عبد الحفيظ بن جلولي: الإسلاميون.. التوافق الوطني وانتخابات الرّئاسة في الجزائر

 

عبد الحفيظ بن جلولي

أحدثت الدّعوة إلى الانتخابات الرّئاسية وتشكيل السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات خلافا بين معارض وموافق، وتفاعلت السّاحة الوطنية تبعا لذلك من خلال ما يعكسه الشارع من رؤى تدخل في مجملها ضمن انعكاسات وجهات النّظر الحزبية أو الحكومية أو الحراكية، فما يردّده الشارع يعتبر مقياسا لجسّ نبض التخلف أو الذهاب إلى صناديق الاقتراع، ويبدو الشارع العربي مهتمّا بما يجري في الجزائر على خلفية ما تلحظه الساحة السياسية العربية من مخاضات تنبئ عن وضع ليس بالمستقر والخطير في عمومه، ومن هذه الناحية يتطلع الوعي الشّعبي والنّخبي على الخصوص إلى قراءة متأنّية للوضع الجزائري انطلاقا من ريّادة الجزائر في الكينونة عضوا فاعلا داخل الجسد العربي المكلوم.

ضمن هذا المسعى كتب المفكر العراقي الدكتور محمد أحمد الرّاشد مقالا على خلفية ترشّح الأستاذ عبد القادر بن قرينة لرئاسيات 2019 ومبادرة الدكتور عبد الرزاق مقري حول التوافق الوطني، وهو ما يجعل الاعتقاد قائما في أنّ الأمّة تضع عينا على مآسي بعض الأقطار وعين أخرى على أقطار تشقّ طريقها نحو تجنيب ذاتها الصّراع المؤدي إلى مخاطر الشقاق والفرقة.

مآخذ وتزكيات:

يأخذ د.الراشد في هذا المقال على بن قرينة ترشّحه للرّئاسيات ويرى بأنّ ذلك سوف يجعله عرضة إلى تحمّل أعباء الصّعوبات الاقتصادية والتنموية، ولهذا يوصي الإسلاميين بالابتعاد عن الترشح للرّئاسيات، وفي ذات الحين يثمّن مبادرة مقري حول “التوافق الوطني”، باعتبار أنّها محاولة إنقاذية لموقف الاتجاه الإسلامي في مواجهة صعوبات المرحلة، رابطا بين الأزمة الوطنية وما يظهر في أفق الساحة الدولية من أزمات اقتصادية خانقة، كان المحاسب والقانوني طلال أبو غزالة قد أشار إليها، متمثلة في الانهيار المالي العالمي، والذي سببه ديون أمريكا المتزايدة التي سوف يكون لها تأثير واضح على اقتصادات العالم، ومنها طبعا الجزائر، ويجعل المقال من فكرة التوافق الوطني منفذا للخروج من عنق الزجاجة باعتبار أنّ الوحدة الوطنية هي ظهير للتجارب العربية الناشئة في ظل ما تشهده المنطقة العربية من تحوّلات في السودان والعراق وتونس وليبيا، لأنّ شرق العالم الإسلامي، كما يقول، قد رهنه بن زايد وبن سلمان لأمريكا والصّهاينة الذين سوف يحلبونهم إلى آخر قطرة مالية ثم يتركون لمصير الإفلاس، ومن ثمّة فالغرب الإسلامي هو ما يعوّل عليه في إنقاذ الأمة مما ينتظرها من ويلات الانقسام والأزمات.

الإسلاميون، واللحمة الوطنية:

يبدو تحليل الدكتور الراشد عميقا ومنطقيا، لكن نصح الإسلاميين بعدم الترشح ربّما لا يكون متماشيا مع الداخل الوطني، في حال اتفاق “الجماعة الوطنية” بتعبير طارق البشري خوض هذه الانتخابات، التي لا يقدّرها سوى من هم يعيشونها، لأنّ خلفيات النّصيحة ربّما لا يكون سببها فقط الخوف من تحمّل تبعات الخلل الاقتصادي والتّنموي، فما تلحظه السّاحة الإسلامية من تقهقر الإسلاميين في الانتخابات يؤشر على أنّ الموجة الثانية ما بعد الرّبيع العربي، الذي شهدت موجته الأولى صعودهم السياسي الكاسح، تنبئ على أنّ الوعي الشّعبي أصبح براغماتيا وواعيا بألاعيب العملية السياسية التي تعتبر ساحة يتساوى فيها العلماني والوطني والإسلامي بمنطق البرامج وتحقيق مصالح الشعب، أيضا يمكن للنّصيحة أن تكون من وقع ما جرى في مصر من انقلاب على الإرادة الشعبية، وبالتالي لا يكون الحل في ابتعاد السياسي الإسلامي عن الترشح حلا في ذاته، لأنّ مبتغى “الجماعة الوطنية”، هو مشاركة كل الفصائل الحزبية الوطنية في تحمّل أعباء المرحلة، وعليه تكون سياسة الدّعم والتحالفات هي منطق العقل للخروج من الأزمة بأقل الخسائر.

