عبد الحفيظ بن جلولي: المقاومة الفلسطينية وعي الصّواريخ  بين “القسّام” و”الإعلام”

 

عبد الحفيظ بن جلولي

لا أقصد بالإعلام سوى تلك الكاميرا البسيطة التي نمت مع منى ومحمد الكرد، وتطوّرت لا في شكلها ولكن في وظيفتها التّعْرَوِية لتجاوزات وظلم الكيان الغاصب، ولا تختلف صواريخ “الإعلام” عن صواريخ “القسّام” في شيء، فإذا كانت مهمّة “القسّام” هو مواجهة الكيان الغاصب بالنّار، فإنّ مهمة صواريخ “الإعلام” هي تفكيك بنية العقل الصّهيوني باللغة والصّورة، فلقد نشرت جريدة الغارديان البريطانية على صفحتها في اليوتيوب في يونيو/حزيران 2011 فيديو للشّقيقين محمد ومنى في طفولتهما وهما يقولان للمستوطنين بالعبرية: “يا سارقين غادروا المنزل”.

يعتبر المكان الفصل الأبرز في سردية الهوية، إذ كيف يمكن للإنسان أن يقدّم نفسه إلى العالم دون أن تكون له تربة تشدّ جذوره إلى ذاته وفي نفس الوقت إلى العالم، فعندما نطرح أنفسنا كذوات أمام الآخرين، في حقيقة الأمر إنّنا نفعل ذلك مفعمين ومكثّفين بالأرض التي ننتمي إليها، فالهوية ليست في النّهاية سوى تاريخ التراب الذي نحمل منه قبضة إلى منافينا، حتى تكون تلك القبضة هي الوسادة التي نضعها تحت رؤوسنا ونحن نفارق هذه الأرض الطيّبة التي حملت أحلامنا بالعودة إلى هويّاتنا، أي إلى أتربة جذورنا الأولى، وبهذا يكون دفاع أهالي الشيخ جرّاح عن حيّهم بمثابة الإعلان عن الهوية التي لا يمكن المساس بها لأنّها تحمل صورة المستقرّين بالحي وهم يحلمون من داخله بالعالم وهو يصافح المكان/الشّيخ جرّاح باعتباره كيانا وهوية فلسطينيتين، والتّفريط فيه إنّما يعتبر تفريطا بالحبل السُرّي الذي يشدّ الأهالي إلى الوطن.

لا يمكن للصّهيوني الذي جاء ليحل مكان صاحب الأرض ممتلئا بوهم الأرض التي لا شعب لها، أكبر أكذوبة اخترعها الغباء الصّهيوني وعدم الوعي بالتّاريخ ليجعل من فلسطين أو “فلستة” الكنعانية، مسرحا للأساطير المؤسّسة للسياسة الإسرائيلية على حد تعبير رجاء غارودي، ولو فكّر العقل الصّهيوني الذي ليس له من صفة العقل سوى أنّه يعتقد في قرارة نفسه أنّه دخيل وجَماع شتات وخلاصة مجموعة أراد الغرب التخلص منها. لو فكر هذا العقل قليلا لأدرك أنّ التّاريخ تبنيه الجغرافيا، إذ لا يوجد شعب من دون هويّة تتشكل داخل أطر الحدود المرسومة على حواف مساحة من تراب، والاحتلال هو تعبير عن هذه السّخافة التي تريد اقتلاع وعي شعب بهويّته التّاريخية كما حدث مع الجزائريين ويحدث مع الفلسطينيين، ولهذا كانت حركة شابَّيْ آل الكرد، محمد ومنى، من أعمق التّعبيرات عن الدّفاع على الهويّة باعتبارها قطعة التّراب التي تَشكّل فيها الوعي بالذّات باعتبارها صانعة للتّاريخ، ولهذا لم يستصغرا الأدوات التي تمكنهما من أن يثبتا هذا الحق، وأن يكشفا الظلم الصّهيوني في تدمير العلاقة بين الوعي الفلسطيني وتراثه التّاريخي.

إنّ الكاميرا البسيطة ومنصّات التّواصل الاجتماعي كانتا الأداتين البارزتين في كشف المضايقات والتحرّشات التي يمارسها الجيش الصّهيوني والمستوطنين المتعصّبين الذين يرومون إبعاد فلسطينيين يعيشون منذ عقود في حي الشّيخ جرّاح، ويكفي هذا تعبيرا عن الأزمة التي يعاني منها اليهودي/الصّهيوني باعتباره منبوذا ومنفيا في هويّة شتاتية يريد أن يتخلّص منها بخلق بؤر شتاتية تغطّي على اغترابه الوجودي المعرّف في مجال “الدياسبورا” أو التّيه التاريخي الوجودي.

لا يمكن لأي مناضل يحمل هويّة الثّبات على مبدإ الحفاظ على الأرض باعتبارها جغرافية تحمل هويّة تاريخية لا يمكن الانفصال عنها، إلا إذا كان المنفصل يريد التنكر للهوية الأصيلة، ومن ثمّة فإنّ مساندة منى ومحمد الكرد لسكان الشّيخ جرّاح تدخل ضمن منطق النّضال الإنساني من أجل الحفاظ على الاستمرارية في المكان، وبالتالي، إبعاد القطيعة مع الهوية التي تُنتج داخل المكان، أو الصّورة البكر لوقائع الوعي بالحياة وبالذّات وبالتّاريخ، وبالتالي بالوطن، فهل يمكن مقايضة الوطن بأطر بديلة منهكة تتوهّمها الذّهنية الاستيطانية لتحقيق أرض الميعاد المزعومة؟

