عبدالوهاب العمراني: اليمن يودع عام ويستقبل آخر بلا أفق.. وثمار اتفاق السويد بعيدة

 

عبدالوهاب العمراني

لم يمضي شهر من توقيع اتفاق السويد بين الأطراف المتحاربة في اليمن إلا وقد بدأت تداعيات تنفيذه على الأرض ، وهو المؤشر الذي يدق جرس لخطورة بقية المراحل في حال انخرطت الأطراف في ماراثون التفاوض .

فبينما قالت مصادر إن ميليشيات الحوثي قامت بإجراءات شكلية لتسليم ميناء الحديدة، عبر تسليم عناصر من الميليشيات ترتدي ملابس مدنية الميناء لعناصر أخرى تتبعها، ترتدي ملابس قوات أمنية وخفر السواحل. ووصف مراقبون محليون هذه الإجراءات بـ”الهزلية”، وبأنها “استخفاف بالعقول، وسخرية من لجنة المراقبين في الأمم المتحدة .

وفي السياق نفسه فقد أفادت مصادر أن ميليشيات الحوثي أفشلت إجراءات اتفاق تسليم ميناء الحديدة الإستراتيجي، وذلك في إطار مماطلتهم لتنفيذ اتفاق السويد الذي تم التوقيع عليه، هذا الشهر، برعاية الأمم المتحدة، للانسحاب من المدينة الساحلية وموانئها ، ومن هنا قدم وفد الحكومة الشرعية اليمنية السبت الماضي، احتجاجا رسميا للأمم المتحدة حول إعلان تسليم الحديدة.  ومن جانبه، أقر رئيس البعثة الأممية بعدم صحة تسليم الحوثيين لميناء الحديدة.

ما يميز اتفاق السويد الاهتمام الدولي غير مسبوق وغدا مسنودا بقرار أممي جديد برعاية بريطانية التي ينتمي لها المبعوث الدولي نفسه ، وما كان ليتم ذلك لولا انكسار طرف التحالف العربي ونجاح الضغوط الدولية عليه وغدا منكسرا بتراجع العجرفة الزائفة طيلة سنوات الحرب .

غداة توقيع اتفاق السويد تسابقت الأطراف المعنية بالترحيب به : ” فكلا يغني على ليلاه وليلى لا تقر لهم وصالا ! “

وعلى خلفية تسابق وهرولة بلدان خليجية لإعادة علاقتها بالنظام السوري ، وهم من أنفسهم من نكلوا به في السنوات الماضية يجعل المراقب العربي في حيرة من أمرة بالنظر لتلاحق الإخفاق والفشل للقوى التي وأدت الربيع العربي ومن ثم تعود إليه صاغرة ومنكسرة .

ولان الشئ بالشئ يذكر وفي هذا السياق فقد تزامن التهليل لإتفاق السويد من قبل التحالف اكثر من الحوثي نفسه !

وهو ما يعكس حقيقة ان السعودية ممكن تتعايش مع يمن بمشاركة حوثية أهون من يمن بشرعية يساندها قوى وحزب معترف به في الدستور اليمني .. وهذه هي رؤية بعض التيارات اليمنية كالمؤتمريين والذين فرحوا بمجرد إشاعة لسقوط (صرواح) بدوا اكثر حوثية من “خصومهم” !

فشل الإقليم المتعدد في أكثر من بؤرة عربية يؤكد حقيقة خذلان التحالف الذي شن هذه الحرب بمسوغ إعادة الشرعية ، والتنكيل المزدوج من العدوان”الوطني” والإقليمي عربيا قبل ان يكون أعجمياً !

ولأن الحالة في عدن تكاد تكون أسواء من صنعاء نفسها وبعد مرور اكثر من ثلاث سنوات على ” تحريرها” كل هذا منح الطرف الانقلابي التفاف شعبي وشبه شرعية مؤقتة في الشارع اليمني .

ومبرر لهذه الميلشيا بأنها صامدة أمام “العدوان”وهذا حق اريد به باطل،غير مدركين بأن مفردة “العدوان” وما نتج عنه خلال السنوات المنصرمة ماهي سوى تحصيل حاصل ونتيجة وليس سبب ، لكن تقاعس ومكر التحالف يؤكد صحة ما يزعمه الطرف الانقلابي .

ففي الوقت الذي أفرزت تداعيات مقتل “خاشقجي”وجعلت التحالف في اضعف حالاته لمزيد من الابتزاز ، لتنحني أمام عاصفة الضغوط الدولية ، بينما أفضت تلك القضية في مصلحة الحوثي ولو مرحليا لإنقاذه من معركة كانت محسومة في الساحل الغربي .

