عبد الحفيظ بن جلولي: الحراك الشعبي الجزائريصوت التعدّد في مواجهة الواحد

عبد الحفيظ بن جلولي

يستمرّ الحراك الشعبي في الجزائر وفق منهجية قاطعة مع السلوكات السياسية لجماعة قادت الجزائر نحو الانسداد وانغلاق الأفق، بما شكّلته من إعاقات في كل المجالات، وخصوصا تلك التي تتعلق بالثقافة الديمقراطية والذهنية المفتوحة على المتغيّر والمختلف، وبالتالي أصبح العقم السياسي هو ما يميّز الساحة الوطنية التي علقت في وحل الفساد والمحسوبيات اللوبية الغارقة في شفط عرق المواطن وموارده الطبيعية والبشرية لصالحها، متسبّبة بذلك في إنتاج بنيات ذهنية لا تؤمن سوى بالحق في الثروة واستغلالها من أجل تكريس وجودها في دواليب السلطة والاستمرار فيها، فضاعت بذلك أسس دولة الحق والعدل وجوهر الحكم الراشد.

يعتمد الوعي الوطني في تفعيله لمسار الحراك الشعبي على قوّة الجماهير في تسنيد المسلك المواجه للفساد من خلال الوقوف المستمر في الشارع من أجل فك الحصار على الطاقة البشرية الوطنية، وتمكينها من رفع صوتها في وجه نظام استمرّ لأجيال بمنطق واحد يتأسّس على منطلقات الشرعية الثورية، التي حال دونها هذا النظام وتجديد خطابها منذ أن أطلقت وعدها التحرّري بإزاحة الوافد الاستعماري واسترجاع السيادة الوطنية على الجغرافيا والتاريخ، وهو الأمر الذي أقعد العقل الوطني عن متابعة الفاصل الذي فرَق زمنين، زمن استعماري شلّ حركة الوعي في بناء التواصل بين الحقب التاريخية للوضع الوطني، وزمن تحرّري عجز عن تأمين فرصة الحرّية بكل تداعياتها المنتجة لمواطنة قائمة على المساواة والعدل والكرامة.

لقد عانى الوعي الوطني الجزائري من “آلة التجهيل الفرنسي التي اشتغلت لمدة فاقت القرن والرّبع على ترسيخ فكرة اللاوجود لأمّة أو دولة اسمها الجزائر” كما يؤكد الباحث السياسي بشير عمري، فهل خروج الشعب في حراكه الناجز ضمن عنصري الوعي الجديد والرّفض الجذري ينضوي تحت هذا التكريس لفعل تغييب الدولة والأمّة من خلال رؤية استعمارية تلعب على وتر استمراريتها داخل أجهزة التفكير وصنع القرار الوطنيين؟

لا يمكن التأسيس لدولة المواطنة الحرّة والديمقراطية دون وعي المراحل الكبرى التي مرّ بها الوعي الوطني للوصول إلى سقف الحرّية والعدل والحكم الراشد والتي أسّست لمفهوم الجيلية، ومنها توطّد الوعي بجيل نوفمبر وجيل الاستقلال، وكلاهما جيلان يتأثث الوعي لديهما بالمعطى الثوري الخالص القريب من النضال لاسترداد الحق الوطني في الجغرافيا والتاريخ، ولهذا استصعب الأمر على هذا الجيل وهو يرى الأجيال المتوالية تبحث عما هو مختلف في التاريخ ومعطيات الجغرافيا، ثم في رأيي هناك جيلين فاصلين في معادلة تشكيل الوعي التاريخي بالفرد الصّائر إلى المواطن وبالوضع العالمي المتغيّر، ومن ذلك انبثق جيل إثراء الميثاق الوطني 1976، وجيل الانقلاب على الواحدية خلال انتفاضة 1989، ويبدو أنّ مرحلة  إثراء الميثاق الوطني كانت على درجة من استغلال الوعي الجماهيري وتوجيهه حسب الطبيعة التعبوية للنّظام البومدييني، أي محاولة تفريغ شحنة الاحتقان السياسي آنذاك، بسبب تحسين المستوى الثقافي الذي لعبت فيه الجامعة دورا أساسا وتقدّميا، وحتى الطبقة الشغّيلة وصلت إلى مستوى من الوعي أحدثه اليسار في تكريس أهمية العامل في تملك مصيره عن طريق دفاعه المستميت عن حقه في التعبير عن ذاته، ويبدو أنّ النظام آنذاك استطاع أن يمتص هذا الفيض السياسي الحقوقي عن طريق ما استحدثه من تجمّعات جماهيرية للإدلاء برأيها في ما سمّي بـ “مشروع إثراء الميثاق الوطني”، وتمّ للسلطة ما أرادت، لكن الوعي ظلّ مستمرا وحاملا لمشعل التفكير في التاريخ لا بوعي الماضي وحده ولكن بمعطيات الحركة فيه، أي توظيف المعرفة التاريخية بمنطق البحث في سبل الدولة الوطنية الناجزة في المجالات المؤدّية بالضرورة إلى المواطنة.

