عبدالودود أحمد النزيلي: اليمنيون أساس الملك: الدولتان الأموية والفاطمية أنموذجاً

عبدالودود أحمد النزيلي

عبر التاريخ وأهل اليمن معروفون بالحمية، ونصرة الغريب، ونجدة الملهوف، وإقراء الضيف، وإكرام الجار، وإجلال البعيد، والعطف على القريب، إلا أن بياضهم يٌرى سواداً، ويذهب إحسانهم سدى، وينعكس سلباً عليهم، ويحل بهم البوار، ويفل نجمهم، ويقعد قائمهم، ويقوم عليهم الوضيع فيمن سواهم، ويتسلط عليهم من لا يخاف فيهم إلا ولا ذمة، فيؤخر مقدمهم، ويتقدم عليهم من ليس له بهم حق، والمتأمل والقارئ لمجريات الأحداث عبر العصور يجد أن اليمنيين عبارة عن مطية لوصول غيرهم إلى العروش، وتربعهم عليها، ولا يكون جزاؤهم إلا الإقصاء والتقصير في حقهم، والتهميش، وجحود الجميل، ونكران صنيعهم الجميل، إن لم يكن مصيرهم القتل والتنكيل.

ربما يقول قائل أن “العقدة اليزنية” التي خيمت وعشعشت على عقول أقيال اليمن في الماضي والحاضر تلعب الدور الحاسم في مناصرة الغير ليتبوؤوا مواقع القيادة والسيادة والريادة في الوقت الذي يراوح فيه أهل اليمن في مواقع المدد والغوث والنصرة ليس إلا، فلا يكون لهم إلا المغرم، ولغيرهم المغنم، ومجمل التاريخ يشهد بذلك. فقد كان أهل اليمن الحجر الأساس لدولة بني أمية وركنها القويم، لاسيما في المعركة الفاصلة في مرج راهط بين مروان بن الحكم والضحاك بن قيس الذي أيد عبد الله بن الزبير، فأنهزم الضحاك والقيسيين وساد بنو أمية، وتم إقصاء أهل اليمن بعد ذلك. كما كانوا أيضاً العماد الراسي لنجاح دولة بني العباس، والعود القاسي في إشعال الثورات ضد الأمويين وإشغالهم بالحروب، لاسيما الجيوش اليمانية القادمة من اليمن، وخصوصاً من أرض حضرموت وإن نُعتت بالخوارج فقد كانت السبب في انهيار دولة بني أمية، وهزيمة مروان بن محمد (آخر الخلفاء الأموميين) أمام عبد الله بن علي العباسي في معركة الزاب الكبرى (132هجرية).

 ويكرر التاريخ نفسه ويكون أهل اليمن السبب في نصرة بني أمية مرة أخرى في تأسيس دولتهم في الأندلس عندما استقبل أهل اليمن وهم قادة الفتوحات في الأندلس لعبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الأموي ومناصرته، وكان على رأس أهل اليمن أبو الصباح اليحصبي زعيم القبائل اليمانية في اشبيلية، وذلك بعد أن عجز بدر مولى الأمير الأموي (عبد الرحمن الداخل) استمالة الصميل بن حاتم (حفيد شمر بن ذي جوشن قاتل الحسين بن علي رضي الله عنهما) زعيم القبائل القيسية في الأندلس ويوسف الفهري حاكم قرطبة آنذاك. لذا، كان اعتماد عبد الرحمن الداخل على القبائل اليمانية، ودارت المعارك بينهم وبين يوسف الفهري ومعه القبائل القيسية، وكانت المعركة الفاصلة في سنة 138 هجرية (معركة المصارة)، وعندما انتصرت القبائل اليمانية وفرّت القبائل القيسية، جحد عبد الرحمن جميل القبائل اليمانية وأمرهم بعدم مطاردة القيسيين وقال قولته المشهورة “لا تستأصلوا شأفة أعداء ترجون صداقتهم واستبقوهم لأشد عداوة منهم”، وما لبث غير برهة من الزمن إلى أن نكص على عقبيه، وأنكر ما قدمه أهل اليمن له، فوقعت مذبحة عظيمة (حوالي سبعة ألف قتيل) لأهل اليمن وعلى رأسهم العلاء بن مغيث الحضرمي من قبل عبد الرحمن الداخل، وبذلك سنحت الفرصة لعبد الرحمن الداخل قتل أبو الصباح اليحصبي سنة 150 هجرية بعد إعطائه الأمان وعهد الله وميثاقه وخان ذلك وغدر به.

