عبد الرحمن مظهر الهلوش: مروان إسكندر:عَودة الروس

 halosh

عبد الرحمن مظهر الهلوش

((يجب الوصول إلى المياه الدافئة كي لا نتجمد في صقيع الشمال)). مَقولة للملكة الروسية كاثرين الثانية عام 1876. يستعيد مروان اسكندر الدور الروسي في العالم والشرق الأوسط بشكل خاص في كتابه الموسوم بـــــــ (الدب ينقلب نمراً … روسيا الولادة الجديدة), الصادر عن شركة رياض الريّس للكتب والنشر, بيروت, وقد جاء الكتاب في 484 صفحة من القطع المتوسط. ويتسائل المؤلف في كتابه, والذي يغلب على محتواه الجانب الاقتصادي, لماذا هذا الكتاب؟ حيث يؤكد اسكندر:((في أواسط عام 2008 وفي بدايات الأزمة المالية العالمية التي ضربت اقتصاديات الدول الكبرى, مما أدى إلى قلب كل التوقعات وكذلك التوازنات الدولية التي كانت قائمة على مبدأ القوة العظمى الوحيدة المهيمنة على العالم بما فيه الاتحاد السوفياتي السابق)).

ومنذ ذلك التاريخ حيث ركزت الأنظار كلها على الدور الروسي الجديد في الشرق الأوسط, بعد غياب عن الساحة الشرق أوسطية لمدة 25 عاماً منذ انهيار جدار برلين(1989) وتفكك الاتحاد السوفيتي في كانون الأول/ديسمبر 1991, حيث انحسرت السيطرة الروسية عن مساحات جغرافية هائلة منذ تأسيس الإمبراطورية الروسية تحت قيادة بطرس الأكبر في عام 1721, إذ فقدت روسيا (14) جمهورية من جمهورياتها الــ(28).

 ومن هنا لم تعد روسيا دولة عظمى تناطح الولايات المتحدة, منذ الإعلان عن شعار((الستار الحديدي)) عام 1946 الذي أعلنه رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل من ولاية ميسوري الأميركية, معلناً بداية الحرب الباردة بين الشرق والغرب.

اليوم يعود الاتحاد السوفيتي إلى ساحة الشرق الأوسط, عبر التخلص من إرث الرئيس الروسي الأضعف في تاريخ روسيا(بوريس يلتسن) حيث تعاملت واشنطن مع روسيا بأنّها مهزومة وأغفلت بِأَنّ موسكو لن تبقى ضعيفة إلى الأبد, من خلال تغيير نظام العلاقة الروسية الأميركية.  حيث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعمل جاهداً بالسير على خطى الرئيس الروسي الأسبق(نيكيتا خروتشوف) في عام 1960, والذي قام أمام وسائل الإعلام العالمية ووفود الدول المشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة أنذاك, بخلع حذائه ولوح به أمام الحضور كدليل على التحدي. أعاد بوتين تلك الحادثة ولكن ليس بالضرورة بالشكل الذي فعله (خروتشوف), من خلال إعلان الخطوط العريضة للإستراتيجية الروسية الجديدة في العالم وبأنّ روسيا دولة هامة ولا تقل مكانتها عن مكانة الولايات المتحدة الأميركية.

ربما لا يريد بوتين العودة إلى أجواء الحرب الباردة, ولكن يريد استغلال الغياب الأميركي المقصود عن الساحة الشرق أوسطية مع وصول باراك أوباما إلى البيت الأبيض إلى أبعد الحدود, يبدو أن بوتين يعرف من أين تؤكل الكتف الأميركية, عبر سياسات دولية معقدة وصلبة, فقد قويّ النفوذ الروسي في دول الشرق الأوسط, من سوريا إلى الأردن مروراً بمصر والسعودية والعراق والجزائر وإيران, وحتى إسرائيل توجهت إلى الكرملين عبر انعطافة غير مسبوقة تاركةً علاقة مع الولايات المتحدة طيلة خمسين عاماً.

فقد قام الروس عبر إستراتيجية طويلة الأمد بالعودة إلى مراكز نفوذهم القديمة والتمدد إلى مناطق نفوذ تحسب للولايات المتحدة. فالحروب والنزاعات الدولية كانت بمثابة البوابة التي يدخل منها الروس شرعياً بنظر الأميركيين عبر الأمم المتحدة لتثبيت نفوذهم.

لقد أحدثت الغارات الروسية في الأراضي السورية(30/9/2015) أثراً جيوبيوليتيكاً كبيراً في المنطقة, كان التحدي الروسي واضحاً للجميع لكل من لا يتفقون مع الإستراتيجية الروسية في سوريا بشكل خاص وفي المنطقة بشكل عام. هل أصبحنا أمام شرق أوسط جديد تشارك في رسمه وتعلن عنه روسيا التي بالأمس القريب كانت مُدينة للولايات المتحدة بملايين الدولارات؟