هذا الفهم هو ما أشعل فتيل انتفاضة 1989، ذات المسار المستمر في حراك شعبي يناضل من أجل افتكاك هويّته الوطنية بمرتكزاتها التاريخية، القائمة على صرح المواطنة الذي تقوم عليه الدّولة الحديثة، وما يستتبعه من مفاهيم الحق في التعبير والحق في الحياة والتوزيع العادل للثروة والعيش المشترك، وكان من نتائج ذاك الحراك هو الانفتاح الدّيمقراطي وتكريس التعدّدية وانفتاح الفضاء الإعلامي، فتحرّرت الصحافة من قيد الواحدية وانخرطت في لعبة التعدّدية، ومنذ ذاك، والوعي الوطني يبحث عن هويته كمواطن في دولة الحق والعدل، وتدخل في ذلك مرحلة المأساة الوطنية بما خلّفته من ندوب وآثار في وعي المواطن الذي تُرك لمصيره في مواجهة نظام فاسد وآلة حرب ضروس ملك زمامها إرهاب أصولي.

ميّز هذه المراحل جميعها حضور الدولة العميقة بكل تشكلاتها، التي تتمظهر في شكل سلطة تحتكر الإعلام والفضاءات الحيوية التي يمكن أن يعبّر من خلالها المواطن عن كينونته كإنسان يتوزّعه عقل ووجدان، إنسان وصل إلى درجة اليأس من خلال التهميش الذي تعرّض له، والذي تمادت السلطة السابقة في تكريسه، إلى درجة أنّه تم تغييبه مطلقا، ولكنّه في لحظة من لحظات وجوده الجمعي الشّعبي والماتح من روح الثورة المستمرّة في وجدانه التاريخي، استطاع أن يمتلك زمام أمره في زمن تاريخي أضاءه بأنوار المسار الوطني المتعالق مع التنوّع والتمرّد، فكان موعده مع حراك شعبي، يعتبر حلقة من حلقات الرّفض لمنطق التدجين الممارس من قبل سلطة ديكتاتورية في حقّه.

يبدو لي أنّ الحراك في استمراريته وفي وقوفه أمام نظام لم يعد يستجيب لمتطلبات المرحلة العولمية في تأسيس الواقع الجامع والمتعدّد والمتسامح، الطامح إلى تكريس منطق التكتلات السياسية والاقتصادية، والناشئ في ظل تغوّل القوى الكبرى الطاحنة للهويات الصّغرى، والآمل في مستقبل وطني يستمد حيويته من حيوية الثورة الشبابية الرّقمية التي غيّرت وجه العالم وحفّزت الزوايا العميقة فيه للاندراج في الهوية الكونية الجديدة التي ألغت المسافات، وقرّبت بين التوجّهات الواحدة الآملة في عالم يسوده العدل والتعدّد والقبول بالآخر والتعايش السلمي في ظل الاختلاف الأزلي، قلت يبدو الحراك في استمراريته هذه لا يعبّر سوى عن صوت التعدّد في مواجهة الواحد.

الجزائر

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here