنا ارتفاع وثيرة الاحتجاجات الاجتماعية بشكل غير مسبوق وتزايد عدد الاعتقالات في صفوف الصحفيين وأيضا التزايد المطرد في نسب البطالة خاصة وسط الشباب فضلا عن ارتفاع حجم الديون الداخلية والخارجية لمستويات قياسية.. هذه الحصيلة السلبية للحزب الإسلامي على رأس الحكومة تضعه أمام حتمية التراجع للخلف، فالمنطق يقول أن هذا الحزب، على شكله الحالي، لا يمكنه أن يكون منافسا حقيقيا لبقية الأحزاب خلال المحطات الانتخابية اللاحقة، ما يعني أن المجال سيكون متاحا أمام فاعل حزبي جديد، لا نقصد جديد التأسيس وإنما جديد البناء وله قدرة على مسايرة وفهم الوعي المجتمعي الجديد. ولأنه سبق وجربنا أحزاب الدولة بدءا من حزب الحركة الشعبية وحزب الاتحاد الدستوري وحزب التجمع الوطني للأحرار، وأيضا لأنه سبق وجربنا حزب الاستقلال في أكثر من محطة، فأقول أنه الوقت المناسب لليسار من أجل أن يملأ هذا الفراغ الممتد على المشهد السياسي بالمغرب خاصة في ظل التدافع “الصبياني” بين مجموعة من الأحزاب.

طبعا لم أنس تجربة الاتحاد الاشتراكي والأستاذ اليوسفي خلال نهاية التسعينات، إلا أن هذه التجربة لا يمكن أن نقول عنها تجربة يسارية بحكم الظروف التي نشأت فيها حكومة التناوب وأيضا بحكم التشكيلة الحزبية لهذه الحكومة التي ما كانت تسمح بتنزيل رؤية وبرنامج حزب الاتحاد الاشتراكي، وإذا ما نحن ركزنا في مخرجات هذه الحكومة سنجد أن أغلب مشاريعها وقراراتها كانت مناقضة تماما لمبادئ وقيم اليسار، فضغوطات الظرفية ألزمت الأستاذ اليوسفي بالتنازل عن رؤيته ومشروعه لصالح رؤية ومشروع الدولة التي مررت نظرتها الإصلاحية عبره وعبر حكومته.. فلا أعتقد أن أحدا من المغاربة سينسى تبني هذه الحكومة للخصخصة من خلال بيع حصص مجموعة من المؤسسات والمقاولات الحكومية بطريقة فيها الكثير من الإساءة لقيم اليسار.. لقد كان المفروض في حكومة اليوسفي أن تنقذ المغرب لكنها أنقذت السلطة وأغرقت المغرب.

لقد كانت هذه التجربة تحولا جذريا في نظرة المغاربة لليسار، إذ انتقل في نظرهم من قوة معارضة للنظام إلى فاعل سياسي عادي ينتمي لدائرة النظام(مُمخزن) والحقيقة أن هذا الحكم قاسي جدا إذ لا يصح أن نحكم على اليسار ككل من خلال حزب الاتحاد الاشتراكي أو بالأحرى من خلال تجربة حكومة التناوب، فاليسار أكثر شمولية من ذلك.

لقد شكلت القوى السياسية اليسارية على مدى السنوات الممتدة من الاستقلال وإلى تجربة التناوب معارضا حقيقيا للسلطة الأحادية، ما جعلها تتطبع في ذهن المغاربة كصورة لقوى تحررية رافضة لكل أنواع الاستبداد وهي الصورة التي لا نعتقد أنها محيت بالكامل بسبب تجربة التناوب، وهو الأمر الذي يتأكد عبر تعاطف الكثير من المغاربة مع فيدرالية اليسار الديمقراطي التي تشكل، في نظرهم، امتدادا لليسار الذي لطالما آمنوا به. لا نقول أن الفيدرالية هي النموذج اليساري الأمثل من أجل بعث الروح في اليسار لكني أقول أننا في حاجة لممارسة وفعل مشابهان للخطاب الذي ينتجه زعماء فيدرالية اليسار، أقل أيضا أن هذا لا يمكن أن يحدث إلا عبر مصالحة حقيقية بين القوى اليسارية  وهي المصالحة التي لا يمكن أن تتم إلا من خلال ترتيب كل حزب على حدا لبيته الداخلي ومحاولة خلق قيادات جديدة بعيدة عن القيادات الكلاسيكية التي هي امتداد لفترة نكوص اليسار.

أقصد أنه الوقت الأنسب من أجل أن يتوحد اليسار، وأيضا من أجل أن يعاكس ما يُقال عن كونه أصبح امتدادا للمخزن وأنه لا يختلف كثيرا عن الهيئات السياسية التي صنعتها الدولة.. فبمقدور اليسار أن يكون بمثابة “المُخلص” للمغرب من هذا البؤس الاجتماعي والاقتصادي والأخلاقي… ولكن على ألا يكرر السقوط في أخطاء الماضي القريب وعلى ألا يرهن نفسه للسلطة مرة أخرى.

ربما الحل يوجد في اليسار..

[email protected]

كاتب مغربي

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. لا يغير الله مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وعلى الشعب المغربي أن يتوحد على القومية والدين وبتحرر عقليا ونفسيا. نحن دولتنا إسلامية و ليس ضد الحريات والحقوق المكسبة لنا من الرب الجليل عبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأهله الطاهرين والصحابة الأخيار المنتجبين أما من يستغل الدين من أجل المصلحة الذاتية والشخصية والخاصة فذالك مرفوض وغير مقبول فقط علينا الصحو من السبات العميق و التعلم و التثقيف والقضاء عن الأمية والجهل والتخلف والتشدد والتطرف والفقر من أجل أن نلعب دور ويكون لنا أيضا في السياسة والسلطة وليس أن نبقى غرباء و أموات أحياء ومشردين ولاجئين في وعن وطننا.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here