عبدالوهاب سلايمة: هذه قراءتي كمهندس كيماوي لانفجار بيروت

عبدالوهاب سلايمة

كنت من بين الأشخاص المحظوظين / غير المحظوظين الذين استمعوا إلى قناة الميادين بعد دقائق فقط من وقوع الانفجار في

 ميناء بيروت البحري. أتيحت لي الفرصة لمشاهدة الفيديو الذي سجله مصور كان بالقرب من موقع الانفجار. في اللحظة التي انتقلت فيها إلى محطة الميادين ، كانت المذيعة واسمها وفاء سرايا تعرض مرارًا وتكرارًا مقطع الفيديو الذي التقطه المصور ، والذي أظهر منظرا فظيعًا لانفجارين متتاليين ، وكان الثاني هو الأعلى والأكثر رعبا. وصف احد ضيوف المحطة ومضيفة البرنامج الانفجار بانه الأكثر فظاعة والأكثر تد ميرا في العالم وياتي  في المرتبة الثانية بعد انفجار القنبلة الذرية التي أسقطتها الولايات المتحدة على هيروشيما باليابان منذ حوالي اثنين وسبعين عامًا والذي أدى إلى مقتل ما يزيد عن مائة وخمسون ألف شخص.

جلست هناك أشاهد كل حركة وأستمع إلى كل تعليق من المذيعة وأي ضيف أو معلق قد تستضيفه مقدمة البرنامج عبر الإنترنت لإبداء تعليق أو مشاركة تجربته / تجربتها مع الانفجارات كما قد يكون شاهدها. اتضح لي أن مضيفة البرنامج كانت تستقبل صورًا وفيديوهات كانت مقلقة ومرعبة للغاية ، مما أظهر ولعدة مرات أنها كانت تختنق من فزع وفجاعة وهول  الماساة وهي تعلن عن حصيلة القتلى وتعرض بعض الصور ومقاطع الفيديو للضرر الرهيب والتدميرالشامل الذي لحق بمباني الميناء في البداية. في ذلك الوقت كانت النيران ما زالت مشتعلة في موقع الانفجار و كان التركيز الأولي على موقع الانفجار لكنه انتقل تدريجياً لإظهار الأضرار التي لحقت بالمناطق المحيطة. من حين لآخر كانت تتحول الكاميرا لإظهار الأضرار التي لحقت بالشوارع والأزقة المجاورة.

كانت الأضرار التي لحقت بالشوارع والأزقة هائلة ومروعة. ومع ذلك ، لم يتم التركيز في هذه المرحلة على المباني التي أظهرت بلا شك الكثير من الأضرار التي لا تصدق ولكن كان التركيز على المصابين من السكان والمارة. رأيت شوارع مليئة بالحطام وأجزاء من المباني المتساقطة في الجوار. والأسوأ من ذلك كله هو مشهد جرحى في حالة من الفوضى ، ووجوههم ملطخة بالدماء وكأنها تمويه لشخصيا تهم ، وملابسهم مصبوغة بدمائهم ، بعضها ممزقة نتيجة دفعهم بقوة الانفجار أو نتيحة اصطدامهم بالحطام المتساقط من الابنية والذي حملته التيلرات الهوائبة المتولدة عن قوة الانفجار.في البداية كانت الشوارع خالية كالاشباح. وبعدها بدا بعض الجرحى يظهرون في الشوارع واقفين – إذا استطاعوا – على ناصية الشارع أوجالسين على جانب الطريق بين السيارات المتضررة على أمل أن يأتي أحدهم ويقدم المساعدة. كان الناس في حالة فوضى وضياع  ذكرتني بالآيات القرانية: “يا ايها الناس اتقوا ربكم ان زلزلة الساعة شيء عظيم. يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما ارضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.”

