عبد الحميد البجوقي: تسونامي الانفصال في كاطالونيا ؟؟

 

عبد الحميد البجوقي

“سيدي القاضي، لستُ نادما على مشاركتي في المطالبة باستقلال كاطالونيا وتأسيس الجمهورية الكطلانية بالوسائل السلمية، ولِتعْلم الدولة الاسبانية أن تسونامي ديموقراطي قادم لا محالة دفاعا عن استقلالنا”

هكذا أجاب أحد زعماء الحركة الانفصالية  في كاطالونيا  جوردي كويسارت Jordi Cuisartعلى سؤال رئيس المحكمة العليا بمدريد عن التهم الموجهة له بالتمرد والتحريض على قلب نظام الحكم في إسبانيا، وكرر بقية المتهمين هذه الجملة خلال محاكمتهم، وبدت كأنها لاتعدو أن تكون جزء من استراتيجية الدفاع التي كانت تعتبر أن المحاكمة سياسية، وأن المتهمين “معتقلين سياسيين” يحاكمون على نواياهم السياسية السلمية.

بعد صدور الأحكام الثقيلة في حق المتهمين يوم14 أكتوبر الفارط والتي تراوحت بين 9سنوات و13 سنة سجنا نافذة اندلعت تظاهرات واحتجاجات لا زالت مستمرة ومتصاعدة في كل المدن الكطلانية، أغلبها تخللها عنف غير مسبوق ومواجهات مع الشرطة الكطلانية. ورغم أن التظاهرات والاحتجاجات كانت مُحتملة، ورغم أن الحكومة الكطلانية المدعومة بأغلبية انفصالية دعت هي الأخرى إلى الاحتجاج السلمي، ونزول الكطلانيين إلى الشوارع، ورغم أن الحكومة الاسبانية تهيأت بما فيه  الكفاية لمواجهة الأزمة، المثير أن آليات التنظيم المُحكم لهذه الاحتجاجات التي فاجئت الجميع، لم تكن من تنظيم ما يسمى بلجان الدفاع عن الجمهورية CDR التي أشرفت على الاحتجاجات السابقة وتشكلت بعد الاستفتاء القانوني يوم 1 اكتوبر من السنة الفارطة، وتبين لاحقا أن حركة جديدة برزت مباشرة بعد الأحكام تحمل إسم “التسونامي الديموقراطي” وهي نفس الجملة التي كان يكررها زعماء الانفصال أثناء محاكمتهم، ويتبين حسب المحللين والمتابعين للأزمة أن الجملة لم تكن اعتباطية ولا من محض الصدفة، وأنها كانت توجيها من وسط قاعة المحكمة ـ التي كانت تُنقل مباشرة عبرالاعلام المرئي والسمعي ـ لقواعد الانفصال الكطلانية وفق خطة مُحكمة لتنظيم المواجهة على المدى البعيد. وبينت تحقيقات صحافية أن الحركة تشتغل ببرنامج عبر الشبكة العنكبوتية عجزت قوات الأمن وأجهزة مخابرات الدولة اختراقه حتى الآن.

مشاهد العنف التي رافقت الاحتجاجات تستمر إلى الآن، وتتحول إلى أشكال من العصيان المدني ومحاولة المتظاهرين السيطرة على المواقع الاستراتيجية في أغلب مدن كاطالونيا كاحتلال مطار البرات El Prat ببرشلونة وقطع الطرق السيارة المؤدية إلى عاصمة الجهة، والاعلان عن اضرابات في الجامعات وفي قطاعات عمالية حيوية، وتعرف برشلونة اليوم ومدن أخرى بالجهة شللا تاما في ظل استمرار المواجهات. ومن مؤشرات تفاقم الأزمة دعوة رئيس حكومة تصريف الأعمال بيدرو شانشيص إلى اجتماع طارئ هذا الصباح 16 اكتوبر بكل من زعيم الحزب الشعبي بابلو كاسادو، وزعيم سيودادانوس ألبرت ريبيرا، وزعيم بوديموس بابلو إغلسياس، وتتداول وسائل الاعلام الاسبانية احتمال اتفاق الحكومة وأحزاب المعارضة على تفعيل الفصل 155 من الدستور وحل مؤسسات الحكم الذاتي بكاطالونيا، وكذلك قانون الأمن القومي. على الجانب الآخر تجتمع هذا الصباح الحكومة الجهوية في كاطالونيا وتتداول وسائل الاعلام احتمال انقسامات في صفوف الانفصاليين  بين أعضاء من الحكومة الجهوية الداعمة للإحتجاجات والتظاهرات، وأخرى تدين العنف وتطالب قواعدها بضبط النفس والالتزام بالسلمية في التظاهر والاحتجاج.