يتشبع اليماني بالخصال العربية الحميدة، من مهد صباه حتى منتهى حياته، فكلما ارتوى من ماءها، وتنفس من هواها، زاد تمسكه بخصال وفعال الأبطال، وأزوّر عن دنيات الأنذال، فلا تعرف الدسائس عندهم لها منفذ، ولا يعرف قاموسهم أي مفردات للخيانة والغدر والدنيئة. هكذا هو حال أهل اليمن وحال من عاشرهم وسكن موطن العرب الأول؛ ومن هنا ولتكملة ما ذُكر أعلاه (بصرف النظر عن أيدولوجيات الشخصيات المذكورة إلا أنني أشير إلى وفائهم ونكران الغير لجميلهم) نشير إلى ممهد قيام الدولة الفاطمية أبو عبد الله الشيعي الصنعاني (الذي ولد في الكوفة، العراق) وترعرع في صنعاء وشب وقوى عوده فيها، فرحل بعد ذلك إلى المغرب ومهد الطريق للدعوة العبيدية (الفاطمية) وقضى على دولة الأغالبة وكانت له اليد العليا في كل شيء هناك قبل مجيء عبيد الله (المهدي) مؤسس الدولة الفاطمية الذي كافئه عند وصوله بالقتل والتنكيل، وقال قاتل أبو عبد الله الشيعي له “إن الذي أمرتني بطاعته أمرني بقتلك”، فقٌتل هو وأخوه أبو العباس وجميع أسرته.

وختاماً وإن كان الموضوع يستحق الإسهاب أقول لا يختلف اثنان أنه لا عهد ولا ذمة لمعظم الملوك والأمراء وخصوصاً في تعاملهم مع من ساندهم في بداية أمرهم، وساعدهم في تقوية سواعدهم، كما هو حال أهل اليمن في كثير من المواضع، لاسيما أمراء بني أمية والفاطميين (نقطة الارتكاز في هذه المقالة)؛ ونفس الموال يتكرر هذه الأيام وعلى نفس المنوال يكون الضحية أهل اليمن.

باحث دكتوراه (مبتعث جامعة صنعاء)

جامعة اللغة الإنجليزية واللغات الأجنبية

حيدر آباد، الهند

Print Friendly, PDF & Email

17 تعليقات

  1. قراءة ممتازة للماضي، وسرد جميل لإسهام أهل اليمن ومواقفهم المشرفة عبر التاريخ. حقيقة مُرة، والأمَرُ من ذلك هو أن اليمنيين على ما يبدو سيستمرون في دفع ثمن نخوتهم ووفائهم وطيب أخلاقهم مدى الحياة. لكم الله يا أهل اليمن. شكراً دكتور على المقالة الرائعة.

  2. قراءة واعية و رصينة للتاريخ اليمني تضىء الماضي لنقرا به الحاضر . للدكتور النزيلي نظرة ثاقبة و منهجية متسقة في النظر للاحداث . نرجو منه المزيد من الكتابات الرصينة

  3. شيم اليمنيون هي ما يميزهم عن سواهم والا لما هيأهم الله ليكونوا نصرةً لرسوله فالإيمان يمان بشهادة سيد الخلق. وها هم اليمنيون يستعيدون المبادرة ويرفضون التدليس والتضليل الوهابي لقيم الاسلام وتعاليمه الحنيفية.

  4. ___________ كان أول إقصاء لليمنيين ؛ في سقيفة بني ساعدة عندما تم إقصاء الأنصار (الاوس والخزرج) من الخلافة وحصرها في قبيلة قريش.

  5. الله عليك يادكتور، حقيقة ولكن مؤلمة،وضعت يدك على الجرح، كنّا ومازلنا نقدم انفسنا محارق ليصل سوانا الى سدة الحكم.
    نسأل الله الفرج.

  6. الدكتور عبد الودود قارئ عميق وكاتب مقتدر ، اتمنى أن أقرأ له مقالات قادمه كثيره،، له مني كل الحب والتقدير

  7. لقد ابدع الكاتب في سرد هذه المقاله الرائعه والتي تتطرق للجور والظلم الذي تعرض ويتعرض له اليمانيون عبر التاريخ … اجدت السرد وتدعيم الاحداث بالحقائق … تمنياتي لك بالتوفيق والمزيد من الابداع.

  8. والتاريخ يعيد نفسه … وكذا استخدم ال سعود اليمنيين ضد بعضهم فكانت الحروب الأهلية وتدمير البلاد وهلاك العباد!

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here