لا يمكن للصّهيوني المحتل أن يستوعب سلوك محمد الكرد الذي بمجرّد معرفته باعتقال شقيقته، بادر بتسليم نفسه دون أن يعرف سبب طلبهما من قبل الشّرطة الصّهيونية، إنّ محمد يتصرّف انطلاقا من قيم الجماعية النّضالية والتّضحية التي تتجاوز فردانية الصّهيوني الباحث عن اللذة، لذّة الاستيلاء على ملك الغير وعلى هويّته وعلى تاريخه، بل وحتى على ملبسه ومأكله التّقليديين، إنّ قيمة الشّرف والرّجولة لا يستطيع أن يفهمها الصّهيوني الذي لا تربطه علاقة الوفاء لا بالعقيدة لأنّه يسخّرها فقط للحصول على مآرب شخصية ولتحقيق مزاعم توراتية، ولا بالأسرة، لأنّ الرّوابط التي تشدّ هذه العلاقة مهزوزة بفعل الاحتلال الذي يدمّر كل علاقاته بنفسه لممارسته الظّلم اليومي في حق صاحب الأرض مسلوب الحق في الحياة والعيش الكريم.

إنّ لحظة اعتقال منى الكرد والتي كانت هادئة، لا تعكس وداعة أو حملوية ( من الحَمَل) الشّرطي الصّهيوني، بل بالعكس تكشف مدى تكريس الذّات الفلسطينية لقضيّتها، إيمانها الرّاسخ بها، واستعدادها لكل التّضحيات بما في ذلك الاعتقال أو السّجن وإن طال، أو الموت إن استدعى الأمر، لأنّ شراسة هذا الشّرطي أو الجندي تختفي خلف الخوف من رباطة جأش المناضل الفلسطيني، ولهذا فهي مهيّأة للانبعاث حال كل  انتفاضة أو ثورة ضد الاستفزاز الصّهيوني كذاك الذي يتقصّد باب العمود أو حي الشّيخ جرّاح أو الحرم القدسي، ولا بد من قراءة الطّريقة العنفية التي تمّ بها التّعامل  مع صحفية الجزيرة جيفارا البديري، التي لا تعني سوى خنق أي صوت يحاول أن يطلع العالم على الحقيقة الاستعمارية للكيان الصّهيوني، والتعسّف والإفراط في استعمال القوّة، لكن المقابلة بين طريقتي الاعتقال، اعتقال منى الهادئ واعتقال جيفارا العنفي، لا تكشفان سوى عن الصّراع الذي يعتمل داخل الشّخصية الصّهيونية المُعَسْكَرة في جميع أحوالها، فليس هناك مدني في اسرائيل المزعومة بالمفهوم المتعارف عليه في الدّول الأخرى، هناك فقدان للمعنى في عمق الصّهيوني، وهو ما يجعله في حالتين متشابهتين يتصرّف بسلوكين مختلفين، وهذا جدّ مهمٍّ في تفسير اهتزاز الشّخصية الصّهيونية والذي قد يؤدّي بها إلى العودة من حيث أتت، أي ربّما سوف تتفجر حالات هجرة عكسية نحو الدّول التي انحدروا منها، لأنّ المحتل لا يمكن أن يستمرّ في قوّته النّفسية إلى الأبد، الوقوف أمام الحقيقة من أكبر التحديات التي يعيشها الوعي الاحتلالي، تماما كما حدث مع بول أوساريس، الجلاد وبطل عمليات التّعذيب إبان الثورة الجزائرية، في اعترافه قبيل وفاته للصّحفي الفرنسي جان شارل دينيو حول قتل المناضل الشّيوعي الفرنسي موريس أودان عام 1957، الذي كان مناصرا للثّورة الجزائرية، يقول دينيو الذي نشر كتابا بعنوان “حقيقة موت موريس أودان”، أورد فيه اعترافات اللّحظات الأخيرة للجلاد أوساريس: “أعتقد أنّ بول أوساريس تحدّث لأنّه لم يكن مثل الآخرين وأنّه كان يحمل تحت سترته العسكرية غير القابلة للصّدأ، قلبا معذّبا منذ وقت طويل وأن تبديد الغموض الذي أحاط باختفاء موريس أودان قد يكون أمله الأخير في الخلاص قبل أن يسلم الروح”..

يبلغ محمد ومنى الكرد ثلاثة وعشرون سنة، وظهر فيديو لهما وهما يحملان الكاميرا قبل عشر سنوات، أي في طفولتهما، فنضالهما ليس وليد اللحظة أو الإحساس بالظلم في الدّائرة الشّخصية باعتبارهما من المحسوبين في عداد المبعدين عن بيوتهم في حي الشّيخ جرّاح، العكس، إنّهما فلسطينيين منتميين إلى هويّة الأرض وإلى عدالة القضية في شموليتها، ولهذا لا يستطيع الصّهيوني المنبتُّ الصّلة بوعيه الإنساني أن يستمر طويلا  في مواجهة هذه النّماذج النّضالية المستقرّة في وعيها على تثبيت جذر الهويّة باعتباره نتاج الجغرافيا الحاضنة للتّاريخ.

إنّ ثبات والدهما نبيل الكرد وهو يعرض على الإعلام تفاصيل الاعتقال وتسليم محمد نفسه للشّرطة الصّهيونية، يمثل أرقى حالات الوعي بالقضية، إذ لم يعد القلق على مصير فلذات الكبد هو الأولى، وإنّما القلق على مصير الوطن باعتباره الأرض والهويّة، التّاريخ والجغرافيا، هو الأولى والأحقُّ بالاهتمام، ولهذا سينتصر الفلسطيني في استرجاع الحق التّاريخي والإنساني والحضاري في الأرض.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here