عبد الحكيم علي يزبك: بعيداً عن هوليوود: مذابح أمريكا

عبد الحكيم علي يزبك

مرضٌ عقلي, جرائم وحوادث كراهية, جريمةٌ ضد الإنسانية جمعاء, هجومٌ على الأمة, من “إل باسو” إلى “دايتون” عرضت هذه العبارات لجملة المواقف التي تبناها المسؤولون الأمريكيون ومعهم وسائل الإعلام رداً على المذابح. أفلام هوليوود لم تعد قادرةً على تعمية البصيرة العالمية, الموقف بات واضحاً إلى حدٍ مقبولٍ, شيئٌ ما يحدث في الولايات المتحدة, الشخصيات الخارقة للعادة أمست شبه عاجزة, “سوبرمان” “أفنجرز” وغيرهم من الرفاق تحولوا الى دمى عاجزةٍ عن المستحيل_العادي, هذه الشخصيات المفعمة بالأنانية والفردية المطلقة وبفضل الإنتشار الرهيب لشبكات الوسائط الاجتماعية عبر الانترنت لم تستطع أن تمارس سحرها الهوليوودي, أمريكا تتغير بوتيرة لا يستطيع أي إنتاجٍ سينمائي تلميعها.

الأزمة الراهنة عميقةٌ وخطورتها الكبرى تتجلى بميدانها, إنها تحدث في المركز العالمي الذي يفترض به أن يدير “نهاية التاريخ”, حتّى الأساطير المؤسسة للثقافة والقومية الأمريكية أصبحت جامحة الفعالية, مقولة “جون وينثروب” الشهيرة “مدينة فوق التل” وأسطورة “جون إل أوسوليفان” عن “القدر الواضح” تقمصت الوحشية داخلياً, كان يفترض بها أن تضمن على الأقل سلامة النظام في الداخل الأمريكي بعد الانتشار الدموي الكولونيالي على مدى قرون, “الليبرالية” طوّعتها وأسقطت أخر مقولات الاجتماعي لصالح الاقتصادي, القيم والأخلاق والحضارة فرائس سهلة يبتلعها بكل بساطة الربح المادي السريع, “الحلم الأمريكي” جرى تعريته طبقياً حتّى من ورقة التوت واستحال نكتة الفقراء اليومية, الهوة المتسعة والصراع اليومي للمحافظة على أوضاعٍ سيئةٍ من الانهيار يكشفها عدد الفقراء المتزايد وتركز التريليونات في أيادي القلة, كيف لا والدين العام الأمريكي حسب المعلن قد يتجاوز 22 تريليون دولار بكثير وبمعدلٍ يبلغ مليارات الدولارات يومياً. أمريكا “القدوة” تقود العالم بسرعةٍ لكنها تقوده نحو الهاوية, فماذا عن أمريكا داخلياً ما هي العوامل الّتي مهدت لما يحدث؟

تتسع برامج الرئاسات الأمريكية المتعاقبة دون استثناء وإن بدرجاتٍ متفاوتةٍ للمطلب الأكثر إلحاحاً وأهمية, قدسية القطاع الخاص وقدسية أرباحه, ولا بد لضغط الجدول الزمني تحقيقاً للأرباح وزيادتها أن يترافق مع فلسفةٍ مناسبةٍ, وقد وجد النظام الأمريكي وتطور مراحله التاريخية ضالته في الفلسفة الليبرالية, وهي تشكل الأساس في تفسير العوامل الممهدة لهذه المذابح, ونعرضها لأبرزها في ما يلي:

أولاً, الإعتبار الاجتماعي: ترتبط معايير الوضع الاجتماعي في الولايات المتحدة ارتباطاً لا انفصام لعراه مع الكفاءة الاقتصادية, أي مع القدرة على تحقيق الربح المالي السريع وبالتالي تشويه منظومة القيم والأخلاق عبر محاولة حصرها بالجانب الاقتصادي دون غيره, مما يؤدي الى تراجع وتحلل العلاقات الاجتماعية القائمة على اعتباراتٍ أسريةٍ أو إنسانيةٍ أو أهليةٍ, ومن الطبيعي أن يتحول بعض الأفراد المقصيين والمفقرين بفعل السياسات الليبرالية الى مشاريع أعداء لمجتمعٍ أصبحوا فيه “غرباء”, ومن الطبيعي أيضاً أن يكون الضحايا من الفئات الأكثر ضعفاً وتهميشاً والذين يتحملون مسؤولية غير منطقية, ففي حالة “إل باسو” كانت المذبحة ضد المهاجرين وذوي الاصول الاسبانية, وفي حالة “دايتون” كانت المذبحة ضد “الجميع” حتى شملت أخت المجرم نفسه. والغريب أن الاعلام الامريكي يهاجم  “ترامب” كمسؤولٍ وحيدٍ عن اللحظة الراهنة, ويصف المجرمين بأنهم ذو ماضٍ مضطربٍ متعامياً عن الاسباب الحقيقية وراء الاضطراب والارتباك والقلق وانعدام الآمال.

ثانياً, أسطورة القوة المنظمة للسوق: لم تلعب قضية العنف دوراً مركزياً في النظرية الليبرالية, فالأسطورة القائلة بقدرة السوق على تنظيم نفسه وتكامله مع الانتشار الديموقراطي أثبتت زيفها على أرض الواقع, ولم يسعفها إنكارها لمركزية الصراع بين القوى الاجتماعية في وقف انكشافها المتسارع قيمياً, فانحدرت “المساواة” الى مستوى النظرية المتهالكة وارتفعت أرصدة “الحرية”, فالحقيقة المعاشة تثبت أن المساواة مطلوبة فقط لاستكمال شروط المشروع الخاص وشروط التنافس الأولية النظرية, بينما تقف الحرية عند مستوى القمة مرتبطة بآليات وحركية السوق مثبتةً أوضاع الاستغلال الاجتماعي, فكل ما ارتفعت الاصوات المنادية بالمزيد من الحرية والانفتاح خسرت المساواة لصالح الفردية المفرطة. إن قصور الوعي الاجتماعي المرتبط بالوجود الجماعي والناجم عن هيمنة الليبرالية وآليات السوق, يدفع بالأمريكيين الى تقديس الحرية الفردية المطلقة و تعظيم قيم “اللامساواة”, ويشترك مع الرؤى الاجتماعية الموروثة الملائمة لتوجهاته وخاصةً العنصرية (عنصرية البيض بشكل أساس) بتوليد العنف والكراهية اللازمين للتفجير عند أي فشل في النظام القائم, فالفشل الاقتصادي في الولايات المتحدة يقوم خارجياً على الغزو العسكري الممنهج  ونهب الموارد والبلدان, ويُعبَّرُ عنه داخلياً بالقاء اللوم عرقياً ودينياً وجنسياً على فئاتٍ تسعى لتدمير نمط الحياة الامريكي, فالجرائم ضد السود والمهاجرين والمتعاطفين معهم والاسلاموفوبيا والنساء تقع ضمن هذا المجال.

ثالثاً, التاريخ الأمريكي: ليست الولايات المتحدة مثقلةً بأعباء تاريخية تشكل تحديات يجب التعامل معها بدقة وتروي, فتاريخ نشأتها الحديث يعفيها من المتطلبات التاريخية التي تقيد دولاً كثيرة, ويضاف اليها اعتبارها الأساسي كموطنٍ قائمٍ على أسس الاستعمار الاستيطاني وإبادة الشعوب الأصلية, لذلك فإن التاريخ الأمريكي القصير نسبياً الغارق بالعنف منذ ابادة الهنود الحمر حتى التدخل العسكري الامريكي الكوكبي (ماهو متناسب مع المقتضيات التاريخية للتوسع الرأسمالي), غذّى عند الأمريكيين نزوعاً الى ثقافة الحرب والعنف والنظرة الدونية الى الثقافات والاعراق المختلفة عنه وميلاً الى حيازة السلاح, وانتشار الجرائم المرتبطة بالعنصرية والكراهية والقائلة بأوهام التفوق العرقي واللوني وأساطير الفردية عند كل ازمة اقتصادية. فعناصر المجتمع الفائضين عن الحاجة اقتصادياً يجدون أنفسهم مشبعين بهذا الرصيد العنفي العنصري في مواجهة أقرانهم الذين يعملون بالنظام نفسه, ويجدون أنفسهم نتيجة تخلف الوضع الطبقي وغياب هياكل المقاومة المناسبة في وضع ضاغطٍ, قد يدفع عند نضوج الظروف النفسية وانعدام الآمال الى ارتكاب ردات فعل مستندةٍ الى معايير المحتوى التاريخي الأمريكي.