التوافق الوطني والموقف من الحراك:

لا بد في الأزمة الحالية التي تعيشها الجزائر وهي تشهد سياسة الشد والجذب بين الحراك والمؤسّسة العسكرية أن يكون مطلب “التوافق الوطني” حلا براغماتيا تتطلبه المرحلةّ، وهو ما يعيدنا إلى دعوة د. عبد الرزاق مقري إلى ذلك، وخصوصا وإنّ حلحلة الأزمة تتطلب الدخول في حوار وطني تكون المؤسّسة العسكرية طرفا فيه، إذ لا يعقل أن يكون حاضر ومستقبل البلاد في عنق زجاجة ولا تكون المؤسّسة العسكرية في حالة استنفار، وتلك حالة تفرضها تاريخية الدولة القطرية التي انبنت في ظل حركة الجيش الذي كان له باعا في تحرير الرّقعة الجغرافية، وأيضا الجدل السياسي الذي يبدو أنّه لم يحسم بعد حول الأولويات التاريخية، السياسي على العسكري والداخل على الخارج، وبالتالي يصبح “التوافق الوطني” مستوى ملحّا من مستويات الممارسة والتفكير السياسيين، لكن باعتبار مقري متبنّيا لمطالب الحراك، يجعل قضية التوافق الوطني على المحك، لأنّ مطالب الحراك هي تنحية كل بقايا النظام والدخول في حكومة مستقلة تقود البلاد إلى انتخابات رئاسية نزيهة، بالتالي، التحدي الحقيقي هو في كيفية توفيق مقري بين طرحه في  التوافق الوطني ومطالب الحراك؟ ولهذا تبدو قراءة الراشد في هذه النّقطة بالذات تكتيكية مرحلية أكثر منها استراتيجية مستقبلية.

الحراك والمعنى في الشعب:

أثر عن الراحل محمد بوضياف قوله: “التاريخ، يجد معناه في الشّعب”، ومن أهمّ ما جاء به الحراك الشعبي هو الحرّية، إذ شعر المواطن أخيرا بكيانه الإنساني القادر على إيقاف نشاط عصابة استبدّت بالرّأي وبالموقف، ورهنت الوطن لحسابات الخارج الاقتصادية والسياسية تحقيقا لمأرب الاستمرار في السلطة والاستيلاء على مقدرات الشعب، وبالتالي أصبح هذا الإحساس بالتخلص من قيد الخوف والتقاعس والعزوف من أهم العوامل في عودة النَّفَس السياسي إلى المواطن، فتحرّر من عقدة الهيمنة الضيّقة للحزب منتصرا للولاء الواعي لحراك الشعب، وفي هذا تكمن ثورته على الرّموز التقليدية التي لم تقنعه باستمراره في كنفها لتحقيق الوعد بالحرّية والتطلع إلى غد أفضل، ولعل إرهاصات ذلك تبدو في الانتخابات المحلية في تركيا وانتخابات الرّئاسة في تونس، وهو ما يجعل الوعي قائما أمام فعل التاريخ في توجيه الأرصدة المعنوية للفاعلين فيه، فالفعل التاريخي هو محصّلة للوقائع التي تنجز واقعا ما، كما إنجاز الاستقلال بالنّسبة للكتلة الوطنية التاريخية، لكن ناموس التتابع يجعل لكل مرحلة رجالها، وبهذا المعنى المنجز السياسي بالنّسبة للإسلاميين أنهكته استراتيجية “المشاركة” التي جعلت هذا التيار وغيره من اتجاه المشاركة يخلع جلده السياسي ويلبس جلدا مختلفا مساندا بوعي أو بدونه برنامجا لا يد له في بناء تصوّراته ومبادئه هو برنامج “رئيس الجمهورية”.

العمق الاستراتيجي في رؤية الراشد:

لا شك أنّ المقال منح فسحة لتأمّل الواقع الوطني النّاجز في التوافق والحوار الوطنيين، وخصوصا دخول فرنسا على الخط وتذكيتها لنار الانشقاق داخل الصف الوطني بنفخها في الخلاف الأمازيغي العربي، وهو ما يعني دعمها لتيار الانفصال وشق الصف الوطني، والتنبّه لهذا الجانب إنّما يجعل الحراك أمام مسؤوليته التاريخية في فك ارتباط التوجّه الوطني بحبال التيار الفرنكو- شيوعي والقبضة الاستعمارية الفرنسية التي لا تخدم في النّهاية سوى مصالحها داخل الوطن والمنطقة المغاربية، وفك الارتباط هذا يساهم في تقوية الموقف القومي في إسناد ظهر التجربة التونسية، والتواجد الذي تفرضه موازين القوى في ليبيا لتقوية حكومة الوفاق الوطني ضدّ أطماع حفتر، ومنه اتخاذ مواقف متزنة مما يحدث في مصر، وكل ما سيقع بعد ذلك من وعي للموقف الإيراني، وتجنّب كل ما من شأنه أن يجزّئ المجزّأ في واقع أمّتنا الأليم، ولعلّ الموقف الوطني لم يكن في يوم من الأيام إلا مساهما في حل الكثير من المعضلات على مستوى الساحة السياسية العربية والأفريقية، وهو ما يجعل الحاجة ملحّة أكثر من أي وقت مضى للوقوف أمام الذات من خلال ما يحتّمه الواقع والمنطق وليس المشاحنات، لاستبانة عناصر الحل التي تدور في معظمها حول “التوافق الوطني” والدخول في عملية حوار لا تقصي أحدا ولا يكون منشأها فوقيا، لأنّ “المشكلة كلها تكمن أساسا في غياب الحوار أو في حضور الحوار الموجّه عبر أجدندة معدّة سلفا من طرف، يرفضها الطرف الآخر”، كما يرى الباحث السياسي بشير عمري، فإرادة الحوار لابد أن تكون نابعة من إرادة وطنية شعبية حرّة، والموقف الوطني يمتلك مفاتيح التصوّر الاستراتيجي القائم في الجذور التاريخية للاستقلال الوطني، الذي لم ينفك في لحظة من لحظاته عن عرى الموثق الإنساني سواء في مستوياته العربية أو الإسلامية أو الأفريقية أو الدولية، وهو ما تحتاجه الجزائر وهي تعيش حراكها الشعبي الممعن في توقه للحرية والكرامة.

كاتب جزائري

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here