عبد الرحمن الانسي: يا ولدي! هل  ترانا نلتقي؟

 

عبد الرحمن الانسي

وصلني صديقي حزينًا كئيبًا، فعجبت لذلك وأقسمت عليه أن يخبرني بما أحزنه، فبدأ يقص عليّ ذلك أن قال:

قبل سنوات سافرتُ على عجل وكنت فرحًا لأنني سأذهب إلى دولةٍ أجنبية أستطيع أن أبرز فيها قدراتي وأحقق فيها أحلامي. جهزّتُ كل ما يلزم من أجل سفري ولكنني لم أفكر بحالة أمي التي كانت تعيشها؛ ليس لأنني لم أقدر مشاعرها، بل لأنني لم أعش مشاعر الأمومة ولو حتى ليومٍ واحد.

ودَّعتُ أصدقائي والجميع فرحٌ بحصولي على تلك المنحة الدراسية ولكن عندما وصلت إلى أمي وبينما أحاول توديعها لأسافر لمحتُ في عينيها بريقُ دمعٍ يكاد يسيحُ من مُقلتيها المُرهقتين وصدِّقني والله لم أرى مثل تلك المشاعر التي تحملها تلك الدموع أبدًا في حياتي،  نظرتُ إليها وكأن نظراتي تقول لها بأنني ذاهبٌ ولابد أن نتوادع فبادرتني وكأن الموقف عقد لسانها لبضع ثوان أن قالت “يا ولدي! اذهب بحفظ الله ولا تنسى أن دعائي لن يفارقك ما حييت” انسكب من عيني دمعٌ وكأنه وُقِدَ عليه لساعات حتى أصبح بتلك الدرجة من الحرارة، تقدمت نحوي واحتضنتني لدقائق بعد أن مسحَت دموعي المنسكبة وهي تقول “أنت رجلٌ، والرجال لا يبكون يا ولدي” وأشارت بعينيها أن اذهب، فَفَرَرْتُ أبكي لا أعرف أين ذهبَتْ تلك الفرحة التي عشتها أمام أصدقائي.

وصلت إلى بلد الغربة وبدأنا نتواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي من فترةٍ لأخرى, واسيتها أنني سأعود عطلة السنة القادمة ولكن الحرب حالت بيني وبينها كحال الكثير أمثالي، واقنعتها باتصالٍ هاتفي أن الحرب قائمة في بلدي وأخاف أن أرجع فيصيبني مكروه، ففضَّلَتْ أن أبقى بصحةٍ جيدة على أن تراني ووافقت شريطة أن أعود السنة القادمة. مرَّت السنة القادمة وهي في كل مرةٍ اتصل بها تتوجع من ألم الشوق والفراق وهي تقول “ليتني ألتقيك يا ولدي ولو حتى لدقائقٍ قليلة” وأنا في كل مرةٍ تقول لي هكذا تخنقني مشاعري ويغتالني قلة حيلتي فأمسك دموعي وأنا أقول لها “لا تخافي أمي، عطلة هذه السنة ربما تصلح الأوضاع في بلدي وأعود فلا تحزني، سأعود يا أمي”

لم تكن تعرف أمي من قبل متى تبدأ عطلة المدارس والجامعات، لكنها أصبحت الآن تعرف. أتت عطلة السنة الثانية وما زالت تنتظرني بفارغ الصبر، ولكن للأسف أوضاع بلدي وأوضاعي الخاصة لم تسمح لي بالسفر، ولكن كيف أخبرها بذلك؟! اتصلت بها وبعد حوارٍ طويل اعتذرت لها وأخبرتها أنني لن أستطيع السفر هذه العطلة أيضًا، فبكت بكاء طفلٍ فارق أمه للتو، ثم هدأت  وقالت بصوتٍ شجي “يا ولدي! الغائبُ والميِّتُ سواء”

سمعتُ تلك الجملة وكأنها رصاصة اخترقت جسدي، فبكيت لبكائها وأخبرتها أنني اشتقت إليها أكثر ولكن الأمر ليس بيدي، وبدأت أسرد على مسامعها ما حققته من نجاح في دراستي ومجال تخصصي لعلها تهدأ، فباركت لي ذلك ولكنها قالت بعد ذلك “برغم أنني متشوقٌ لرؤيتك يا ولدي لكن ما يهمني هو أن أراك سعيدًا وبصحةٍ جيدة أكثر من أي شيءٍ آخر” يا رباه! ما أعظم الأم! يهون عليها كل شيءٍ إلا أن ترى ولدها حزينًا.

