عبد الرحمان اوبيلاني: واحات المغرب: ماضٍ بِلا مُسْتًقْبَل

  • عبد الرحمان اوبيلاني

الواحات جنان وسط الصحراء ترتاح العين لمنظرها الأخاذ. تمزج بين نخلٍ أخضر باسق و رمالٍ ذهبيةٍ صفراء، تفصل بينهما أحياناً، جبال من أحجارٍ مختلفة الألوان. تتميز بجوها الصحراوي الجاف و شبه الجاف، مع درجات حرارة استثنائية حسب الفصول. تمتد على مساحات واسعة من الحدود الجنوبية الشرقية  إلى أقصى الجنوب.

نمط عيش الإنسان الساكن بهذه المناطق عرف تغيرات جدرية. حيث أصبح استهلاك المنتوجات الطبيعية جزءً من الماضي أمام غزو المنتوجات المصنعة للأسواق و تراجع انتاج المنتوجات المحلية. هذا النمط الجديد كان له الأثر البالغ على تلويت المجال بنفايات لا قِبال للطبيعة بها : كحفاضات الأطفال المستعملة، التي يصعب التخلص منها حتى بالحرق. كما أن الطهي بجريد النخيل لم يعد يتم اللجوء إليه إلا في حالات استثنائيةٍ، فعدد النخيل يتراجع بشكل مخيف و معه مستوى الفرشة المائية، بالإضافة إلى  مشكلي التصحر و زحف الرمال.

  مؤخراً، بدأ بيع مكثف للأراضي الفلاحية الموروثة من الأجداد، لأشحاصٍ أغرابٍ على المجال الواحي بسبب الفقر و قلة ذات اليد. الوافدين الجدد باشروا سريعاً زراعة مزروعاتٍ لا تحترم خصوصيات المنطقة مستعملين أسمدة و مبيدات بطرق تستدعي تدخلا عاجلا، أبرزها البطيخ الأحمر، التي عجلت بنفاد المياه الجوفية العائدة لملايين السنين. هذا التوجه كانت له نتائج كارثية على التوازنات البيئية وعلى الإنسان و الشجر و الحجر. لا لسبب و جيه و حتمي، بل فقط سعياً لتحقيق الربح السريع.

النخيل رمز الواحة و شموخها عبر الزمان زادت معاناته إلى مستوى لا يطاق. فعلاوةً على الإهمال، حول تراجع مستوى المياه الجوفية، اللون الأخضر الزاهي للواحة إلى أصفر شاحبٍ، عاكساً واقعاً مراً يندر بفقدان تراثٍ لا ماديٍ لا يقدر بثمن. فحتى الفلاحون الصغار، أصبحوا ملزمين بزيادة عمق أبارهم الجافة باستمرار.

 المشاريع العمومية الموجهة لهذه المناطق كالسدود التلية نادرا ما تحقق أهدافها. فيكفي أن تسيل الوديان و الشعاب المحملة بجدوع الأشجار و الأحجار لتسوي بالتراب، مشروعاً يعول عليه تقنياً لإنعاش الفرشة المائية. أما أعشاش النخيل، فبالرغم من كون الصفقات التي يُعلن عنها تخص تنقية الآلاف منها، فلا يكاد يُرى لها أثر في الواقع.

 إذا استمر هذا الوضع، عاجلا أو آجلا سيظهر نازحين مغاربة لأسباب بيئية من المناطق الجافة و الشبه الجافة التي لا تُحترم فيها الضوابط القانونية الخاصة بالحفاظ على الماء باعتباره ثروةً وملكاً عاماً. أما تزامن الخصاص في الماء الصالح للشرب في مناطق عدة فسيؤدي لامحالة إلى ظهور مظاهرات شاملة لكافة المناطق المعنية. من جهة أخرى، فأعشاش النخيل المهملة تؤثر سلباً على جاذبية الواحة  و تزيد فيها احتمال اشتعال الحرائق صيفاً، إذ تكفي بقايا سيجارة واحدة لتحويل آلاف الأشجار منها إلى رماد. و قد سبق أن عرفت الكثير من الواحات حرائق مرعبة كان آخرها حريقي فم الحصن و تمنارت بإقليم طاطا الصيف الماضي.

النتائج السلبية لسلوكيات الإنسان كانت لها تأثيرات سلبية على جميع مكونات المجال الواحي، مما يفرض تدبيراً مندمجاً مستديماً، مبنيٌ أساساً على إعادة تنظيم الزراعات الجديدة و استصلاح الأراضي. كما يجب العمل على حماية التنوع البيولوجي و حماية أشجار النخيل من مرض البيوض. بالنسبة لما يسمى بأنظمة  الري الصديقة بالبيئة  فهي لا تساهم إلا في تمديد مدة الاستغلال لفترة وجيزة. لهذا وجب التفكير سريعاً في التطبيق السليم للقوانين المؤطرة لاستغلال المياه في المجال الفلاحي.

فيما يتعلق بتحسين الوضع السوسيو-اقتصادي، فالحل الأمثل يكمن  في تشجيع التمدرس بالقطع مع مغادرة المتمدرسين لمقاعد الدراسة دون شهادة مهنية بمؤهلات تناسب مستواهم التعليمي،  وكذا السياحة البيئية كمرحلة أولى قصد تثمين الإمكانيات الطبيعية و الثقافية بهذه المناطق، فالموروث الثقافي الغني الذي يجمع بين الأصالة و المعاصرة يحتاج إلى تشجيع بناء منشآتٍ سياحيةٍ تحترم شروط الصحة و السلامة، قبل الانتقال إلى أنشطة ربحية أخرى عندا تحسن الموارد المالية و توفر الظروف اللازمة لذلك. و تجدر الإشارة، إلى أن استمرارية هذه المشاريع لا يرتبط فقط بجودة الخدمات المقدمة للزوار بل يتعداه إلى ضرورة احترام تكلفة مقبولة تراعي المستوى المادي للسائح المحلي، بالموازاة مع حملات إعلامية هادفة. في المجال الفلاحي، لابد من ربط حفر الآبار الموجهة لتحسين جودة الزراعات المعيشية، في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، بتزويدها بالألواح الشمسية للتخفيف من فاتورة الري التي يصعب تحملها خلال فترات الحرارة المفرطة.

ختاما يظهر مستقبل هذه المناطق معتماً. أعداد النخيل في تناقص مستمر. الجميع يعرفون لماذا، لكن قليلون من يعون خطورة الوضع. و الأهم من كل هذا، أن إهمال هذه المناطق له دور كبير فيما وقع و ما يقع و ما سيقع.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here