عبد الخالق الفلاح: العراق.. غياب الثقة وسلحفاتية التنفيذ

عبد الخالق الفلاح

ان المشهد العراقي الحالي محزن وبائس ،في ظل الغليان الشعبي منذ اكثر من  ثلاثة اسابيع والذين يعيشون حالاً من القلق الشديد ليس على مُستقبلهم ومُستقبل أولادهم فحسب، إنّما على حاضرهم أيضًا. والخوف الأكبر من أن يتحوّل هذا القلق اذا لم يتمّ مُعالجته بسرعة، إلى حال من اليأس التام والنقمة على كل شيء وحتى إلى العوز والإفتقار إلى لقمة العيش لعدم وجود برنامج حكومي سليم لعلاج الاوضاع و يفتح شهية لكل الطامعين والمتربصين الساعين لاقتناص مايستطيعون اقتناصه من خيراته وثرواته ، ولايحتاج المرء الكثير من الجهد لاكتشاف واقعه المزري لانهم يعرفون مدى وصول الفساد فيه ، والشعب يضج من حالة المعاناة والفقر والجهل والبطالة المدقعة .والكل يعرف ان النظام تحت هذه الظروف يتجه الى التهلكة في ظل الفساد والنهب ويقف العراق بمفترق طريق خطير جدا لا يعرف عقباه في وضع لدوامة من الهواجس والخصام وافتراض الأسوأ في الآخر، يتحمل عبئها الثقيل شعبٌ مهموم، طامحٌ، دون جدوى، باستقرار وازدهار يستحقه.. لم يحاول الساسة أن يفهموا هذا القلق ويتحاوروا مع أصحابه لإزالة اللبس المرتبط بدورهم المفترض في تغذيته ولنزع فتائل انفجاره المحتمل سريعاً وتعاملهم الفوقي المستبد مع الاحداث،

ربما يتخيل  الساسة ان التمسّك بالسلطة، تمكنهم  من تجاوز عين العاصفة وهم في وضعٍ آمن يمكن تجاوز هذه المرحلة . لكن الاحتجاجات الراهنة تُبيّن أنها لم تُحسن استخدام السلطة التي حصلت عليها.بشكل صحيح  فهي لم تبادر إلى تطبيق أي إصلاحات سياسية لجعل النظام أكثر تطوراً، ولا أي إصلاحات اقتصادية لمعالجة الفساد وتحسين ادارة الحكومة واستحداث العمل للقضاء على البطالة في تشغيل المصانع العاطلة عن العمل والفشل في جذب المستثمرين المحليين والدوليين لإعادة إعمار البلاد  ووضع العصي امام عجلتها  بعد سنوات الحروب والسياسات الخاطئة للحكومات المتعاقبة التي حكمته طوال اربعين عاماً الماضية من الخراب الذي لحق به  . وهكذا تواصلت المشكلات ودفعت بمجموعة من المحتجين الذين نفذ صبرهم من شدة العوز والحرمان و بدرجة أكبر من الحكمة إلى النزول إلى الشارع بكل قوة والضغط المستمر للحصول على المطالب ،. وليس هناك من شك ان الاحتجاجات  اذا كانت اكثر نضجاً تُفضي إلى نتائج أفضل و اكثر المتظاهرين رفضوا اللجوء إلى العنف بأي طريقة من الطرق إلأ القلة القليلة منهم . وقد تمكّنوا، من خلال سلميّتهم، من الحصول على دعم داخلي واسع والحفاظ عليه، وفي نهاية المطاف، اضطُرتّ الحكومة إلى إعارتهم آذاناً صاغية رغم انها متعثرة فالمشكلة ليست مشكلة نظام، بل مشكلة طبقة سياسية و أبجديات فهم العمل السياسي السليم  ، ولعل السبب الحقيقي في ذلك هو قانون الانتخابات الذي فُصل وفق رغبات البعض والذي أوصل الكثير من الشخصيات غير المؤهلة علمياً وثقافياً وسياسياً وقانونياً لممارسة العمل التشريعي في العراق.

