عبد الحفيظ بن جلولي: تونس.. وسقوط الديناصورات: أوراد الدّيمقراطية نتلوها أحرارا

 

عبد الحفيظ بن جلولي

 

لم يكن غريبا أن يختار الشعب التونسي رغم المشاركة المتواضعة نوعا ما في الانتخابات الأخيرة في دورها الأول، والتي كانت في حد ذاتها تعبّر عن العزوف الفاعل الذي يترجم احتجاجا سياسيا ضد سلوكات حزبية لم تحقّق ما كان مأمولا منها لصالح الشعب، فلم يكن غريبا هذا الاختيار لشخصيتين تقعان في التصنيف السياسي الدارج في واقع الأحزاب المتواجدة على الساحة وثقيلة الوزن، على هامش دينامية الكيانات السياسية، ولكنّهما أحدثا المفارقة واستطاعا العبور إلى الدّور الثاني، مطيحان بالشخصيات التي كانت معتدّة بنفسها ومطمئنّة إلى قواعدها التي يبدو أنها هي الأخرى قد نفضت أيديها من ممارسات ايديولوجية لأحزابها التي لم تحقّق حلمها في التشبيب ومعانقة الأفكار والممارسات السياسية في عالم يتغيّر ويتحوّل باستمرار.

الدّفع بالكتل  السياسية ومصير السقوط:

أظهر المجتمع التونسي بكثير من الحنكة السياسية والتجربة التي تعرِف كيف تعبّر عن نفاذ صبرها من ممارسات لم تعد تحتملها سياسيا، اجتماعيا واقتصاديا، فما كان منها إلا انتظار الموعد الانتخابي الفاصل والإدلاء بصوتها معلنة كلمتها الفصل في معاقبة من لم يحقّقوا للجماهير حلمها في التغيير المنشود الذي حلم به البوعزيزي وقدّم جسده كدمغة شاهدة وشعلة مستمرّة في سبيل أن يصل التوانسة إلى مستوى الإنسان الأفضل المكرّم بالعقل وبالحرية، وكان من عبقرية هذا الشعب أنّه منح عددا كبيرا من المترشحين تأشيرة العبور إلى التباري على حلبة المنافسة من أجل الوصول إلى قصر “قرطاج”، وعدد المترشحين المبالغ فيه لم يكن بسبب عدم وجود شخصية كاريزمية يتم الالتفاف حولها كما فسّره البعض، بل كان دلالة على أنّ مساحة التسامح زاد من اتساعها الإحساس العقلاني بالديمقراطية، وأيضا كان لعبة ذكية من الشعب للدفع بهذه الشخصيات ممثلة لأحزابها العتيدة إلى قمّة العملية الانتخابية ومن ثمة جذب البساط من تحت أرجلها وتركها لمصيرها تصارع السقوط المريع لكياناتها الاعتبارية، وأيضا تمرير رسالة إلى الأحزاب بأنّ الشعب يمتلك من الوعي لكي يفصل بين خطاب الإيديولوجيا وخطاب العمل، خطاب الصدق وخطاب النفاق السياسي.

جاري يا حمودة ونشوة الانتصار:

كمتابع جزائري للشأن السياسي التونسي من منطلق شراكة تاريخية وثقافية وسياسية، يمكن لي أن أسجّل شعوري وأنا أسمع بالنداء العميق للوجدان التونسي وهو يرفع سياسيا أشخاصا ويضع بعضهم، فكما حفر فرحته ذلك الشخص الذي خرج بعد انتصار ثورة الياسمين معلنا “بن علي هرب”، كذلك لم أكن أرى في الشوارع ولا في مراكز الانتخاب ولا في المقاهي ولا في البيوتات المحتفلة بالانتصار، سوى صوت الأغنية الشعبية “جاري يا حمودة”، التي اشتهرت في سبعينيات القرن الماضي والتي ارتبط بها وعينا كأطفال نردّدها بلهجة التوانسة، وتكرّست على مستوى الهندام، فظهر نوع من السترة نصف كم (tricot demi manche) يحمل اسمها.

