عبدالنبي فرج: الحلم والكيمياء والكتابة في عالم محمد عفيفي مطر للدكتور شاكر عبدالحميد

عبدالنبي فرج

كتب  د. شاكر عبدالحميد مقالا  تناول ديوان “أنت واحدها وهي أعضاؤك” للشاعر الكبير الراحل محمد عفيفي مطر  ونشر المقال  في مجلة فصول، منذ ثلاثين عاماً كما أشار د شاكر وقد راق هذا المقال للشاعر الراحل لدرجة أنه قال: وكأنك كنت معي وأنا أكتب الديوان وأخذ يحث د شاكر كلما قابله  لتوسيع بحثه، وقد تحقق هذا الأمنية  وكان هذا المقال حجر أساس لتناول عالم محمد عفيفي مطر الشعر حتي صدر حديثا عن” دار بتانة للنشر والتوزيع ” في كتاب  تحت عنوان ” الحلم والكيمياء والكتابة” وقد تضمن الكتاب مدخلاً يسرد فيه حياة مطر، وتجربته الشعرية في مزج فريد  إضافة إلى تقسيم الكتاب إلي سبعة أبواب ليفكك حياته وعالمة الشعري وهذه الأبواب هي: “الحياة”، “الصمت”، “الرعب”، “الأشباح”، “الأحلام“، “الكيمياء“، “الكتابة”. وكانت هذه الأبواب مفاتيح ناجعة في فك وتفكيك عالمه الإبداعي لماذا؟ لأن عفيفي أُتَّكِئًا  علي مصدرين مكونان لثقافته، الصوفية/ والفلسفة وانعكست بذلك علي نتاجه الشعري الغزيز ومن كلاهما أعلي من قيمة الرمز الإبهام، الضبابية، المفتون بإشراقات وفيوض الفيلسوف أفلوطين والذي يعتبره د شاكر عبدالحميد مدخلا اساسياً لفهم الشاعر في السفر الملهم،  لذلك جاء الجهد الشاق الذي بذله د شاكر ليكشف عن ثراء شعرية عفيفي مطر لذلك  بدأ المفكر الكبير، سفره بالبحث عن مفاتيح  لسبر أغوار هذا البحر وهذه الصحراء المترامية، وهذه الغابة الحوشية المتشابكة، استخدم فيها ترسانة من المعرفة العميقة والذهن المتقدة والعلم الوفير وهو العالم  المتخصص والمتعدد القراءات  مثمنا قيمة الخيال والحدس في الكشف  معتمدا علي سيرة الشاعر الذاتية  و27 ديوان حصيلة رحلة الشاعر اضافة لكتب الاطفال اذي استحوذت  علي اهتماماته  لفترة طويلة، لذلك لم يشر كثيرا لنصوص عفيفي مطر، فهي كتابة منفتحة تكشف وتشير وليس لها أحكام قاطعة، في لغة ممتعة سهله، شفافة وعميقة لا ترهل فيها، ويعترف د شاكر بصعوبة شعر عفيفي ولكن ينفي عنه صفة الانغلاق، والابهام التام لأنها تجربة شديدة الثراء والتنوع  وتوصل فيها إلي سبع مفاتيح لسبع أبواب، يجدها خير رموز لفتح دهاليز وغرف الشاعر  وتمهيد وخاتمة، منها، باب الكدح النبيل وفيه يرصد سيرة حياة الشاعر ومحنه حياته سواء في قرية رملة الانجب حيث  طبيعة القري المصرية شديدة القسوة، لا تتسع أبدا لروح شاعر، إضافة إلي  دور أبيه السلبي المؤذي الذي ذاق منه الويلات لذلك كان تعيينه كمعلم في كفر الشيخ طوق نجاة ولكن هل يطيب العيش لشاعر حر في بلد دكتاتورية تنفي المختلف وتحذفه وعفيفي يعرف الجبروت التاريخي للسلطة القامعة في مصر لذلك كتب:

” وأدركت أن الزمن الأغبر سيوجهني بكراهيتي للسلطة في كل السبل، وأن هلاك أيامي سيكون علي يديها، وأن أعمق لحظات الأمان بيني وبينها ستكون شبيهة بلحظات التقاء عيني الثور بعين مصارعيه: قوة وحشية متكتلة أمام رعب جريء يواخي الموت ويستألفه برشاق الرقص والموسيقي وأسنة الكلام” .

ثم توالت الأبواب أو المفاتيح للكشف والإضاءة، مثل باب الصمت، حيث يحضر الصمت في أشعار عفيفي مطر بأشكال عدة يتجلى علي هيئة سكون، أو هدوء، أو نوم أو موت، يحضر من خلال الطبيعة الصامتة، حيث الترع مشققة، والأشجار عارية من الأوراق، يحضر علي هيئة تذكر، أو سؤال، يجيء في عناوين القصائد، أو بدايتها، أو بين ثناياها، أو في نهايتها، والصمت كما يري د شاكر ليس بمعني الخرس، ولكن فقط بداية للكلام، تمثيل لمرحلة ما بعد اللغة، مرحلة الانفعالات، والأفكار، والتصورات، والذكريات، والأحلام، ثم يستحضر الباحث  باب الرعب الذي يعتبره باب المحنة الكبري في حياة عفيفي حيث تم اعتقاله عام 91 وتعذيبه في سجون النظام المصري وعندما خرج،  خرج إلي سجن أوسع وأقبح وهو عنف الخصيان من المثقفين حيث دأبا علي ايزاءه، من خلال الحذف، والإقصاء، والتهكم، والتآمر عليه