من هنا بلغ غياب الثقة بجميع القادة السياسيين نقطة اللاعودة. فإن مآلات الأمور غير واضحة المعالم. يمكن أن تكون النتيجة مرةً أخرى وخيمة  و يلمس المواطنون في مختلف أرجاء العراق أن لا الحكومات ولا قوى المشاركة عملت على تحقيق الإصلاحات السياسية والاقتصادية الموعودة ولم تحاول تطوير مؤسسات الدولة بشكل شامل وديمقراطي وفاعل، بغضّ النظر عن حجم التأثير الواقع على هذه النخبة، الّتي تواجه على أقل تقدير تحديًا شعبيًّا واسعًا لسلطتها وتركت فراغاً في القيادة لدى الحكومة وهم يعتبرون أيضاً انهم عاجزون عن الوفاء بهذه الوعود و بقاء حال المُراوحة لفترة طويلة، بمعنى أن تدور الجهود القائمة للتكليف واستمرارالحكومة بوضعها الحالي  في حلقة مُفرغة، لأسباب مُعيّنة، بحيث يتقدّم عندها خيار الدفع لحكومة تصريف الأعمال، تجنّبًا للفراغ الكامل. لكنّ هذا الخيار يُعتبر الأكثر سوءًا بين مُختلف التجارب السابقة، ويُعارضه أكثر من طرف، لأنّ أضراره على الإستقرار الداخلي لا تُحصى ومُدمّرة، خاصة على الوضعين الإقتصادي والمالي. لذلك يريدون بصورة أساسية أن يبدأوا من الصفر مع سياسيين جدد وأحزاب سياسية وطنية مثقلة بهموم الناس الجياع  الطامحين بالعز والكرامة وترفع العوز عنهم في ظل دولة كريمة بالكامل وبانتخابات جديدة وبقانون انتخابي جديد . وهذا كان واضحاً على وجه الخصوص في رد الفعل على خطة الإصلاحات التي اقترحتها الحكومة العراقية  لاسترضاء المحتجين، لكن الجواب كان لا نثق و الاحتجاجات الأكثر نضجاً قد تُفضي إلى نتائج أفضل، حتى لو كان الطريق نحو بناء دولة فاعلة وكفوءة طويلاً وشاقاً..

ان اعتماد قانون انتخاباتي جديد وبصيغة اكثر عقلانية وقريبة من تجربيات العالم الحر واحساسات المنتخب في حرية الاختيار دون ضغوط حزبية وقومية وعشائرية وبعد الممارسات السابقة التي اعطته تجربة خاضها لم يكن يعرف اولوياتها سابقاً تعلم في رفض الحكومة الطائفية في السياسة  ادارة البلد التي تُفضي بصورة شبه حتمية إلى حكمٍ غير ديمقراطي. و تتسبّب الترتيبات السياسية الطائفية في تعميق جذور الهوية الدينية أو الإثنية و بانقسامات وظروف قاسية ومريرة تؤدي إلى تقويض الوئام الوطني والضروري لتحقيق الإصلاحات الديمقراطية. وعلى نحوٍ غير متوقّع، لم يعتمد البعض من المتظاهرين العراقيين استراتيجية سلمية وغير عنفية وحسب، بل تبنّوا أيضاً، ولأول مرة، رسالة بعيدة تماماً عن الطائفية.

الإصلاح ليس كلمة تقال، الإصلاح ممارسة وعمل وسياسات وأجندات تطبق على أرض الواقع. الإصلاح ليس تمنيات. من يريد الإصلاح يحتاج لسلطة قادرة وكفوءة ولأدواتها لتحقيق الإصلاح وعلاج الثغرات التي تلمس في بعض التشريعات وبالدستور العراقي  والممارسات التجاوزية التي تعدت حدود الأعراف العامة في التعينات المحسوبة والمنسوبة الى الساسة دون وجهة حق ، تجعل من ارتفاع مرتبة الفرد في الهرم الإداري مؤشرا على أمر لا شبهة فيه، وهو توسع دائرة نفوذه وسلطته، ويترتب على ذلك توسع نفوذ من هم أدنى منه في هذا الهرم .

ومن باب اخر ما زالت هناك حالة عدم الثقة عند المتظاهرين بالوعود و حزم القرارات التي تعيش حالة من البطء والتأرجح في تنفيذها بسبب المعوقات او لعدم ملامستها المطالب الجوهرية لهم، ففي الوقت الذي تراوحت به خيارات الطبقة السياسية الحاليّة بين تقديم الحزم الإصلاحية تارةً والحلول الأمنية تارةً أخرى وهكذا في محاولة للهروب من شبح استقالة الحكومة أو الذهاب باتجاه الانتخابات المبكرة، نجد في المقابل مطالبات شعبية باستقالة الحكومة وحل البرلمان وتشريع قانون جديد للانتخابات ومفوضيتها، وهو ما أظهر حالة عدم الاستقرار عند الكتل السياسية الممثلة في البرلمان خوفا على مصالحهم ومواقعهم والخروج من السلطة وكما يعتقد البعض الاخر الخوف من الفراغ الحكومي الذي قد يجر الى الفوضى ،واصبح الكلام من ان كلمة السر في هذه اللحظة بيد المتظاهرين العراقيين الذين سوف يغيرون قواعد اللعبة السياسية ، فهم الأقدر اليوم على تقرير المستقبل الذي ينتظر المشهد السياسي القادم.

 – باحث واعلامي

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. عزيزي الاخ عبد الخالق
    تستطيع ان تكتب ما تشاء ولكن العراق ينال الالم والفوضى نتيجة للاحتلال الامريكي الذي فرض هؤلاء الفاسين علينا كحكام لا بهمهم سوى الفساد. كما ان الاحتلال فرض علينا عراق مقسم ، عمدا ً ، الى السنة والشيعة والاكراد وبدعة الفدرالية. فمن الضروري التركيز على محاربة الاحتلال والتفرقة والاحزاب الدينية والطائفية والقومية. واي شيء آخر لا ينقذنا من الفسدة والطائفية والقومية والمذهبية. ارجوك ان تركز على الاحتلال والا لا نستطيع حتى فهم مشاكلنا وشكرا ً
    كمال

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here