لا يبدو أن تداعيات الأزمة ستتوقف في القريب العاجل، واحتمال استمرارها وتطورها وارد وبقوة، ويزيد من حدتها أنها تُوافق اقتراب تاريخ الانتخابات التشريعية يوم 10 نوفمبر القادم. الواضح أن أزمة كطالونيا سياسية، وأن السياسيين الاسبان والكطلانيين أخفقوا من جديد في إيجاد حلول سياسية، وتطرف الحكومة اليمينية السابقة أفرز بالمقابل تطرفا كطلانيا وانقسام المجتمع الكطلاني إلى نصفين أحدهما انفصالي والثاني وحدوي، وجاء اللجوء إلى القضاء واستبدال السياسة بالردع ليؤجج من المواجهة والتي تجر إسبانيا اليوم إلى أزمة خطيرة أثبتت التجارب السابقة أثناء الجمهورية الثانية أنها لن تساعد على إيجاد حل لهذه الأزمة، ويتأكد اليوم أن العودة إلى الحوار وإعادة الملف الكطلاني إلى حضيرة السياسة هو الحل الوحيد والممكن لهذه الأزمة.

حتى الآن تستمر المواجهات، ويستمر الانقسام بين الوحدويين الذين يعتبرون أن الأحكام كانت مخففة ولا ترقى إلى مستوى الردع المطلوب في تهم من قبيل التمرد والعصيان ومحاولة قلب النظام، وبين الانفصاليين وعدد كبير من الكطلانيين الذين يعتبرون أن الأحكام قاسية وستساهم في المزيد من التوتر والاحتقان والتطرف، بينهما ترتفع أصوات تدعو إلى التريث، والعودة إلى الحوار والبحث عن حل سياسي لأزمة هي سياسية بامتياز، ومثل هذا الاختيار لن يستقيم حسب المعتدلين من الانفصاليين والوحدويين دون إصدار عفو عن المحكومين من زعماء الحركة الانفصالية.

من المؤشرات الايجابية القليلة إلى الآن أن اجتماع رئيس حكومة تصريف الأعمال مع زعماء الأحزاب الوطنية في البرلمان انتهى صباح اليوم 16 أكتوبر بالتوافق على الصرامة في مواجهة كل مظاهر العنف في التظاهرات والاحتجاجات، وعدم تطبيق الفصل 155 من الدستور القاضي بحل مؤسسات الحكم الذاتي، وقانون الأمن القومي في الظرف الراهن، ما ترجمه بعض المحللين إشارة من الأحزاب الوحدوية ومن حكومة تصريف الأعمال الاشتراكية بالرهان على الحوار والعودة بملف هذه الأزمة إلى طاولة الحوار والسياسة.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. بالفعل مؤسف هذا العنف المفتعل من طرف مجموعة راديكالية و نتمنى لبلدنا العزيز اسبانيا السلام و الاستقرار و لشعبه الامان و اجتياز هذه الأزمة العابرة ….قلوبنا مع المواطنات و المواطنين اينما كانوا في اسبانيا نموذج الوحدة ،التضامن و الديموقراطية @

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here