عبد الحكيم برنوص: “إسرائيل” المحتلّة

عبد الحكيم برنوص

من سوء حظنا، أو لعله من  حسن جَدّنا، أن عربيتا لا يظهر فيها التمييز أحيانا، بين اسم الفاعل والمفعول، بين الظالم والمظلوم، بين المعتدي والمعتدى عليه، ولولا حروف التعدية والسياق، لبقي الأمر ملتبسا مغمّضا. ففي السياق يتم اكتشاف المعنى، أو يتم الاقتراب منه ولو قليلا،  للفصل بين المحتل والمحتلّ ( يبدو أن الأمر ما يزال لبوسا).

 السياق فاصل، إلا على مُدّعٍ، والمدّعون في هذا الزمن كثْرٌ، يدلفون إلى اللغة فيلبَسونها ويلبِسونها ويتلبّسون بها. بين ثنايا اللغة والكلام، تضيع الحقيقة وتُضيع، وبين السطور يدس النّاس سطوتهم، ويعقِدون مقامعهم. فالنص قيد، والمواثيق ميثاق وأغلال وأصفاد.

يبعث المتواطؤون بلجان التقصي، فيدمصون الحقيقة، ويُلقون بها في غياهب الفهم والتأويل، ويْلهون الناس بالتأويل والمعاجم ليَعجم الفهم ويعقد البيان. ويُصيّرون اسم الفاعل مفعولا، واسم المفعول فاعلا. سبتة السليبة، سبتة المحتلة، وبين هذا وذاك نقف أمام الدولة الإيبرية ( المستعمِر القديم الحديث) بدون نعت ولا توصيف. وفلسطين المحتلّة، و”إسرائيل” المحتلّة، وداخل فناء اللغة المراوغ يكون التوقيع والتطبيع.

اللغة راية المُنتصر، يغرزها في حلوق المهزومين غرزا، فيعدو الكيان دولة، والعدوان دفاعا عن النفس، والإكراه وليُّ الأذرع صلحا، والحرْب والخرْب والنهْب إعمارا واستثمارا.

تُطفئ اللغةُ الحربَ وتُشعلها، وباللغة يحتمي الضعيف، وبتلافيفها يُشنق المعنى ويصْلب، وبِشفرتها الحادة يجزّ المُدون أعناق الموقِّعين، فهل تنتهي الحرب دون ” معاهدة” ؟ وهل يُغادرُ المهزوم دون أن يدسّوا في جيوبه الخلفية كتاب الخيبة والهزيمة؟

اللغة جبهة أولى للقتال وللتضليل، ولم يكن عبثا أن كانوا يدسّون الوثائق في جوف الصخرالمشيد، ويمنعون الاطلاع عليها، ويُبقون تأويلها بعيدا عن الأفهام، فيجب ألا يعرف الناس، وحتى إذا عرفوا يجب ألا يفهموا.

ما الذي يفهمه الناس من محاكم التفتيش؟ وما يرسب في ذهانهم عن الانتداب والاحتلال والحماية والغزو والفتح؟ بل ما ذا يصعد إلى الرأس لمّا يسمعون تركيبا مثل ” سكان أمريكا الأصليون” ؟ و” الاكتشافات الجغرافية”؟ التمويل المصرفي”؟ و”الميز العنصري”؟ وغيرها من الكلام المبطن.

 ترهلت اللغة، وانتفخت أطرافها، وصدِئت وبعُدت شقتها عنا، وأصبحت تعني ما لا تعنيه. والطريق إلى المعنى سرداب يضيع في دهاليزه السذّج الفاغرون عقولهم. فكبر اللفظ والتوى، وحُمّل من المعنى ما يطيقه وما لا طاقة له به، حتى غذا مثل أخشب كبير، يُطبقون به على الناس، وكي يصل هؤلاء الناس إلى قمم البيان والتبيُّن ، تهوي بهم السفوح الزلقة والمسنّنة للكلم، في مهاوٍ سحيقة، وبعيدة القرار، فلم تكن اللغة أبدا بريئة قطّ كما يعتقد المغرضون.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here