تأثّثت الشراكة التونسية الجزائرية تاريخيا بأحداث ساقية سيدي يوسف، حيث تلقينا خبرها أطفالا في المرحلة الابتدائية، أين قصفت القوات الاستعمارية هذه القرية على الحدود الجزائرية التونسية في 1958 لمنع مرور الأسلحة إلى الجزائر، فاختلطت دماء البلدين، ثم على المستوى الثقافي ارتبط وعينا بفيلم “عطلة المفتش الطاهر” الذي رافقت أحداثه مقاطع من موسيقى “جاري يا حموده”، والفيلم جزائري أنتج عام 1972، صوّرت معظم أحداثه في تونس، وأيضا على المستوى السياسي تزامن المدّ الدّيمقراطي في تونس ببهاء الحراك الثوري في الجزائر، وهذه المستويات الثلاث لا تكشف سوى عن مدى الارتباط الموضوعي بين الدلالات المنتجة لواقع الفرح الجماعي للحالة العربية المفردة، التي سوف يكون لها ما بعدها بعد أن نضج الوعي السياسي لدى الشّعوب على نار هادئة، كان من أهم أثارها سلمية المسعى الذي من خلاله قامت هذه الشّعوب تطالب بنسائم الحرّية الطالعة من عرق نضالها التاريخي من أجل مواطن مسالم في وطن حر.

لحظة الجماهير أو الهدير الصّامت:

تكلّمت إحدى طالبات المترشّح الرّئاسي الفائز في الدّور الأوّل قيس سعيّد في منبر إعلامي قائلة: إنّ الأستاذ استطاع أن يجعلنا نؤمن بأفكاره، ودليل وصولها إلينا وإيماننا بها، هو أنّ الوعاء الأكبر الذي صوّت لصالحه كان شبابيا، وفي إعلان عن الوضع الاجتماعي الذي يحيط العملية السياسية من حيث التركيبة البشرية، فالشباب هو الذي أحدث المفارقة وعبّر في نوع من الانتقام السّياسي من الطبقة المؤدلجة التي لم يكن لها من زاد سوى الوعود كما هو عموم الطبقة السياسية في الوطن العربي، فسعيّد الحاصل على% 4. 18 و نبيل القروي الحاصل على %58  . 15، وكلاهما سوف يُسيل الكثير من الحبر والكلام، مع أو ضد، وهذا كله يعتبر مؤشرا صحي في مسار الحركة الدّيمقراطية، فطبعا قد يثير سجن القروي إشكالات قانونية في حالة فوزه، رغم أنه  رغم أنّ المعطيات ربّما في قراءة استشرافية قد تؤول بالفوز إلى المترشّح الحر قياسا على النتيجة في الدور الأول، وقد يفوز القروي، وبالتالي فإنّ الميكانيزمات السياسية والقانونية كفيلة بأن تفرز حلولا تسمح بالتحاقه بمنصبه وخصوصا بعد أن أكّد  “نائب رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات فاروق بوعسكر، الإثنين 16 سبتمبر/أيلول 2019، إن الهيئة “ستكون أكثر إلحاحًا وحرصًا” من أجل تمكين مرشح قلب تونس نبيل القروي من المشاركة في الحملة الانتخابية في الدور الثاني”.، ويبقى المثير فعلا في هذه التجربة الديمقراطية هو سلامة الصندوق من مرض التزوير، وارتفاع الحس الديمقراطي والمسؤولية الوطنية الناتجة عن تلمّس المعنى الحقيقي للمواطنة.

الدرس السياسي الذي نأخذه من التجربة التونسية هو المنطق السلمي الهادئ في إزاحة ديناصورات الكيانات السياسية، التي تضخّمت صورتها في مرآة ذواتها ونسيت أن ترى نفسها في مرايا شعبها، فكانت الإزاحة قاسية رغم إنّها حدثت برفق، فمورو والشاهد والمرزوقي وحمة الهمامي، لا شك وأنّ تداعيات الهزيمة سوف يكون لها ما بعدها على وضعهم السياسي في أحزابهم، وعلاقاتهم بالشعب التونسي، أي القاعدة السياسية العريضة للحزب الأكبر، “تونس”، الفائز في الدورة الأولى وفي الدورة المقبلة، والفائز أيضا في معركة التخلص من الديكتاتورية وتنفّس هواء الحرّية.

الجزائر

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here