عبدالواسع الفاتكي: جدلية السياسة والدين في العالم العربي

عبدالواسع الفاتكي

لم تستطع الأنظمة الحاكمة في العالم العربي ، تجاهل التأثير الديني في الفضاء السياسي العام ، أو غض الطرف عن الحركات السياسية ذات المرجعيات الدينية ، وآليات التعامل معها ، ليس من منطلق الفقه الديني بل على أساس الفقه السياسي من نواحيه المختلفة ، والبحث عن قواسم مشتركة للتعامل مع الواقع الاقتصادي والثقافي والحضاري ، ناهيك عن منظومة القيم العربية الإسلامية وهنا قد يسأل البعض ، هل بمقدور السياسة والدين أن يفكا التشابك بينهما وبين الواقع ؟ بالتأكيد لا فالسياسة والدين ، لا يستطيعان إغفال الجانب المادي في المنهج السياسي العام للحياة العامة ، التي يمثل الدين فيها الوجدان العام للمجتمع العربي وقيمه ، والمدرك الأساسي أن الإسلام عقيدة وثقافة وحضارة، والخطورة كامنة في تحريف منهج الإسلام ، من خلال ممارسات أحزاب إسلامية سياسية ، حولت الإسلام من عقيدة جامعة للأمة إلى أيدلوجية سياسية لفريق منها .

عرفت المنطقة العربية في الآونة الأخيرة أطروحات فكرية وسياسية حادة ومكثفة ، تناولت علاقة الدين بالسياسة والعكس ، وستظل تلك الأطروحات موجودة وبقوة ، طالما استمر التردي في الأوضاع العامة ، وانعدمت التنمية وبناء الدولة بناء عصريا ، يأخذ آبعادا تكاملية في مسار طبيعي ، مع الحفاظ على القيم الدينية الحنفية ومقاصد الشريعة النبيلة.

الأحزاب السياسية التي تمارس عملها السياسي مصبوغا بصبغة دينية ، كونت لدى جماهيرها صورة ذهنية مقدسة ، يتم من خلالها الخلط بين مواقف الحزب السياسية ، وبين النمط الديني المترسب في ذهن قواعد الحزب ، خلال التنشئة الحزبية الممزوجة بالخطاب الديني والدعوي ، ينجم عن ذلك تقديس آراء الحزب وتعظيم مكانة قادته لدى الموالين والأتباع ، لدرجة تصادر فيها عقولهم ، وتصير رؤى الحزب واتجاهاته مسلمة ، يجب الإيمان بها ، وأي تساؤل حولها يعد مجانبة للصواب، وخروج عن الحقيقة.

في وطننا العربي عندما تفشل السلطة في تقديم حلول لمشاكل المجتمع ، وعندما لاتملك الأحزاب  برامجا، توجد لها جمهورا يحتضنها ويصنع لها قبولا في المجتمع تلجأ للتلبس بالدين ، والالتصاق بالسماء، داعية سكان الأرض للتسليم والانقياد لها.

النظام السياسي في الوطن العربي هو المسؤول عن التنشئة الدينية والفكرية والاجتماعية ، وتكوين الهوية الوطنية العربية ،  وعليه تقع مسؤولية الانحرافات والتشوهات المعرضة استقرار المجتمع للخطر بمفهومه الشامل ، وهو المسؤول عن إنتاج أجيال مبرمجة مسبقا ، تفتقر للعقليات الناقدة الغير قابلة للتعبئة الجاهزة أو التفريغ السريع ، في ظل التماهي مع الفرد القائد أو الحزب المخلص، ولن يتم تقليل تضليل الرأي العام ، وتخفيف مساحة التجاذبات الدينية والسياسية إلا بتبني خطاب،سياسي وديني متنور، يتواءم مع العصر ويلبي طموحات وآمال الجماهير العربية.

كاتب يمني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here