عبد الحكيم برنوص: إيلان: خذوا الوطن وأعطوني سريرا لأنام!

abdel-hakim-barnous.jpg666

عبد الحكيم برنوص

الصور التي كانت تتناقلها وسائل الإعلام، عن بلاد العرب وما يقع فيها، أصبح الأوروبيون الآن يشاهدونها بالبث المباشر والحي، وأصبحت واقعا يقع بين ظهرانيهم، والناس الذين كان يسمع بهم سكان أوربا،هم الآن ينامون ويتوسدون سلالم منازلهم، والعربي الذي كان يبعثون إليه بالجنود  والعساكر، قصدهم فاتحا صدره العاري، يريد شربة ماء …

 السوريون والعراقيون والفلسطينيون …الذين كانت وماتزال تدكهم الطائرات الغربية الصنع، خرجوا من تحت الأنقاض، وحملوا أنفسهم وركبوا أول قوارب الموت وقصدوا عرين الرجل الأبيض        ( يبقى من الواجب الاعتراف للمغاربة، بالسبق في اختراع الحيلة والتسمية، ولم يبال بهم أحد حينها)، ويكفي أن يفتح المجري أوالنمساوي …شرفة منزله، ليجد عائلة بأكملها تنظر إليه في انكسار تام.

والقطارات التي كان يستقلها الرجل الأبيض، تلونت سحناتها وتلثمت، وعوض أن يسمع الناس صفير القطار، صم آذانهم بكاء الأطفال ونفت القطُر الدخان الأسود في وجوه العالم حزنا وحدادا، على هؤلاء الناس الذين تكالبت عليهم أمم الدنيا، وأُفرغت أوطانهم، وقيل لهم سيحوا في الأرض أربعين سنة أخرى…

خط الدفاع الأول الذي أقاموه في فلسطين والشام وبلاد الرافدين … تراجع إلى حد بعيد، بعيد جدا وتلاشى، بعد أن غصت الطرقات ومحطات القطار والمزراع، بهؤلاء الناس الذين يضعون أرواحهم على كفهم، ويقايضون بالوطن الجريح المسلوب، أي فسحة على الأرض بها قطرة ماء وكسرة خبز وذرة من كرامة.

ما كان لكما أيها النبيلان الأوروبيان ( سايس وبيكو) ـ يقول لكما الطفل أيلان ـ أن تخرما شرقنا قطعة شطرنج، ما كان ضروريا أن تقتلوا ملكته  وتشردوا أبناءها…

ها أنا أعود إليكم مسجى فوق الرمل، ولوأسعفني الوقت قليلا، قليلا فقط، لهمست في أذن أحفادكما، أن الحياة ضاقت بنا، بعد أن جئتم بأزلام الأرض ونصبتموهم علينا، وأخرجتم الأحقاد من مكامنها.

أنا من عين العرب، العين التي فقأتم  وتجاذبتم أطرافها، وتناوبتم تمصون نسغها واحدا واحدا… ألا تكفون!  ما كان ضروريا أن تفرغوا عيننا من مائها، وتعمروها  بالحقد والتقتيل.

وبعد، فإنه غير مبرر إطلاقا هذا ” الحيص بيص” الذي يتخبط فيه القادة الأوربيون، ففي الوقت الذي ينادون فيه باحترام روح اتفاقية ” شينغن”، أساس الاتحاد الأوربي، والتي تلغي الحدود بين عدد من دوله، التي وقعت على الاتفاقية، وكفلت حرية تنقل أفراد هذا الاتحاد، في الوقت نفسه الذي تبني فيه دول أوربا الشرقية ( بإيعاز من باقي دول الاتحاد ) مئات الكيلومترات من الحيطان والأسلاك المدمية ( يبني مرشح الانتخابات الأمريكية “ترامب” حملته على وعد بناء الحائط العظيم، الذي يفصل بين أمريكا والمكسيك، استلهاما من حائط الكراهية الإسرائيلي ).

عندما يولد رضيع فلسطيني واحد، ترتعد فرائص الاحتلال الإسرائيلي،لأن أخشى ما يخشونه هناك ( ناهيك عن  ظلال الشيخ أحمد ياسين ) هوأن يغرق الإسرائيليون، ويذوبوا داخل الرحم الفلسطيني الولود.

 لقد اعترفت مستشارة الألمان ( دع عنك كليشيهات الترحيب والمواساة، واعلم أن اللبنانين استفاقوا ذات صباح يقرؤون الجرائد المعتادة، وصدمهم أن بلاد الدانمرك تحذرهم من مغبة التفكير في القدوم إلى بلاد الفايكينع…) أن هؤلاء الذين نبتوا فجأة داخل التراب الأوروبي، ووقفوا على الأعتاب الألمانية لا يبغون غيرها، يشكلون أكبر تحد يعرفه الجرمان بعد الحرب العالمية الثانية،التي وقف فيها العالم “المتسامح” ضد رجل كان يعتقد أن الجنس الآري هوالجنس الوحيد الذي يحق له العيش والحياة على كوكب الأرض.

لذلك لم يكن ضروريا إحداث كل تلك الفوضى، وإغراق المنطقة بالدم والحقد والثأر، كان عليهم فقط أن يدعوهم  يستبدلوا وطنا بآخر.

facebook /abdelhakim.barnos

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here