علاقة جدلية بين العدوانين رغم ان العدوان ” الوطني” الأسوأ والأخطر .. ولهذا لا يتمنى الحوثي انتهاء عمليات التحالف لان ذلك يعني انتهاء دورة الذي يوهم الناس به .

نكبة اليمن اليوم هي ان الشعب ضحية التنكيل به من قبل الغازي “الوطني” والخارجي ، بين شرعية ضعيفة وتحالف متخاذل شن الحرب تحت لافتة تختلف كليا عن ما يجري اليوم على واقع المشهد السياسي والعسكري .

الهزيمة المعنوية الكبرى الذي تلقاها اليمنيين كانت بسبب ركونهم على التحالف

تدليس الطرف الانقلابي ومرواغة المجتمع الدولي يؤكدان بأن السلام المستدام لا يتأتى من خلال ضغوط او على سنة الرماح بسياسة الغلبة وحتى لا يولد في المفاوضات والمؤتمرات الدولية ، بل يأتي في قلوب الناس وأفكارهم وانعكاس لإيقاع الشارع اليمني المُثخن بالجراح

يوميات الحرب المتثاقلة وتفاصيل حياة الشعب اليمني تجبر الذاكرة اليمنية بالتمحور حول تداعيات وإفرازات الحرب وليس لمسوغات اندلاعها وقد تسخر إيران ذلك مجدداً لمشروعها .

وفي سياق الحديث عن نسيان الماضي والمصالحة يرى علماء الاجتماع بأن أي احتراب أهلي وحتى تتم تسوية سياسية فقبل مصالحة سياسية ينبغي إجراء مصالحة مع الذاكرة الجمعية المُثخنة بالجراح ويتأتى ذلك بعدالة انتقالية وأبعاد من طلخت أيديهم بجرائم الحرب والتي قد وثقت وقننت بقرارات أممية التي ضمت أسماء الرئيس السابق وزعيم الحوثيين ، لا ان يلوح لمن عبث باليمن وقفز على الإجماع بحصة تنتظره في كعكة السلطة .

الأسابيع القليلة المقبلة ستوضح مدى نجاح او اخفاق محاولة المجتمع الدولي في تجنب الحديدة معركة حاسمة ، وإجمالا اتفاق السويد مهما يكن يعكس جانبين الاول اهتمام دولي وثانيا يكاد يكون مخرج مشرف للتحالف المتخاذل والمتأمر ومخرج للحوثي في آن واحد ، وفي نفس الوقت يفضح كل الطرف الانقلابي في صنعاء.

رغم انه الاتفاق الخاص بالحديدة يعتبر الأفضل ما ستحصل عليه الشرعية الضعيفة المتكلة على التحالف الذي هو في ورطه أصلاً بالنظر للتطورات الأخيرة لتداعيات مقتل “خاشقجي”  وخسارته دعم حلفائه النسبي ومنهم واشنطن ، كما ان القرار الدولي الذي تبنته بريطانيا يؤكد جدية المجتمع الدولي

ما ينبغي معرفته هو ان المسار التفاوضي ليس سريع النتائج وليس بالأمر السهل قيا سا بالتجربة السوية التي شهدت اكثر من محطة تفاوض جنيف عدة مرات وأستانة ومنتجع سوشي الخ ، ولهذا قد تستمر سلسلة المفاوضات والمشاورات اليمنية وقتا طويلا فأذا كان حوار وطني شامل في وضع اقرب للسلم وانخرط الحوثيين فيه وهم مسلحين ومع ذلك انقضوا على الدولة فكيف سيكون الحال ومقدرات الدولة تحت ايديهم وحوثنة المؤسسات على قدم وساق من جيش وام وقضاء وتربية وتعليم وحتى اوقاف وأعلام الخ

ولهذا فلا يعول للمسار التفاوضي بهذه النفسية الاستحواذية وعقلية الاسقواء والغلبة فربما سنة او أكثر نبقى في مرحلة البرزخ حالة اللاحرب واللاسلم في حين تنفيذ ما قد يفترض ان يتفق عليه قد يستغرق وقتا مضاعفا

بمعنى لن يكون هناك  حل نهائي وتنفيذ على الأرض والدخول في سلطة جديدة توافقيه ربما في العام 2020 هذا اذا لم يحدث أي شي او تلكؤ الطرف الانقلابي  .

الهزيمة المعنوية الكبرى الذي تلقاها اليمنيين كانت بسبب ركونهم على التحالف ، فأي حل تحت ضغوط دولية او إقليمية هي بداهة انقاذ للحوثي وشرعتنه بغض النظر عن تفاصيل أي اتفاق عنوان “التوافق” لكنه بداهة سيرحل الصراع لحرب تلد أخرى !

* كاتب وسفير في الخارجية اليمنية

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here