لفت نظري إحدى السيدات بينما كانت تجلس في الشارع بين السيارات المحطمة اتخذت من رصيف المشاة ركيزة لجسدها وجهها ملطخ بدمائها  ومحفظتها بجانبها بينما كانت تحاول استخدام هاتفها الخلوي ربما تحاول الاتصال بشخص ما لمساعدتها. وكان جرحى آخرين يهيمون في الشارع محاولين ايجاد المساعدة للوصول إلى مستشفى أو اي عيادة طبية للحصول على المساعدة الصحية اللازمة. كان الارتباك والضياع كبيرًا وهائلا لدرجة أن الجرحى كانوا يحاولون التمسك بأي شيء قد يقدم لهم المساعدة أو وسيلة النقل لنقلهم إلى المستشفى. في وقت لاحق ، كانت مركبات فرق الإنقاذ الشبيهة بشاحنات تمر قي الشارع تلتقط الجرحى وتقوم  بتكديس أكبر عدد ممكن منهم لنقلهم إلى مستشفى أو عيادة قريبة للحصول على الرعاية الطبية. وعُرضت صور قليلة للعديد من المستشفيات في المنطقة التي أظهرت أن المستشفيات تعمل بما يتجاوز طاقتها الكاملة. كانت المستشفيات مليئة بالأشخاص الذين يسألون ويستفسرون عن أحبائهم الذين ربما أحضرهم شخص آخر إلى المستشفى أو أحضروه بأنفسهم. كانت ساحات جميع  مستشفيات بيروت في حالة فوضى تامة. كان الناس يبكون ويصرخون وغاضبون ومنزعجون يحاولون معرفة أو تلقي أي معلومات عن أحبائهم.

لا يستطيع المرء أن يشهد مثل هذه الكارثة الضخمة ، حيث أعلنت بيروت مدينة منكوبة . دون أن يفقد المرء السيطرة على عواطفه ومشاعره ،  فشعرت فجأة بالرغبة في الصراخ وبدأت بالبكاء. أظن أن معاناة كل هؤلاء الأبرياء ، وجراحهم ، والأضرار التي لحقت بممتلكاتهم ، والأهم من ذلك كله احترامهم لذاتهم وكرامتهم التي يبدو أنهم عانوا الكثير جعلهم في هذا المزاج. صرخت أنه يجب معاقبة المسؤولين عن سبب كل هذه المعاناة والعذاب بغض النظر عن هويتهم أو مكان وجودهم. هذه احدى الكوارث التي يجب على المسؤولين عنها ان ينالوا ما يستحقونه من العقاب ؛ يجب ألا يمر هذا الحادث دون عقاب سواء كان ذلك عن طريق الإهمال ، أو العمل المتعمد ، أو من خلال ارتكاب عمل من أعمال العنف الذي تسبب في حدوث هذه الكارثة.

واصلت الاستماع إلى إعلانات المأساة حتى الساعة 1:30 صباحًا. فحيث أنني اقتربت من نهاية العشرية السابعة من عمري ، لم أستطع البقاء مستيقظًا أكثر من ذلك لأن وتيرة انتباهي واستيعابي باتت تنحصر تدريجياً حتى لم أستطع استيعاب أي معلومات أخرى وقررت الذهاب إلى الفراش. بحلول ذلك الوقت ، ارتفع عدد القتلى إلى ثلاثة أرقام وارتفع عدد الجرحى إلى ثلاثة آلاف. لسوء الحظ ، لم أستطع النوم وبعد فترة من التقلب من جهة لاخرى قررت النهوض والعودة لمشاهدة التلفاز على الرغم من أنني لم أستطع استيعاب المعلومات كاملة الا اني قاومت النوم لابقى على مقربة من التلفاز محاولا عدم فقدانا المعلومات التي  يتم الإبلاغ عنها حول الكارثة. كنت أرغب في سماع كل كلمة والاستماع إلى كل تعليق وأنا نصف نائم.

في أعقاب الحادثة ، وبينما لم يتم الانتهاء من إحصاء القتلى ، حيث كان هناك عدد من الأشخاص مدفونين تحت الأنقاض والركام اللتين سببهما الانفجار ، سمعت تقرير المذيع غاضبًا أن بعض المحطات التلفزيونية المحلية والعربية ومذيعي الإخبار راحوا يزعمون ان تلك المادة المتفجرة التي تسببت في الكارثة هي في الواقع من اسلحة حزب الله. هذه الاستنتاجات والادعاءات الكاذبة ، أيا كان من قدمها ، تكون غير دقيقة ومتحيزة وسابقة لاوانها، وليس لها أي أساس أو دليل.فهذه الادعاءات الكاذبة والباطلة  لن تخدم أي غرض آخر الا الاعداء والمدعين..

بدءًا من سن المراهقة وطوال حياتي كلها ، مع جميع أصدقائي ورفاقي ، اعتبرنا لبنان دائمًا منارة للحرية والديمقراطية للعالم العربي بأسره. كان شعب لبنان وثقافته الفريدة شيئًا نفتخر به جميعًا في العالم العربي. لطالما نظرنا إلى لبنان وننظر إلى المجتمع اللبناني على أنه مثالنا في التعايش والديمقراطية والحرية. لهذا السبب نتشارك جميعًا آلام ومعاناة لبنان وشعبه ، وعلينا جميعًا أن نبذل كل ما في وسعنا لمساعدة شعب لبنان على تجاوز هذه المحنة والكارثة غير المسبوقة وغير المعقولة .