ثم  رصد في  باب الأشباح، حضور كبير لأشباح الليل وأرواح الموتى، واشباح الذكريات، والوقائع المؤلمة، الجارحة، التي يمثل بروزها رعب للشاعر، أو أشباح الأفكار والأحلام والشخصيات التراثية ثم ينتقل  لباب الأحلام والذي يرصد فيه حضورا لافتاً للحلم والكوابيس أنه يتتبع خطي جويا الذي كان يحب أعماله “إن اللوحات والأحلام كاللوحات” بداية الحلم “قراءة” والحلم ذاته ” قراءة” ونهاية الحلم “قراءة” والكابوس ايضاً ” قراءة” يقرأ يدخل الباحث عالم أحلام عفيفي حيث وجد هناك عالم صاخب كثيف من أحلام اليقظة، واحلام النوم واحلام المستقبل احلام ليست في الغالب احلام ذاتية بل هي اشبه بغابة جامحة جانحة مجتاحة تحوي الأحلام الذاتية، وقد امتزجت بأحلام الجماعة، ثم يولج بنا الباحث في  باب الكيمياء بمعناها القديم، وهي مزج المعادن الخسيسة لتحويلها إلي معادن نفيسة، وكذلك بسبب دلالتها في التصوف والإبداع والأحلام، باب الكتابة حيث المكابدة والمعانة والشوق والصراع، صراع مع عالم الليل وعالم النهار، الحاضر مع الماضي، الرجل مع المرأة، الذات مع الآخر، الذاكرة مع الذات والكوابيس والأحلام، أنها أشبه  بمعركة قد استمرت طوال الحياة وعبر العمر من القراءة والمكابدة، والمجاهدة والمجالدة.

 وفي كل باب من هذه الأبواب يكرس د شاكر للثراء البالغ لشعرية عفيفي مطر لأنها  تتغذى  من مسارب شديدة التعقيد بدايته من استقاء الأفكار الهرميسية الفرعونية القديمة والإغريقية والأفلاطونية المحدثة والتصوف الاسلامى ويغلب علي هذه القصائد البناء المحكم والغموض وإضفاء لغة حلميه للتخفيف من جفاف وثقل المعرفي كما يستدع الأساطير والسير الشعبية والخرافة والملاحم والشخصيات التراثية المحلية والكونية ليحولها إلى أقنعة رمزية لبث أفكاره ومعتقداته ورواه الجوهرية، ودائما هناك رابط حتمي بين  استدعاء تلك الشخوص وأزماته  الروحية القاسية الذي يمر بها الشاعر سواء كانت أزمات شخصية أو عامة تمس قضايا الوطن وكلها لاستنهاض روح المقاومة والعنفوان وثراء النسيج القومي ومن الأسماء التي أصبحت أيقونات للخصوبة , أيقونات لتحرير الروح، مثل ابن عربي، لوركا، جويا، هكتور، هوميروس ,وتناثرت تلك الشخصيات فى معظم دواوينه، من ملامح الأمبذوقليس الى والنهر يلبس الأقنعة ومن دفتر الصمت إلى احتفاليات المومياء المتوحشة. ودائما هذه الاستدعاء يمزج فيها بين التاريخية وبين المسيرة الروحية للشاعر والشعرية للشاعر. إما استلهام الطقوس الريفية ورصد الواقع اليومي والأساطير الصغيرة الذي يتغذى عليها الفلاحين في الريف المصري خصوصا فهي مناطق عفيفي الحميمة حيث يفيض بالشفافية وتبدو لغته في غاية العزوبة وتخفت حدة الأيدلوجية لصالح جوهر الشعر حيث يتماس مع الأسطورة الذاتية أو الجماعية الشعبية أو بتعبير شكري عياد حيث تكمن الجوهرة التي هي مفتاح رؤيته الوجودية والذي نطل معه من عالم الظواهر والسطح الى عالم القيم وبدا هذا واضحا في معظم دواوينه خاصة في أنت واحدها، والنهر يلبس الأقنعة، احتفال المومياء المتوحشة، وفاصلة إيقاعات النمل . من فردوس بائعة المانجو إلى هلاوس ليلة الظماء، امرأة تلبس الأخضر دائما. الطفل والحزن وغيرها، محمد عفيفي مطر ي من أبرز شعراء جيل الستينات في مصر، صاحب مشروع ضخم  وقد تنوّعت مجالات عطائه بين المقالات النقدية وقصص لذلك كان صدور هذا السفر الكبير برؤية متبصرة لدكتور شاكر عبدالحميد والذي يعتبر اضافة حقيقية للنقد والشعر العربي.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. النقد علم له أصوله وقواعده ومناهجه.لكن ما نقرؤه هنا في هذا المقال هو مجرد تلخيص بائس للكتاب.ومن المعروف أن د.شاكر عبد الحميد قد كتب عن النبي فرج وامتدحه في جريدة القاهرة المصرية؛لهذا يردُّ عبد النبي فرج الجميل له بهذا المقال التبجيلي الذي لا يُضيف جديدًا إلى القارئ.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here