بدأتْ سنتي الثالثة وأنهيتها ولم أستطع الرجوع إلى بلدي لرؤية أمي، وها هي سنتي الرابعة تدخل أيضًا. أتى موعدنا الاسبوعي للاتصال وقد كانت تنتظر اتصالي ذلك اليوم على أحرِّ من الجمر لتلومني وتلوم الواقع والحرب التي أتتنا من حيث لا نعلم، فأخبرتها أنني مع نهاية هذا العام حتمًا سأرجع، فكررت جملتها الأولى وقلبها يعتصر ألمًا: “يا ولدي! الغائب والميت سواء، ولكن نهاية هذا العام حتمًا سأكون بانتظار مجيئك، فأنا لا أعلم متى يزورني ضيف الرحمن” .

أجهشتُ بالبكاء وأنا أقول لها: “لا تقولين هكذا أماه، أرجوكِ” فردَّت علي أنها ستصبر هذا العام وستكون بانتظاري.

أتت عطلة تلك السنة وكنت قد رتَّبتُ للسفر، ولكن فجأة خانتني كل السبل فلم أستطع، “كيف أقول لأمي أنني لن أستطيع السفر يا ترى؟ كيف ستتقبل عذري هذه المرة؟”

رفعت سماعة تلفوني فجاءني صوتٌ من السماعة الأخرى وكان صوت أمي ” أهلًا بك يا ولدي، متى قررت السفر؟!”

لم أستطع أن أنبس بحرفٍ واحد، سكتُّ قليلًا ففهمت المغزى من سكوتي، وما سمعتها إلا أن أجهشت تبكي وهي تقول ” يا ولدي! هل تُرانا نلتقي؟” وأغمي عليها. بكيتُ طوال تلك الليلة لا أعرف ماذا أفعل وأنا أسمع جملة أمي الأخيرة تطرق مسامعي وهي تقول “يا ولدي! هل تُرانا نلتقي؟” فتذكرت قول أمينة قطب حين قالت:

هل ترانا نلتقي أم أنها

 كانت اللقيا على أرض السرابِ

ثم ولت و تلاشى ظلها

 واستحالت ذكرياتٌ للعذاب

هكذا يسأل قلبي كلما

طالت الأيام من بعد غيابِ

فإذا طيفك يرنو بلسمـًا

وكأني في استماع للجوابِ

أولم نمضي على الحقِ معـًا

كي يعود الخير للأرض اليبابِ

فمضينا في طريق شائك

نتخلى فيه عن كل الرغابِ

و دفنا الشوق في اعماقنا

ومضينا في رضاء و احتسابِ

قد تعاهدنا على السيرِ معـًـا

ثم اعجلتَ مجيبـًا للذهابِ

فطنتُ بعد ذلك _من أمور  الدنيا_ أن الشوقَ لغير الأم ليس بشوق، وأن الحبيبةَ قبل الأم ليست بحبيبة، فلا تتعبوا أمهاتكم بالشوق إليكم، ولا تفضِّلوا أحدًا عليهن فهن أصل الفضل وأهله.

Print Friendly, PDF & Email

11 تعليقات

  1. شكرًا لكم جميعًا .. أسعدتني تعليقاتكم ومشاعركم الجميلة.

  2. مع الاسف هاذا حال كل طالب يدرس في الخارج “الشوق زاد ياأمي”.

  3. اخي عبدالرحمن كنت ومازلت من أفضل الأشخاص ألي عرفتهم طريقة سردك للقصة جعلتني أعيش الموقف كان الله في عون جميع الأمهات

  4. كلام جميع اخي عبدالرحمن كان الله بِعون امهاتنا ورحم الله من فارقة الحياة

  5. لا توجد كلمات تفي قدرك يا غالي، حفظك الله ورعاك ، كلماتك ابكت قلبي

  6. لا توجد في العالم وسادة أنعم من حضن الأم، ولا وردة أجمل من ثغرها.
    نعم! فالشوقَ لغير الأم ليس بشوق، وأن الحبيبةَ قبل الأم ليست بحبيبة،

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here