ماذا بعد؟ لايمكننا حصر العوامل الممهدة بما سلف, فالفعل هو نتيجة تراكمية للكثير من الدوافع والمحفزات والسلوكيات والممارسات, لكن واقع الليبرالية بنسختها الأمريكية وتعميقها للواقع “الاقتصادوي”, وانعدام البدائل المناسبة وانتشار النمط الامريكي عالمياً بشكل مخيف, يزيح جانباً بخطى ثابتة كل التسويات القائمة بين الاجتماعي والاقتصادي وهي تسويات هشة أصلاً, ويحيد الطروح الانتقالية (وبذور الحلول الراديكالية) مؤقتاً ولمدى زمني غير واضح عن جدول التطور التاريخي للبشرية. ويمكننا القول أن المذابح الحاصلة اليوم هي تعبيرٌ عن الأزمة العامة لهذا النظام, وهي مرشحةٌ للتوسع والازدياد أكثر وقد تكون الشكل البدائي لحالات أكثر خطورة وتعقيداً, وليس في الافق المنظور ما يبشر بالتغير نحو الافضل, خاصةً أن هذا النظام قد اكتسب خبرةً عالية على امتصاص الصدمات واستيعاب الحركات المضادة, وهو ماضٍ في سياساته الخالية إلا من تقديس الربح المادي السريع وكل ما يقع في خدمته.

أفلام “الكاوبوي” والمتوحشين الهنود الحمر, ونماذج الأخيار “good guys” و الأشرار “bad guys”, هي الامثلة التي لطالما تفاخرت هوليوود بعرضها علينا, لكنها اليوم تفقد الكثير من مقاصد وظيفتها مع تركز أنظار العالم على الداخل الأمريكي, هذا العالم الذي ينتظر مجبرٌ أن ينتهج حركة مقاومة كمشروع انساني, فبعد كل شيئ أعداء أمريكا هم أعداء الفضيلة وفقاً لها, وإلا صدرت لكم المذابح مع كل سلعة وصفقة.

كاتب عربي من لبنان

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. حكيم يزبك كلام دقيق يصف الواقع الذي نعيش فيه وواقع الحال لهذه الدوله التي تتباها بالحريه والديمقراطيه بينما هي بعيده كل البعد عن هذه الصفات والاخلاق .فمنذ تكوين هذه الدوله الغاصبه للارض فقد بنيت على تدمير حضاره الهنود الحمر وابادتهم .فكيف لهم بعد هذا الماضي المشين ان يتباهو بالحريه والديمقراطيه فانهم عنصريون اكثر من المفروض وشموليون وهدفهم الهيمنه العالميه وتدمير اقتصاد الشعوب والتبعيه ونهب خيرات البلدان .فهم لا يتوانون عن اعلان حرب شامله من اجل السيطره الاقتصاديه او العسكريه

  2. ما بين الليبرالية الانانية و نظام رأس المال الجامح و تاريخ الإبادة الجماعية و تقديس الحرية الفردية و السلاح، و الإيمان بتفوق العنصر الأبيض مع المباركة الالهية وصلت أمريكا إلى هذا الحال ولا يزال القطار مندفعا بدون كوابح.
    مقال يكشف كل المسببات بحرفية وعلم.

  3. الأستاذ عبد الحكيم يزبك.
    هذا الموضوع الذي لطالما راودني منذ فترة، كنت أتساءل دائماً ما هي الأسباب الكبيرة التي يمكن ان تكون دافعاً لمثل هكذا جرائم في بلد كثيراً ما سمعنا عن القيم الجميلة كما يزعم العالم الغربي.
    مقالة موفقة وشرح يعطي صورة عن الواقع الأميركي الزائف.
    دمت بهذا التألق. تحياتي لك

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here