كمهندس كيميائي يمكنني القول أن نترات الأمونيوم مادة سماد وتعتبر مستقرة الى حد ما. قد يتساءل المرء لماذا تم تخزين كمية ضخمة من هذه المواد المصادرة لفترة طويلة في منشأة ، في الميناء ، حيث تعتبر المساحة نادرة وحيوية ، بالقرب من أبراج تخزين الحبوب. سؤالي لماذا لم يتم توزيع هذه المواد على المزارعين الذين ، أنا متأكد ، من أنهم بحاجة ماسة إليها؟

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

11 تعليقات

  1. لماذا الكل يحاول تبرئة العدو الصيوامريكي عن الفعل

  2. نينرات الأمونيوم لا تنغجر الا اذا تعرضت لحرارة فوق 300 دم لذا فان الانغجار الأول الذي قد يكون قنبلة او كمية قليلة طن التبترات المخلوط بمواد قابلة للاشتعال اوجدت الظروف المسببة للانفار الثاني ططلقة لخلبط من اكاسيد النيتروجين دونما حاجة لأكسجين الهواء ثم تتحول هذه الأكاسيد بمساعدة اكسجين الجو والؤطوبة الى حانض النيتريت والذي يسبب امطارا حامضية ضارة

  3. كنت اقول في نفسي المشكله في المجتمع لا يعطي لاصحاب العقول حقهم باظهار ما لديهم من علم بالوقت نفسه وصلت لعنوان المهندس فتركت كل ما بالموقع ظنا مني ان ما خطر فينفسي ساجده الآن
    نعم اقتنعت اننا نظلم المجتمع كثيرا

  4. فعلا أبدعت في إيضاح المسألة من ناحية علمية كونك مهندس كيميائي. و الأهم هو استفسارك في نهاية كلمتك لماذا لم توزع المادة على المزارعين.

  5. الى القراء والمعلقين:

    اود ان اشكر جميع المعلقين مهما كانت تعليقاتهم لان لهم الحق في كل ما تفوهوا به.
    في الواقع المقالة لم تكن تحليلا للانفجار وانما كانت وصفا للفاجعة التي المت
    بمرفا بيروت والمصيبة التي اصابت اهل بيروت خاصة و لبنان عامة.
    اردت ان اعبر عن شعوري اتجاه ما رايته يوم 4/8/2020
    كنت قد ارسلت المقالة الى راي اليوم وادركت بعدها ببضع ساعات انني لم
    اضع لها عنوان فقمت بارسالها ثانية واضعا العنوان بيروت في 4/8/2020
    لم تنشر المقالة لقرابة الاسبوع. وحينما نشرت كان المسوءولون في الجريدة
    قد وضعوا العنوان الذي قراتموه.

    شكرا لكم جميعا

  6. انت عبرت عن مشاعرك وانفعالاتك لكن لم نجد تحليلا علميا كمهندس كيماوي لما حصل!!!

  7. قرات المقاله حتى نهايتها و لم اصدق نفسي في البدايه اني لم اجد اي معلومه مفيده اضافت اي جديد من مهندس كيميائي اراد ان يدلي بدلوه في الموضوع.
    عاودت اتصفح المقاله من البدايه حتى النهايه بسرعه لعلي اغفلت فقره او سطرا يضع النقاط على الحروف!!
    في النهايه قرات تعليق اخونا “بلا مزح” و كدت انفجر من الضحك !!!

  8. تحليلك لم يقل شيئاً!!…. ان كانت النترات سماد…. ولم يكن السبب صواريخ حزب الله المزعومة!، لمذا لم تقل بانك لا تعرف…. غيرك ويالتحليل العلمي المدعوم بحقائق
    علمية توصل الى استخدام سلاح خارجي من نوع تدميري قوي…. يا امريكي يا اسرائيلي….. لو وضعت عنوانا اخر لمقالك
    لكان افضل…. وعلى فكرة الموضوع لا يحتاج لمهندس كيماوي حتى نصل الى
    استنتاج ان مادة النترت مستقرة!!!

  9. شكرا لتحليلك كمهندس كيميائي الذي اوصلك الى استنتاجك العلمي العظيم، فقد اضأت على جوانب كانت خافية على المتابع العادي.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here