عبد الحكيم علي يزبك: سلام المستحيل.. الإحتلال والأسطورة

عبد الحكيم علي يزبك

“تجزئة الوطن شيئ غير شرعي لن نعترف به أبدا, وتوقيع المؤسسات والأفراد على اتفاق التقسيم باطل ولن يقيد  الشعب اليهودي, القدس كانت وستظل عاصمتنا الى الأبد, أرض إسرائيل سوف تعود إلى شعب إسرائيل, برمتها وإلى الأبد”, بهذه العبارات المسرفة في الوضوح رسم “مناحيم بيغن” أحد أوجه الرؤية الصهيونية للمستقبل لا في “فلسطين” وحدها بل في المجال كله المرتبط بها. ولا شك أن عرض “ترامب” الحالي عن “صفقة القرن” لا يحيد عن جوهر الرؤى الصهيونية ولا يسعى الى التخفيف من جموحها وعدوانيتها, ثم إن الاستسلام اللامشروط والذليل المغلف بقول السلام لا يعني أبداً إمكانية تحققه, كما يجسّد بالقدر نفسه استحالته القائمة على تمزيق وقائع الوجود والتاريخ والوعي. وكما لكل قضيةٍ ثوابتها يقع المرتكز الأساس في البروز الصريح لإنعدام إمكانية السلام لجملة أسبابٍ من أهمها طبيعة الاحتلال وأسطورته نعرضها موجزاً في ما يلي:

أولاً, في طبيعة الإحتلال: يقوم إحتلال العدو الصهيوني لأرض فلسطين على نمطٍ إستيطاني إحلالي, وهو يفترض بالتالي إعتباراً مسبقاً بفراغ أو تفريغ الحيز الجغرافي المنوي احتلاله واستيطانه, ويستند الى مقولته الأساس “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”, المقولة القائمة على اختراع الابعاد المكانية والاجتماعية على حساب السكان الاصليين, وهذه التصورات والممارسات التي شهد عليها ضحايا القارة الامريكية الاصليون لا يمكن لها أن تدخل حيز الإنفاذ والتمكن بالمفاوضات والسلام, فهذه العمليات الاخيرة تتطلب بالمقام الأول الاعتراف بوجودٍ وماضٍ وتاريخٍ “مغاير” والأهم أنها تتطلب الاقرار بمشروعية قائمة ومستمرة, وعليه فإنها تنسف اركان الاحتلال الاستيطاني وتنسف أحقيته المزعومة والمختلقة بإشغال الجغرافية المتاحة, وهنا تتبين البذور الانتحارية الأولى لأي مشروع سلام مطروح وفيها تكمن الاستحالة الأولى للأوهام المعروضة. ألم يقتل “إيجال عامير” “إسحاق رابين” الذي أمر بسحق عظام الاطفال الفلسطينيين لأنه وافق على نوعٍ محصورٍ من حكم ذاتي يديره تنسيق أمني كثيف بوجود عسكري إسرائيلي مباشر في أراضٍ محتلةٍ سلفاً, واعتبرته الاغلبية الساحقة من المستوطنين تنازلاً وخيانةً يستدعي الرقص والاحتفال على جثة رابين.

ثانياً, في الأسطورة: لا تتوخى الاساطير المنتشرة عادةً أي دقةٍ تاريخية بل حتى أي حدود واقعية, وهي لا تقدر على الجمع بين المغزى المطلق والوقائع الموجودة, من “الجيش الذي لايقهر” (والذي هزم شر هزيمة في جنوب لبنان وغزة) و”الأرض الموعودة” الى “الشعب المختار” وغيرها جمعت الاساطير المؤسسة للكيان الصهيوني بين عنصرين هامين, الفوقية والقوة العظمى, فمؤسسة الدراسات التوراتية المزيفة التي اغتالت كل التاريخ الفلسطيني واعتبرت بداعي البدعة مجموعة من قرى الكفاف البدائية أهم شأناً وأكثر حضارة من كل محيطها, هذا المحيط الذي ضم الحضارة الفرعونية وحضارات بلاد مابين النهرين وحضارات بلاد الشام وغيرها, واعتبرت بداعي الفوقية شكلها الاجتماعي التاريخي الاختراق السياسي الاهم وبداية التاريخ ونقطته المستنيرة, لا يمكن لها الاعتراف بشعبنا الفلسطيني وأرضه وحضارته وانتمائه, بل هي تعتبره مجرد عرقٍ قليل الشأن والحظ لا ضير إن نُقل وشُرِّد وطُرد بالقوة من وطنه وسُلبت ملكيته. ولعل أصدق تعبير يحمله الحاخام “كوهين” في كتابه بعنوان “التلمود” حيث يقول: “يمكن تقسيم سكان العالم الى قسمين, إسرائيل من جهة, والأمم الأخرى مجتمعة من جهة أخرى, فإسرائيل هي الشعب المختار وهذه عقيدة أساسية”. التوظيف السياسي للأساطير العدوانية لا يفاوض ولا يعترف, وتناقض الخرافات الاساسي يكمن في الوجود ذاته, وهنا استحالة السلام الثانية.

ليست “إسرائيل” مجرد كيان إحتلالي عادي, بل هي نتيجة للتلاقح المتوحش بين مصالح الامبراطوريات والخرافات الأسطورية التاريخية, تستلزم مواجهة دائمة مع الشعوب حتى تحقيق غايتها, وهذه المواجهة من العقم والعمق بحيث يشكل العنف الاحتلالي والعدوان المستمر ضرورةً لا بديل عنها لبقاء العدو الصهيوني, وليس مجرد آليات وممارسات تلجأ اليها عند تعرضها للخطر حسب ما يروج دعاة الانبطاح. فالشعوب لا تُهزم وحركات المقاومة الشعبية اليوم أكثر تجذراً وقدرةً ووعياً, ودمى المسرح العميل من الانظمة العربية التي تهلل لصفقة القرن لا تمثل شعوبها, ولا يمكن لها أن تستمر الا بالحماية العسكرية والرعاية الامبراطورية التي تسند كيان العدو الصهيوني نفسه. لا شك أن المواجهة طويلة وصعبة ومكلفة, لكنها مواجهة الأرض والشعب والهوية والوجود, ما بين الاحتلال وفلسطين, إسألوا غزة ولكم فيها أحسن المثال.

كاتب عربي من لبنان

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here