ليست ملامح هذا الشرق الأوسط الجديد بالضرورة التي بشرت به مستشارة جورج بوش الابن؛ كونداليزا رايس؛ بل هو شرق أوسط روسي بامتياز. فقد بدأت الثنائية الروسية- الأميركية تفرض وجودها في بداية قرن جديد مليء بالنزاعات والحروب. حيث بدأت العلاقة الروسية مع الولايات المتحدة يشوبها الفتور نتيجة افتقار الطرفين إلى تصور واضح عن بنية العلاقة المرجوة بينهما بالنسبة لكثير من القضايا الخلافية, وتخلص كلتا الدولتين إلى أن دور الأخرى الدولي يتضاءل ويصيبه الضعف ربما يختزل ذلك توصيف المؤرخ البريطاني((بول كنيدي)) الذي تنبَّأ عبر كتابه((صعود وسقوط القوى العظمى: التغير الاقتصادي والصراع العسكري منذ عام 2000)), فهل تلك التنبؤات بدأت أولى مراحلها بالنسبة للولايات المتحدة على الأقل بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط. إن استخفاف الولايات المتحدة بروسيا, وهي الراغبة في إعادة دورها بالعب عبر قطب عالمي مستقل, هو الذي يدفع الولايات المتحدة منذ تفكك الاتحاد السوفيتي وحتى اليوم بمحاصرة الروس داخل حدودهم عبر تمدد الحلف الأطلسي إلى حدود روسيا, ومحاصرة المراكز الاقتصادية العالمية لروسيا عبر الطلب الأميركي من المؤسسات الدولية بتشديد الخناق مالياً على روسيا إضافة إلى سياسة ((الاحتواء)) C0ntainment التي طبقتها الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية في محاولةٍ منها لصدِ موجات الإيديولوجية الروسية الشيوعية.

ولكن إدارة بوتين للأزمة مع الولايات المتحدة تميزت بالصبر, عن طريق التفوق على الولايات المتحدة بحجم الترسانة النووية, فعدد الرؤوس النووية الروسية يبلغ 2800 رأس, بينما حجم الترسانة الأميركية 2200 رأس نووي, فليس الاتحاد السوفيتي قوة عظمى سائرة نحو الأفول كما يزعم الغربيون, وليس هو بالدولة العظمى التي تشكل نداً للولايات المتحدة, ولكن خبرات الروس في الدبلوماسية لا يستهان بها في العلاقات الدولية ولاسيما في أروقة الأمم المتحدة. وهذا ما حصل بالنسبة للملف النووي الإيراني فلولا الدبلوماسية الروسية وحضورها القوي لما حصل أوباما على اتفاق مع الإيرانيين.

وروسيا تنجح دبلوماسياً حيث تفشل أميركا, على ما هو الحال في سوريا؛ واليمن, وفي العراق, وحتى على صعيد الملف الفلسطيني. وروسيا لها مكانة راجحة في المؤسسات الدولية, وقد حَسنتْ موسكو استغلال شبكات نفوذها في العالم. ويشكل الصعود الاقتصادي الروسي خصوصاً في العقد الأخير إلى تعويض التراجع الاستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط, وكما يذكر المؤلف, فقد راكم الروس الاحتياطي المالي إلى 700 مليار دولار بنهاية عام 2008. حيث بلغ معدل النمو 8% مع مجموع للديون الخارجية لم يتخط عتبة الأربعين مليار دولار مع تقديم المساعدات المالية والصفقات العسكرية, مع أكثر من شريك في المنطقة, وقيام روسيا بتسديد ديونها الخارجية للمؤسسات الدولية والخروج من تحت وصاية الولايات المتحدة التي لها كلمتها في تلك المؤسسات بحكم مساهمتها في رأسمالها. وروسيا أكبر مصدر للغاز إلى القارة الأوربية تجني من وراء ذلك مليارات الدولارات, ذلك ساهم في إعادة بلورة دور روسي في منطقة مضطربة بالأساس. وقد طَبَعَ العلاقات الروسية الأميركية عدد من المحددات خصوصاً في الـــ 16 سنة الأخيرة: تفادي تحدي المصالح الروسية من قبل واشنطن تحدياً فجاً, وإدراكها على ما يترتب على ذلك من تداعيات خطيرة.

قبول فشل واقع الليبرالية الجديدة في روسيا فالروس لا يرحبون بالنظرة الأميركية إلى ما لا ينبغي أن تكون عليه بلادهم. وكذلك تجنب مطالبة روسيا بما يفوق طاقتها في مناطق لا تملك نفوذاً حقيقياً فيها. وكذلك إعلان روسيا إجراء مناورات ضخمة في شرقي المتوسط تزامناً مع بداية عصر روسي جديد في المنطقة يذكرنا بالمناورات الاستعراضية الضخمة التي أجراها جوزيف ستالين من خلال استعراض للقوة السوفيتية في شرق ووسط أوربا كان له صدى في كل أنحاء القارة. أيضاً التعاون الأميركي مع روسيا في حل الأزمة السورية. على ما يبدو فإنّ بوتين سيكون خروتشوف الستينيات في الجمعية العامة للأمم المتحدة شئنا أم أبينا.

فقد يمسي النفوذ الأميركي في المنطقة الشرق أوسطية في خبر الماضي, فروسيا بدأت تبسط شِباك نفوذها المالي والاقتصادي والعسكري لأول مرة في الشرق الأوسط منذ عام 1991. وترسيخ القوة السوفيتية في تلك المنطقة الإستراتيجية قد يؤدي إلى انتقال حاسم في التوازن الدولي؛ مع ما قد ترتبه هذه الهيمنة أو (الوضع الجديد) من تعقيدات وأخطار في هذه المنطقة, ونتصور بأن قادم الأيام سوف تحسم أكثر طبيعة الوضع الدولي المستجد في أخطر منطقة في العالم((الشرق الأوسط)).

 (*) صحافي وكاتب سوري

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here